في الأكشاك هذا الأسبوع

نساء ورجال الصحة بمراكش يخترقون الصمت

الأسبوع – محمد بركوش

     أخيرا وبعد انتظار خرج العاملون بقطاع الصحة بمراكش “أطباء وطبيبات، ممرضون وممرضات، عاملون وعاملات” خرجوا عن صمتهم بشكل واضح المعالم، أعلنوا عن شعارهم المختار “ليسقط الصمت” (وهو شعار مأخوذ من عنوان لقصة خناثة بنونة)، أبانوا عن استعدادهم اللامشروط (يستوي شرط المصلحة العامة) لفضح كل الممارسات الشاذة، ومواجهة كل الاختلالات والتصرفات التي تبدو عبثية بمنطق الحياة المهنية أو الصحية بصفة عامة، وأعربوا عن نيتكم في مد يدهم إلى المسؤول الجديد “المدير الجهوي” الذي لم يستعجل عند تعيينه مؤخرا (وهو العارف بخبايا الأمور بمراكش) ما يندرج في حكم الخاتمة، بقدر ما استعجل المقدمات التي سيكون لها متسع كبير لترتيب النتائج، بتوجيه من سلكة الضمير في نزوعها صوب سموق القسم، بداية من رحلة البحث كما قيل وكما تردد على السبل الكفيلة بإعادة الاعتبار الى القطاع في مدينة مراكش، عن طريق تفكيك لغز الغموض المفعم بالاستغراب والدهشة وهو لغز يبدو والعبور الخارق لمغاراته وفضائحه شبيها بسفر أبطال أساطير الأولين، كما قال شرف الدين ماجدولين، نتيجة أو بسبب تغلغل الفساد وتحكم “لوبي” معين في مسار “الخدمات” والنظام المعمول به.. لوبي يستعمل الجزء الطفيف من قدراته الدماغية ( نسبة 10% فقط حسب آخر الدراسات) في مص الدماء والتلاعب بصحة المواطن.

اعترف لي صديق له دراية بالميدان ودون حاجة إلى اقتعاد كرسي تكلله هالات الطقوس ذات النور الميتافيزيقي (كما قال أحمد بشكار ذات مرة)، اعترف بالأزمة الخانقة التي يتخبط فيها قطاع حيوي رغم نضال مجموعة من الأطر النزيهة (وهي كبيرة).. أزمة معقدة ومركبة تولدت عن “ضعف” شخصيات بعض المسؤولين وارتكانهم إلى “السلامة يا الله” خوفا من الدخول في متاهات لا قِبَلَ لهم بها، أو الاصطدام بوقفات مأجورة تتحكم فيها أيادي تعرف كيف تتحرك، وكيف تأخذ وتستفيد من التعويضات والسكن الإداري الذي يحظى بجزء كبير من كعكته جهة معروفة بالصياح و”فريع الرأس”، لذلك وجد المدير الجهوي الجديد نفسه وسط “إعصار كبير”، أصر على أن يصنع نفسه ويحقق ذاته من داخله، مع مجموعة كبيرة من المخلصين الذين يتطلعون إلى غد أفضل، مشدودا (أي المسؤول) بسبب كل ذلك إلى قيم تصله بما هو إنساني أولا ومهني ثانيا، قيم عالية يتحلى بها من زمان، ويدافع عنها ويطالب بتشخيصها على أرض الواقع من خلال التعامل الحسن والتواصل المجدي، وتشجيع ذوي الكفاءات والقدرات، والإكثار من اللقاءات التي تفتح قنوات القرب والتفاهم وتجاوز الإكراهات المصطنعة، والتي جعلته يتخلى إلى حين عن دوره كمسؤول في وضع “خريطة صحية لتنويع وتجويد العرض الصحي” وينبري بكل ما أوتي من قوة وجرأة لجلد واقع مزر ومخجل لا يشرف لا القطاع (والذي يدبره وزير إنساني قبل كل شيء) ولا المدينة الساحرة مراكش التي قيل عن مطارها بأنه من أسوإ مطارات المغرب رغم الأموال الباهظة التي صرفت، مؤخرا، لترميمه وإصلاح أخطاء من سبقوه من مسؤولين كانوا يرون في مراكش محطة عبور إلى جهات أخرى ليس إلا.

لقد عاشت مستشفيات المدينة في السنوات الأخيرة خاصة في عهد مسؤولين سابقين (2) أسوأ أيامها بل أعوامها، وعاش المشتغلون بالقطاع أحلك أيامهم نتيجة معاناتهم مع ما يجري ويدور، وما يصل إلى أسماعهم من استغلال للإمكانات المتوفرة وتعطيل بعض الآلات من أجل دفع المرضى وتحويلهم إلى وجهة معينة (إحدى المصحات الخاصة) مقابل “علاوة” تفيد قابضها ولكنها تسيء إلى القطاع بأكمله، زيادة على سوء “تدبير مخزون الأدوية وابتزاز بعض ممرضي المراكز الصحية لجرهم إلى الانضواء تحت لواء محظوظ، يفعل المنتمون إليه ما يشاؤون، طبعا بدعم وتشجيع من مسؤول سابق (أحتفظ بذكر اسمه) الذي قام إرضاء لجماعة الضغط بإفراغ العديد من المراكز الصحية من الأطباء النشيطين الأكفاء المتمتعين بالضمائر الحية “عين إيطي، وسيدي مومن”، وإغراق مراكز أخرى كالمركز الصحي “المسيرة 2” في خرق سافر لمقتضيات قرار وزير الصحة عدد: 14316 الصادر بتاريخ 1 شتنبر 2014.

إن المتتبعين للشأن الصحي بالمدينة الحمراء الخالدة وما يدور في فلكه يتساءلون بحسرة عن مصير نتائج التفتيش التابعة للمجلس الأعلى للحسابات، وكذلك منجز اللجنة التي حلت بمندوبية الصحة بمراكش يوم 22/01/2015، بعد مراسلات وشكايات وتظلمات المواطنين والمرضى الذين يفدون على مراكش من مناطق نائية، ومن العاملين بالقطاع، ومن الذين ضاقوا ذرعا من تصرفات بعض المسؤولين (الصغار)، تلك التصرفات المتمثلة في مضايقة المنضبطين وغير الراغبين في الانتماءات المستغلة كأذرع للتستر على الفضائح، والتفاوض على أمور لا يمكنها أن تؤدي إلا إلى عرقلة العمل الجاد، وتشديد الخناق على الشرفاء والنزهاء، والتأشير على إبقاء الموظفين الأشباح خارج أية مساءلة، والسماح بتأسيس شركات خاصة لحفظ الصحة واستغلال المختبر (انتاع الدولة) في دعمها بالتحاليل المجانية والسرية، والمساهمة في استغلال بعض المرافق العائدة لجمعية الأعمال الاجتماعية التابعة لوزارة الصحة بمراكش (وهي جمعية مازالت توضع علامة استفهام كبرى حول مدى قانونيتها حتى الآن وإلى الآن).

error: Content is protected !!