في الأكشاك هذا الأسبوع

روبورتاج | شبح الاغتيالات السياسية يعود للمغرب

إعداد: سعيد الريحاني

    “ثريات ونفتخر”.. “كلنا عبد الإله بن كيران”.. بالإضافة إلى شعارات أخرى، كلها لافتات مخطوطة باليد رفعها مستقبلو رئيس الحكومة في منطقة الدشيرة الجهادية يوم 7 مارس الجاري، وكان بن كيران قد اختار بشكل مقصود النأي بنفسه عن مدينتي الرباط والدار البيضاء، حيث كانت الحركة النسائية، التي يتزعمها رجال على حد قوله بصدد التحضير لمسيرات عيد المرأة.

 —————–

      لم يحمل بن كيران معه أية ورود للدشيرة، كما فعل الآخرون، بل إنه شحذ لسانه بما يكفي من “القفشات” وانطلق رفقة بعض حوارييه نحو الدشيرة، وما هي إلا بضع ساعات حتى كان رئيس الحكومة وسط آلاف من الأنصار يلقي خطابه الصادم: “كتعقلو بلي كنت كنجي دائما أنا والسي بها رحمه الله، اليوم جيت بوحدي لأنه مشى عند الله، وملي كيشوف الإنسان صاحبو مشى عند الله تيبدا هو يستعد ويوجد راسو، جيت باش نحملكم هاد المسؤولية.. دابا آش واقع؟ الشعب بدا كيستعيد المبادرة.. الشعب وصل للحكومة والبرلمان ناس كيشبهو لو.. كيعطفو عليه، ما جاوش ياكلو من العرق ديالو ما جاوش باش يسرقو المال ديالو، ناس إيلا مشا الأمر مزيان معاهم غادي يكون المغرب إن شاء الله الرحمان الرحيم متقدم أكثر مما هو متقدم اليوم”، هكذا بدأ رئيس الحكومة كلامه.

وتابع قائلا، وبشكل تفاعلي مع حماس الجمهور: “بغيتونا عاوتاني، ها حنا معاكم، حتى نلقى الله، إيلا مات السي بها حنا كاملين مستعدين نموتو في سبيل الله، وراه كاين اللي كيهدد، وحنا عارفين، وكنعرفو نقراو، غير مكنبغيوش نفضحو الأمور..”.

هكذا لمح عبد الإله بن كيران إلى احتمال وجود سيناريو آخر لمقتل وزير الدولة عبد الله بها، الذي وجدت جثته مشوهة بعد أن صدمه القطار، في وادي الشراط، غير بعيد عن نفس المكان الذي مات فيه الاتحادي الراحل أحمد الزايدي، الذي كان يحلم بالانشقاق عن حزب الاتحاد الاشتراكي في آخر أيامه..

بعد هذه الواقعة، حاولت مصادر مقربة من بن كيران التخفيف من حدة هذه التصريحات، من خلال التأكيد على أن بن كيران لم يكن يقصد التشكيك(..) لكن تداعيات كلامه كانت قد وصلت إلى الرباط، ليقول الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال عادل بنحمزة: “إن حديث رئيس الحكومة عن اغتيال عبد الله بها يثير قلق الجميع وهو موضوع يريد به السيد بن كيران أن يكون حساسا.. يجب على رئيس الحكومة أن يكون مسؤولا عن كلامه لأن الجميع يأخذ كلامه على محمل الجد”.

وأوضح بنحمزة في تصريحات خص بها جريدة “العلم” الناطقة باسم حزب الاستقلال: “أن يتكلم السيد عبد الإله بن كيران في مهرجان خطابي عن الاغتيالات وأنه مهدد بالموت، ويعترف بأنه يعرف من هم وراء هذه التهديدات لكنه يسكت، فهو كلام خطير ويحتاج إلى فتح تحقيق نزيه من أجل استجلاء الحقيقة، أما إذا كان رئيس الحكومة من خلال تصريحه يريد أن يتكسب سياسيا بموت صديقه فذلك أخطر، ويمكن اعتباره رجلا فقد البوصلة، ولو أن المتتبعين للشأن السياسي كانوا يعتبرون كلام السيد بن كيران في العديد من المناسبات السالفة يدخل في إطار الصراع السياسي، لكن الأمر يتخذ منحى آخر من خلال التصريح الأخير لرئيس الحكومة”.

وكان الجميع يعتقد أن قضية وزير الدولة عبد الله بها قد طويت، بعد أن قبلت عائلته بالأمر، ولم تطالب بتشريح طبي، والكل يتذكر أن أحد أبناء عبد الله بها وهو أمين بها، كان يقول للمشككين: “اتقوا الله” لكن تصريحات رئيس الحكومة فتحت الملف من جديد، وفتحت الباب على مصراعيه، أمام احتمال ظهور مطالب بتشريح الجثة.

أول رد صدر ضد تصريحات بنحمزة الذي طالب بفتح تحقيق، جاء على لسان زعيم الذراع النقابي التابع لحزب العدالة والتنمية، حيث قال هذا الأخير في تصريحات صحفية إن المعارضة التي يمارسها حزب الاستقلال تندرج في “الدرك الأسفل من المعارضة”، في إحالة على “الدرك الأسفل من جهنم”، قبل أن يصف قياديي حزب الاستقلال بـ”التماسيح التي أخرجتها حرارة النجاحات التي حققها حزب العدالة والتنمية”، مضيفا أن حزب الاستقلال أصبح يستغل في معارضته أي  موضوع حتى لو تعلق الأمر بالأموات، والجراحات والآلام التي خلفها موت السيد عبد الله لدى أسرته وأبنائه وأحبائه”.

 باختصار، لم يخض محمد يتيم في موت بها ولكنه هاجم حزب الاستقلال، بخلاف قيادي آخر في حزب العدالة والتنمية، ويتعلق الأمر بامحمد الهيلالي عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، الذي اتهم حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال بشكل صريح بالوقوف وراء هذه الوفاة، ((وكتب الهلالي، على حسابه في موقع “الفايسبوك” بأن “شباط هو المسؤول الأول عن موت عبد الله بها، بسبب “خلقه لأجواء فتنوية، وتحريضه الهستيري ضد رموز الحكومة والعدالة والتنمية”، على حد تعبيره)) (المصدر: موقع هسبريس، الثلاثاء 10 مارس 2015، نشر على 13:50 زوالا).

تصريحات من هذا النوع كفيلة بإعادة إحياء الشكوك، أو إحداث انشقاق في حزب العدالة والتنمية، المنقسم إلى جناحين: جناح يريد طي الصفحة، وجناح يريد فتحها، فقد سبق أن تفاعل وزير التجهيز عبد العزيز الرباح مع نشطاء “الفيسبوك” الذين اتهموا ما سموه “الدولة العميقة بالوقوف وراء الحادث”، غير أن الرباح قال: “أرجوكم لا تروجوا لهذه التخيلات.. فبلادكم بخير وإن فقدت أعز رجالاتها من مثل حبيبنا عبد الله بها رحمة الله عليه.. فللوطن رب يحميه، وملكية توحده، ودين يرشده، ونخبة تصونه، وشعب يفديه، ويقظة تحميه.. لا تكونوا صدى لمن يريد نشر الرعب في البلد وإخافة المواطن والأقرباء والشركاء بعدما أنعم علينا ربنا بنعمة الإصلاح في ظل..”.

نقاشات من هذا النوع “اللامسؤولة” أعادت إلى الأدهان الحديث عن التاريخ المأساوي المنسي، “تاريخ الاغتيالات السياسية في المغرب” وهو الموضوع الذي لم يجد بعد من يسبر أغواره بشكل عميق، رغم أن المادة الأولية لهذا العمل وفرتها تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة.

وقد سبق أن طرح سؤال الاغتيالات السياسية على المحلل السياسي، محمد ظريف، الذي اختار بدوره دخول تجربة العمل السياسي فقال: “الاغتيالات السياسية في المغرب محدودة، إذ لا يمكن الحديث عن ظاهرة وإنما عن بعض الاغتيالات التي طبعت تاريخ المغرب، خاصة بعد الاستقلال، وأشهرها، إذا تجاوزنا ما وقع في بداية الاستقلال، طالت أشخاصا كانوا مختلفين مع حزب الاستقلال.. أهم الاغتيالين السياسيين، تمثلا في اغتيال المهدي بنبركة في أكتوبر 1965، وعمر بنجلون في دجنبر 1975”.

وسبق لمحمد ظريف أن أكد في تصريحات صحفية أن هناك صنفين من الاغتيالات السياسية: “صنف يتعلق بتورط الدولة في بعض الاغتيالات، وهنا نشير بشكل واضح إلى قضية اغتيال المهدي بنبركة، الذي يعلم الجميع أنه كان معارضا للنظام السياسي وكان يدعو إلى نهج خيار ثوري من أجل تغيير النظام القائم..”، أما الصنف الثاني فيحدده ظريف في “الاغتيالات” المتعلقة بتصفيات جسدية بين قوى سياسية متنافسة، وهنا نتذكر بأن الاغتيالات السياسية التي شهدها المغرب بعد الاستقلال، اتهم فيها حزب الاستقلال بشكل مباشر..”.

هكذا إذن يمكن القول إن السياسيين في المغرب عادوا للوراء، وكأن التاريخ يعيد نفسه، بعد اتهام حزب الاستقلال بالتورط في مقتل بها من طرف قيادي في حزب العدالة والتنمية.

يذكر أن تدبير الصراع السياسي في المغرب اتخذ في بعض الأحيان طابعا دمويا، وذكرت فيه أحزاب سياسية بعينها من بينها حزب الاستقلال، “فقد توالت حلقات العنف في فجر الاستقلال، أثثها تعدد الجماعات المسلحة التي وظفت من لدن أطراف داخلية وخارجية على السواء. وبدا الأمر في البداية وكأن هناك دعما سياسيا للجماعات المسلحة، فاختلطت الحسابات السياسية بالعنف المسلح والتصفيات والاختطافات. وتطورت الأمور إلى تحالفين كبيرين؛ الأول: يضم حزب الاستقلال، والمنظمة السرية، ومنظمات فدائية أخرى ظهرت قبيل عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى، والثاني: يضم حزب الشورى والاستقلال، والحزب الشيوعي، ومنظمة الهلال الأسود.. أما المرحلة الثانية فهي فترة الاغتيالات السياسية في زمن الاختلاف حول شكل وأسلوب بناء المجتمع الجديد، واشتركت منظمات تابعة للدولة وللأحزاب في عمليات التصفية الجسدية لقيادات سياسية ونقابية وشخصيات محايدة ومواطنين عاديين. وشكل الاغتيال السياسي أداة لبناء وإعادة بناء التحالفات ومراكز القوى داخل المجتمع الجديد. وامتدت تداعيات هذه المرحلة في جل مراحل تاريخ المغرب المستقل، حيث وظفت في زمن الأزمات بين القصر والأحزاب الوطنية” (حوار الباحث الموساوي العجلاوي مع جريدة الصباح، الإثنين 01 يوليوز 2013).

error: Content is protected !!