في الأكشاك هذا الأسبوع
محمد عبد الوهاب يتحدث إلى الزميلين رمزي صوفيا وسليم أبو الخير

محمد عبد الوهاب: “أغنية “لا تكذبي” قصة واقعية بطلتها المطربة نجاة الصغيرة”

شخصيات عرفتها – بقلم : رمزي صوفيا

تقديم:

تعتبر رائعة “لا تكذبي” من أجمل الأغاني الخالدة في خزانة الأغنية العربية العاطفية بامتياز، ومن فرط جمال كلماتها فقد أداها أكبر مطربي القرن العشرين حتى أن ملحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب لم يحرم نفسه من تسجيلها بصوته الرجالي الأجش على أنغام عوده الشهير وبدون فرقة موسيقية.

وكثيرا ما تساءل عشاق هذه الأغنية عن كواليس كتابتها وتلحينها وأدائها من طرف ثلاثة أسماء كبيرة في عالم الطرب ألا وهم: محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، ونجاة الصغيرة، فكانت الأسماع والقلوب تنغمس في مشاعر متضاربة عند تتبع مقاطع الأغنية في كل مرة أداها صوت عظيم من الزمن الجميل للطرب العربي.

وقد طلب مني الكثير من قرائي الكتابة عن حقيقة ما جرى وحدث حتى خرجت هذه الرائعة للوجود بكل هذا الصدق والجمال.

—————————————————

تعود قصة كتابة رائعة “لا تكذبي” لسنوات الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كان الشاعر كامل الشناوي معروفا بضخامة جثته وبعده عن أي قسط من الوسامة الرجالية (رغم أنه ابن عم النجم الوسيم كمال الشناوي)، وكان الشاعر كامل الشناوي ضعيفا جدا أمام الجميلات اللواتي يتميزن بقامة قصيرة وجسد صغير وكان يثيره صوت المرأة ونظراتها أكثر من أية تفاصيل أخرى. وذات يوم كان يجالس صديقه محمد الموجي والأديب مصطفى أمين، وفجأة دخلت عليهما في بيت الموجي فتاة شابة في مقتبل العمر وكانت معها أختها، وكانت الشابة السمراء ذات النظرات الخلابة والجسد الدقيق هادئة الطباع في حين أن أختها ملأت البيت شقاوة وضحكا بمجرد دخولهما. وكانت الأختان هما نجاة الصغيرة وسعاد حسني اللواتي كانتا يومها تبحثان في كل مكان عن موطئ قدم في مجال الفن، الأولى بصوتها الرخيم والثانية بجمالها الفتاك وشقاوتها المثيرة لاهتمام الرجال. فوقه نظر كامل الشناوي على السمراء نجاة الصغيرة وخفق قلبه لها بشدة بمجرد ملامسة يدها الدقيقة ليده الضخمة. لقد أحبها من أول نظرة، وقد حكى لي محمد الموجي بعد ذلك كيف لم يرفع الشاعر البدين عيونه عنها.

وبدورها فطنت إلى ذلك فاستغلت الموقف بمكر شديد وقالت للموجي: “أستاذ، أرجوك أن تعطيني أغنية ولو من كوبليه واحد بس” (يعني من عدة كلمات فقط)، فخاطبها الشناوي على الفور وهو يذوب ذوبانا: “هل يمكنك أن تؤدي لنا جزءا من أية أغنية تحفظينها حتى أسمع صوتك” فغنت جزءا من أغنية “يا ليلة العيد لأم كلثوم” وكان صوتها باهرا بالفعل، حيث أطربتنا وتنبأنا لها بمستقبل كبير كمطربة سوف يشار لها بالبنان ذات يوم”.

وهكذا دخل معها الشناوي في علاقة صداقة وصار يتصل بها باستمرار، وكان يهيم فيها وهي تعتبره مجرد صديق ولكنها كامرأة ذكية كانت لا تصده بل كانت تسايره حتى لا تفقده وهو الشاعر الكبير ذو الكلمات التي كان يتهافت عليها كبار الملحنين. وواصل الموجي كلامه معي قائلا: “كل ما قاله صناع الإشاعات بأن نجاة الصغيرة كانت على علاقة غرامية مع الشناوي هو كذب في كذب ونحن الذين عشنا حقيقة قصته معها، فقد كان حب من طرف واحد، وكان يقدم لها أجمل القصائد ويلمع صورتها كفنانة ويقدمها لكل الملحنين ويطلب منهم مدها بأجمل ما لديهم من ألحان حتى صارت مطربة كبيرة بفضل صوتها وبفضل دعم الشناوي الكبير لها. أما الحب الكبير في حياتها فقد كان للأديب الأشقر يوسف السباعي، لقد ساعدها كثيرا هو وشقيقه مأمون الشناوي ولكن قلبها لم يخفق له وقد قال ذلك في عدة مناسبات، حيث أكدت للجميع بأنها مظلومة من طرف من يقولون بأنها هي سبب موت كامل الشناوي بسبب حزنه وحسراته على فقدانها، وقالت للجميع بأنه لم يفقدها لأنها كانت تعتبره مجرد صديق أما هو فقد كان حرا في مشاعره تجاهها فهي لم تغصبه على حبها”.

ويتابع الموجي قائلا لي: “كان الشناوي قد بدأ يقلقنا من فرط ولعه بنجاة الصغيرة ونحن نرى أنه كان يرى كل حياته بعيون حبه لها، حيث قدم لها رائعة “عيون القلب” وهي قصيدة تحكي معاناته فغنتها بصوتها الرخيم وكنا معه وهو يتأوه عند سماعه لها، وكنت مع مصطفى أمين نقول له باستمرار: احترس فأنت تعيش في عالم بعيد عن الواقع وسوف تصطدم بالواقع فتكون صدمتك قوية جدا، وفعلا جاء اليوم الموعود عندما كان الشناوي يقود سيارته في طريق الهرم الخالي، وهو يفكر في نجاة كعادته، فلمح سيارة الكاتب الكبيرة الدكتور يوسف السباعي تسير ببطء في الطريق الصحراوي، وعندما اقتربت سيارته من سيارة السباعي لاحظ بأن فتاة كانت توجد إلى جانب السباعي وهي مستلقية برأسها على كتفه، وفجأة توقفت السيارة، فتابع الشناوي كيف بدأ يوسف يلتهم شفاه نجاة الصغيرة التهاما وهي ذائبة بين أحضانه ولا ترى من هذا العالم سوى عيونه الزرقاء الشرسة، وقال الشناوي عندما عاد منهارا، ودخل على صديقه الأديب مصطفى أمين في بيته بالزمالك وكنت جالسا ألحن قطعة جديدة، وكان وجه الشناوي مصفرا وعيونه زائغة وكأنه سيموت بعد لحظات، فقلنا له: اجلس واحك لنا ما حدث لك، فقال لنا: لقد رأيتهما معا، لقد كانا غارقين في القبلات التي أحرقت قلبي وحطمت كل حياتي، لماذا يا نجاة؟ لماذا وأنا الذي وهبتك كل شيء في حياتي؟ لماذا خنتني؟ فصمتنا أنا ومصطفى أمين وتركناه ليفرغ ما كان يروج في نفسه حتى يرتاح. وفجأة أمسك بالقلم والورقة من مكتب أمين وبدأ يكتب ونحن صامتان نتابع ما كان يكتب، فكان ميلاد القصيدة العظيمة وهو يكتب ودموعه تمتزج بحبر القلم فوق الورقة الأصلية للأغنية، وبمجرد انتهائه من كتابتها أمسك بسماعة الهاتف واتصل بنجاة الصغيرة وبدأ يقرأ عليها كلمات الأغنية متنهدا. فسمعناها تقول له على الخط الآخر بمجرد انتهائه من قراءة الكلمات: “حلوة أوي يا كمولتي، أما عايزاها. لحنها عشاني، أما عايزاها بلحن محمد عبد الوهاب، وكان يتابع كلماتها المنسابة بغنج وأنوثة وهو يقول لها: حاضر، حاضر حبيبتي كل اللي تريديه سيكون حبيبتي ولا يكون عندك فكرة”. وبمجرد إنهائه للمكالمة وقع أرضا وكان نبضه عاليا ووجهه شاحبا فأخذناه أنا ومصطفى أمين إلى أقرب مستشفى حيث وجدوا ضغطه مرتفعا بشكل خطير جدا ونبضات قلبه عالية، فعولج حتى تحسنت حالته ولكن قلبه ظل جريح الحب.

وأذكر أنني كنت ذات يوم مع صديقي الأعز الأستاذ سليم أبو الخير الذي كان مديرا إقليميا لدار الصياد بالقاهرة، والتي تصدر مجلة “الصياد” ومجلة “الشبكة” وجريدة “الأنوار”، وكنا معا في بيت صديقي العزيز الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، فسألت عبد الوهاب: “ما هي حقيقة قصة أغنية “لا تكذبي” التي كتبها الشاعر كامل الشناوي ولحنتها أنت وغنيتها على أنغام عودك قبل أن تسلمها لنجاة الصغيرة ولعبد الحليم حافظ؟” قال لي: “أنت تعرفني يا رمزي، أنا لا أحب الكذب والافتراء على الناس، وحقيقة هذه الأغنية هي أنها من قصة واقعية عاشها كاتبها الشاعر الكبير والصديق الطيب القلب كامل الشناوي، لقد كتبها بعد اكتشافه لعلاقة حب ملتهبة ربطت بين نجاة الصغيرة وبين الأديب المعروف يوسف السباعي، وقد كتب كلمات هذه الأغنية وهو يذرف دموعه أمام كل أصدقائه الذين كانوا يتابعون حكايته مع نجاة الصغيرة”، فسأله الأستاذ سليم أبو الخير: “وكيف كان موقف نجاة الصغيرة عندما تأكدت من أن كلمات الأغنية كانت حول حكايتها مع كامل الشناوي ومع حبيبها يوسف السباعي”، فقال عبد الوهاب: “لقد تعاملت مع الموقف بطريقة راقية وأكدت لنا جميعا بأنها لم تقدم أية وعود لكامل الشناوي وأنها ليس عليها أي ذنب بشأن حالته النفسية أو بشأن اعتقاده بأنها كانت تعشقه، فهي كانت ومازالت تعتبره مجرد صديق عزيز”، وواصل عبد الوهاب وهو يهز رأسه من فرط الأسف: “إن الشاعر كامل الشناوي من أعظم أدباء العالم العربي وقد قدم لأشهر المطربات والمطربين أجمل القصائد العاطفية التي خلدها الجمهور بإعجاب منقطع النظير، ولكنه ظلم نفسه كثيرا عندما عشق امرأة لم تبادله نفس المشاعر، وبيني وبينكم فإنه كثيرا ما كان يأتي إلي شاكيا باكيا من فرط ولعه بنجاة وطالبا مني التدخل ليتزوجها على سنة الله ورسوله، ولكني كنت دائما أقول له: “إياك أن تظلم نفسك أكثر، فنجاة الصغيرة غارقة في حب يوسف السباعي وكل محاولة منك سوف تتعرض للرفض من طرفها فتكون النتيجة عبارة عن فضيحة كبرى سوف تسيء بها لتاريخك ولاسمك الكبير”.

ولكن كل نصائح الأصدقاء والمحبين لهذا الشاعر العظيم كانت لا تجد أي صدى في نفسه لأنه لم يكن يرى سوى نجاة الصغيرة، وشيئا فشيئا بدأ يفقد كل لذة له في الحياة وصار كئيبا وبدأت صحته تتدهور يوما بعد يوم حتى جاء شهر نونبر 1965، فدخلت عليه نهلة القدسي، زوجة محمد عبد الوهاب وهو على فراش الموت، وقالت له: “سوف تقوم بالسلامة إن شاء الله” فقال لها وصوته خافت خفوت الموت الذي كان يدنو منه: “لن يكون ذلك، لن يكون ذلك، ادعي لي بالرحمة والمغفرة فقد عذبت نفسي عذابا كبيرا وأطلب من الله أن تسامحني نفسي على ما عملته فيها”، ورحل عن هذا العالم في نفس اليوم حاملا معه قلبا نازفا بعذاب حب يائس جعل الجمهور العربي يعيش عبر الأجيال تلك المعاناة التي تعطي أجمل الإبداعات الطربية الخالدة.

error: Content is protected !!