في الأكشاك هذا الأسبوع
المخرج الفرنسي "جان بيير كرييف" يتوسط إدوارد موحا وعبد الرحيم التوراني

هل سيكشف إدوارد موحا سر الانتقام المستمر للوزير إدريس البصري؟

خاص بـ”الأسبوع” من عبد الرحيم التوراني:

     يذكر القراء أن “الأسبوع” كانت الجريدة الأولى- والوحيدة حتى الآن – التي بادرت إلى الكتابة عن قضية إدوارد موحا، من خلال التحقيق المتميز الذي أنجزه الكاتب والإعلامي المخضرم عبد الرحيم التوراني، ونشرناه قبل حوالي سنة على صفحتين تحت عنوان: “قصة إدوارد موحا وما جرى له: من مستشار ملكي إلى فقير يكتري بيتا مع الجيران”.

 ———————

كان محمد الركيبي، المشهور باسمه الحركي إدوارد موحا، قد عمل مستشارا في الشؤون الصحراوية للملك الراحل الحسن الثاني، ووقف أكثر من مرة على منبر الأمم المتحدة ولجانها خطيبا مدافعا عن مغربية الصحراء، بل شارك في معارك القتال ضد البوليساريو إلى جانب قوات الجيش المغربي، وقد تم تعيينه بظهير ملكي عاملا في الإدارة المركزية لوزارة الداخلية المغربية، لكنه سيفاجأ بتوقيف راتبه من طرف الوزير القوي آنذاك إدريس البصري، بعد استفحال مرض الحسن الثاني، لأن البصري لم يكن يستسيغ موحا وكان يكرهه ويكن له الحسد.  وهو الانتقام غير المفهوم استمراره إلى يوم الناس هذا، حتى بعد عزل صاحب أم الوزارات، بل وغيابه عن دنيانا الفانية.

هكذا سيجد إدوارد موحا نفسه في آخر العمر وحيدا، مجليا بين الدروب السفلى لمدينة سيدي بليوط، لا يكاد يعرفه أحد، يكتري بيتا مع الجيران وبالكاد يجد ما يسد به الرمق.

خلف نشر هذا التحقيق صدمة كبرى لدى معظم القراء، كان في مقدمتهم السكان والجيران الذين يعيش بينهم اليوم إدوارد موحا، حيث نفدت جميع نسخ عدد “الأسبوع” الذي يحتوي على “قصة إدوارد موحا وما جرى له” من أكشاك ذلك الحي الشعبي، وازداد تعاطف الساكنة مع المأساة الإنسانية والمآل الصعب لهذا الصحراوي الكتوم.

كما وجد التحقيق صداه في عدد من المواقع الإلكترونية المغربية والعربية التي تناقلته عن مصدره جريدة “الأسبوع”، واقتبس منه البعض، ومن بينهم الناشط السياسي اليساري “سيون أسيدون” الذي استشهد بحالة موحا في أحد مقالاته حول حقوق الإنسان والسلطة في المغرب.

وانتظرنا أن تتحرك الجهات المعنية من أجل إنصاف الرجل وإعادة الاعتبار إليه، لقطع الطريق عن استغلال حالته وتقديمها كنموذج صارخ عن الجحود المخزني، لا سيما وأنها حالة لها صلة وثيقة بقضية الصحراء، إلا أنه لم يحصل أي رد فعل إيجابي في هذا الاتجاه، ليترك الرجل أسيرا للمرض وللموت البطيء.

وتتردد حاليا أخبار قادمة من فرنسا وبلجيكا أن جمعية الكتاب باللغة الفرنسية، ومقرها بباريس، تفكر في القيام بمبادرة لإنقاذ إدوارد موحا، الذي يعد أحد أعضائها، كما أن شخصيات أوروبية، من بينها نشطاء حزبيون ومثقفون، سيقومون قريبا بنفس المسعى التضامني مع موحا على أعلى المستويات.

 

اهتمام فرنسي ألماني

 

قبل أسابيع قليلة وصل من فرنسا إلى الدار البيضاء من يرغب في الجلوس والاستماع إلى إدوارد موحا بإلحاح، ولم تكن رحلة البحث هينة، فعنوان المبحوث عنه كافكاوي كصاحبه، يتطلب النزول إلى السراديب. ولم يكن الباحث من “أصحاب الحال” كما يطلق على أهل السلطة والحل والعقد لدينا، بالرغم من كونه هو مبدع “الحال”، تلك التحفة السينمائية الباذخة التي احتفت بمجد المجموعة الغنائية الأسطورية “ناس الغيوان”.. إنه المخرج السينمائي المغربي المعروف أحمد المعنوني.

أبلغ المعنوني صاحب “ليام يا ليام” إدوارد موحا أن القناة الفرنسية الألمانية

ترغب في إنجاز فيلم وثائقي خاص حول سيرته وتاريخه ومواقفه وأفكاره السياسية ووضعه الحالي.

هكذا سيأتي لاحقا أحد أكبر المخرجين والمنتجين السينمائيين المتخصصين في الأفلام الوثائقية لمقابلة موحا في الحي الشعبي البيضاوي، إنه الفرنسي “جان بيير كرييف” الذي سبق أن تم تكريمه في العاصمة ضمن فعاليات مهرجان الرباط الدولي التاسع عشر لسينما المؤلف سنة 2013، اعترافا بعطاءاته المتنوعة، حيث أخرج “جان بيير كرييف” ما يزيد عن أربعين فيلما وثائقيا، لعل من أشهرها فيلما “حرب العراق و”القصة الأخرى”.. وفيلم “الرعد” يدوي فوق بغداد” في جزأين، وهو الفيلم الذي استغرق سنوات في إعداد مادته وتصويره، بعد فيلمه المثير حول محاكمة صدام حسين.

بسرعة ذابت الحواجز بين المخرج الفرنسي والناشط الصحراوي، خصوصا وأن لديهما أصدقاء مشتركون، في مقدمتهم ناشر إدوارد موحا “جان بيكولي” الذي نشر خمس مؤلفات من إصدارات إدوارد موحا التي بلغت 15 كتابا باللغة الفرنسية كلها تدور حول قضية الصحراء ومغربيتها.

في “سطيحة” المقهى الذي اعتاد موحا الجلوس به لارتشاف قهوته اليومية وتدخين غليونه، ووسط صخب المارة ورواد المقهى، تم تصوير مقابلة طويلة مع إدوارد موحا على مدى يومين. كان وراء الكاميرا مصور سينمائي فرنسي محترف “نيكولا كونتان”، ومهندس صوت مغربي متمكن “أنيس برجاني”، ومساعدان أحدهما عثمان الابن الأكبر للمخرج أحمد المعنوني.

وبالرغم من تواجد المقهى على بعد خطوات قليلة من المركز الرئيسي لأمن المنطقة، فلا أحد اقترب من فريق العمل التلفزيوني، أو طلب منه رخصة التصوير، وحدهم الفضوليون، وأكثرهم من تلاميذ المؤسسة الثانوية القريبة، تساءلوا عمن يكون هذا الرجل الطويل القامة، الذي يمشي في الشارع وتتبع الكاميرا خطواته الوئيدة، وهي آخر المشاهد التي صورها المخرج.

واتضح أن “جان بيير كرييف” على سعة اطلاع وإدراك بالأحداث والتاريخ المعاصر في المنطقة والمغرب، وعلى معرفة بقصة إدوارد موحا نفسه، من هنا حيوية أسئلته الذكية والهادفة إلى كشف الأسرار وتسليط مزيد من الضوء على أكثر من بقعة معتمة في الأحداث والمواقف والتواريخ…

 

معلومات وأسرار

 

في البداية، كان لابد لـ”جان بيير كرييف” من سؤال موحا عن أصوله وسيرته وتكوينه ومسيرته، ثم الحديث عن الموريهوب (الحركة الثورية للرجال الزرق) وظروف تأسيسها كأول حركة تحرر في الصحراء المغربية سبقت إنشاء البوليساريو بسنوات، وحول انفصال الموريهوب عن الجزائريين وعودة رجالها إلى بلدهم المغرب، واتصالات إدوارد موحا بحركات التحرر في العالم من أجل خدمة القضية المغربية، وعلاقات موحا بقادة منظمة إيتا في إسبانيا، وبالحزب الشيوعي الإسباني وبالجماعات المعارضة للديكتاتور فرانكو، وصلاته بالجيش الجمهوري الإيرلندي وبالألوية الحمراء في إيطاليا.

كما سأل “جان بيير” موحا أن يرسم له بعض البورتريهات الإنسانية عن بعض الشخصيات التي اقترب منها أو اشتغل بجانبها، ومنها الرئيس الهواري بومدين، والرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وجلول ملايكة مسؤول حركات التحرر بجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وقاصدي مرباح رئيس المخابرات الجزائرية الذي نشأ وترعرع في سيدي قاسم، مدينة الجنرال الدليمي، وعمل موحا إلى جانب الملك الحسن الثاني. كما سأل جان بيير كرييف إدوارد موحا عن علاقته مع الكاتب الفرنسي جيل بيرو صاحب كتاب “صديقنا الملك”، وكيف كان يتعامل مع الجنرال أحمد الدليمي، والجنرال أحمد الصفريوي، والجنرال القباج، مرورا بالوزير إدريس البصري، والوزير مولاي أحمد العلوي، وآخرين…

وكان آخر سؤال اختتم به جان بيير كرييف مقابلته مع إدوارد موحا هو: ما هو الدرس الذي يستخلصه موحا اليوم بعد كل هذه المسيرة الطويلة التي أوصلته إلى الصعود إلى سفح المعاناة بعد النزول من مجد القمة…؟

حدق إدوارد موحا في وجه محدثه، وكأنه فوجئ بالسؤال، ثم أخذ نفسا من دخان غليونه، ومرت لحظة صمت قبل أن يجيب.

ننتظر معكم تفاصيل إجابات موحا، بعد أن ينتهي المخرج الفرنسي القدير من توظيب فيلمه الوثائقي، الذي سيتم بثه في شهر ماي المقبل على شاشة عدد من القنوات الأروبية، في مقدمتها “أرتي” باللغتين الفرنسية والألمانية، لكن العرض الأول يرتقب أن يتم هنا في الرباط، كما أخبرنا “جان بيير كرييف” وهو في ذروة الانشراح بالفوز بمادة فيلمية ثرية جديدة، تتضمن معلومات وأسرار تكشف لأول مرة على لسان أحد صناع الأحداث لا يشبه غيره، خبطة إعلامية ستضاف إلى إنجازات “جان بيير كرييف” الناجحة في مجال التوثيق المصور.. لا شك.

error: Content is protected !!