في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في لقاء خاص مع المخرج عاطف سالم

عاطف سالم: “نبيلة عبيد عملت عندي خادمة قبل أن أجعل منها فنانة والرئيس حسني مبارك أنقذني من موت محقق”

شخصيات عرفتها – بقلم : رمزي صوفيا

 تقديم:

    يعتبر المخرج عاطف سالم من أعظم المخرجين السينمائيين الذين تركوا بصمة من ذهب في سجلات تاريخ صناعة الأفلام بمصر وبالعالم العربي.

ولد عاطف سالم يوم 23 يوليو عام 1921 في مدينة الأبيض بالسودان من أب وأم مصريين. وبدأ حياته الفنية ممثلا في فيلم “ماجدة” ثم عمل مساعد مخرج للعديد من المخرجين وخاصة مع مخرج الروائع حسن الإمام، إلى أن أصبح مخرجا لامعا.

وإضافة إلى تفوقه الكبير وعبقرية الإخراج التي كان يتوفر عليها فقد كان إنسانا خلوقا طيب المعشر وسخي النفس واليد، كما أن السينما العربية مدينة له باكتشاف ألمع نجوم الشاشة الفضية، إلا أن الحياة كانت شحيحة مع عاطف سالم من ناحية السعادة العاطفية والصحة الكاملة حيث عاش حياته مهددا بعدة أمراض منها: السكري، والقلب.

 —————————–

     لقد كان أول فيلم أخرجه عاطف سالم بمفرده هو فيلم “الحرمان” سنة 1953، وفي عام 1999 حصل عاطف سالم على جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عن إسهامه المتميز في السينما المصرية، ومن أبرز أعماله: “أم العروسة”، و”الحفيد”، و”ليلة من عمري”، و”النمرود”، و”زمان يا حب”، و”قاهر الظلام”، و”عاصفة من الدموع”، و”العرافة”، و”موعد مع المجهول”، و”صراع في النيل”، بالإضافة إلى فيلم “النمر الأسود” الذي قام بإنتاجه أيضا، وإلى جانب الإخراج كان عاطف سالم كاتب سيناريو من الطراز الممتاز.

وإضافة إلى تفوقه الكبير وعبقرية الإخراج التي كان يتوفر عليها فقد كان إنسانا خلوقا طيب المعشر وسخي النفس واليد، كما أن السينما العربية مدينة له باكتشاف ألمع نجوم الشاشة الفضية، إلا أن الحياة كانت شحيحة مع عاطف سالم من ناحية السعادة العاطفية والصحة الكاملة حيث عاش حياته مهددا بعدة أمراض منها: السكري، والقلب.

وبسبب تواضعه الجم كان عاطف سالم صديقا للجميع، كما أن سخاءه الحاتمي كان يجعل بيته محجا للمحتاجين والفقراء وكل الذين دار عليهم الزمن من أهل الفن. ولكنه عندما مرض واشتد به المرض وجد نفسه وحيدا بعد أن تخلى عنه النجوم الذين كان هو سبب شهرتهم ووصولهم لأعلى حالات الغنى والمجد. وقد تأكد الجميع من شدة كرمه عندما داهمته أزمة قلبية كادت تودي بحياته فلم يجد شروى نقير يعالج بها نفسه، مما جعل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وعندما تناهى إلى أسماعه نبأ مرض عاطف سالم وعدم توفره على المال الكافي لدخول المستشفيات، فما كان من الرئيس إلا أن أصدر تعليماته فورا بمعالجة عاطف سالم في أرقى مستشفيات أمريكا على نفقة الدولة. وعندما ذهبت إلى مصر زرته وسألته عن أحواله فقال لي: “الحمد لله الدنيا مازالت بخير، وقد عولجت وكما تعلم على نفقة بلدي الذي يبقى الوحيد الذي لم يتخل عني بعد أن تخلى عني كل الذين صنعتهم بأفلامي وجعلت منهم نجوما ومشاهير وأثرياء”. فقلت له: “ولكنك أخرجت أنجح الأفلام وبعدد كبير فأين ذهبت كل الأموال التي حصدتها من عملك كمخرج طيلة هذه السنوات؟” فأجابني مبتسما ابتسامة قناعة ورضى: “أنا راضٍ عما فعلته بأموالي، فقد أنفقتها في سبيل الله على الفقراء والمستضعفين الذين كانوا يطرقون بابي، وكان شرطي الوحيد دائما هو عدم ذكر اسمي حتى تظل تلك الحسنات بيني وبين ربي الكريم، وأنا غير آسف على ذهاب أموالي وعلى معاناتي اليوم بسبب المرض مع الفقر”. فسألته: “وماذا عن زوجتك السابقة الفنانة نبيلة عبيد والتي تعتبر اليوم من أشهر الأسماء السينمائية؟” فقال لي: “لقد كانت تلك السيدة أسوأ إنسانة عرفتها في حياتي سامحها الله على ما فعلته معي. لقد تخلت عني وأنا في أحلك أيام حياتي وتركت كل واجبات العشرة السابقة بيني وبينها وكل الجميل الذي قدمته لها على الرف، ونسيت كل شيء عما حققته بفضلي بعد أن انتشلتها من الفقر والتشرد في الشوارع، وجعلت منها ربة بيت في البداية ثم نجمة سينمائية يشار إليها بالبنان. فقد صادفتها في شوارع القاهرة وهي في حالة يرثى لها حيث كان الغبار يكسو جسدها وكانت ترتدي ثيابا رثة تنم عن فقرها المدقع، فَرَقَّ قلبي لها بمجرد ما لمحتها، وهكذا توجهت نحوها وسألتها: “من أين أنت؟ وماذا تعملين في الشارع ألا تخافين من أن تتعرضي للمعاكسات بل وللاغتصاب وأنت شابة في مقتبل العمر؟” فقالت لي: “أنا إنسانة فقيرة بل معدمة وأبحث عن فرصة عمل”، فسألتها: “وماذا تتقنين القيام به؟” قالت: “أعرف القيام بكل أشغال البيت من تنظيف وكنس وطبخ”، وقلت: “وهل تقبلين العمل في بيتي فأنا أبحث عن خادمة” فانفرجت أساريرها من فرط فرحتها وقالت لي على الفور: “يا ريت”. وهكذا أخذتها معي إلى بيتي وأعطيتها عشرة جنيهات لكي تسلمها لعائلتها الفقيرة وتخبرهم بعملها لدي. ومع مرور الأيام والشهور تحرك الحب في قلبي تجاه نبيلة وعشقتها كامرأة ولكن في الحلال فتزوجتها على سنة الله ورسوله. وهكذا بدأت آخذها معي إلى الأستوديوهات التي كنت أنجز فيها أفلامي فكانت تجلس لتتابع كل ما كان يدور حولها بشغف شديد وتعرفت هناك على عدد من نجوم السينما. وذات ليلة طلبت مني أن أعطيها فرصة للعمل في أحد أفلامي، فاقتنعت بكلامها وجعلت مساعدي يدربها أصول المهنة كما بدأت شخصيا أوجهها وأعلمها كل تقنيات التمثيل السينمائي حتى شعرت بنضجها كفنانة فقررت إنتاج أول فيلم من بطولتها، وفعلا أثبتت جدارتها وموهبتها السينمائية. وبمجرد عرض الفيلم حصد نجاحا كبيرا فتهافت المنتجون والمخرجون عارضين عليها سيناريوهات أفلام جديدة. وكانت سعادتي لا توصف وأنا أتابع نجاحها وحصولها على الأدوار الأولى في أفلام زملائي، وهكذا تدرجت في الشهرة حتى صارت نجمة كبيرة ذات اسم سينمائي لامع

ورصيد محترم في البنك. ولكن مع الشهرة والثراء تغيرت نبيلة وصارت إنسانة أخرى حيث أصابها مرض الغرور وأخذت تسهر مع الآخرين حتى الساعات الأولى من الصباح وهي على ذمتي كزوجة، فقد كان كل همها هو جمع المال فقط. وكانت صدمتي كبيرة عندما اكتشفت بأنها كانت تتناول حبوب منع الحمل لكي لا تنجب وتظل محافظة على قوامها وعلى معجبيها. فواجهتها بالأمر فقالت لي بكل برود: “أنا وبكل صراحة أفضل عملي في السينما على إنجاب الأولاد وإذا كنت راغبا في الذرية فما عليك سوى أن تطلقني وتتزوج من سيدة أخرى تنجب لك العدد الذي تريده من الأطفال، وهكذا طلقتها حفاظا على كرامتي كرجل. ولكني بعد الطلاق حافظت على واجبات العشرة الطويلة بيننا فكنت أسأل عنها باستمرار لأقف إلى جانبها في حالة تعرضها لأي مشكل، ولكني عندما مرضت وصارت حالتي المادية معسرة تخلت عني واكتفت بزيارتي بضع مرات مصحوبة بباقة ورد. وعندما عطف علي السيد الرئيس وتكلف بمصاريف سفري إلى أمريكا للعلاج بالمجان اتصل بي عشرات النجوم الذين عرفتهم في حياتي إلا نبيلة فهي لم تتصل بي أبدا. ورغم ذلك فبمجرد عودتي من أمريكا اتصلت بها ليس لأعاتبها بل لأسأل عن صحتها فأجابتني ببرود، وعلمت من أصدقاء لي بأنها على علاقة غرامية بأحد الأثرياء لأنها ضعيفة جدا أمام المال ولا شيء سوى المال، وهكذا قطعت كل صلة لي بها ولم أعد أتصل بها.

أما أنا فقد كنت على اتصال دائم بصديقي عاطف سالم إلى أن أفقت ذات صباح على نبإ وفاته نتيجة أزمة قلبية حادة.

أما طليقته نبيلة عبيد فقد عاشت حياتها بالطول وبالعرض بعد أن أثبتت عن جدارة واستحقاق بأنها فنانة من العيار الثقيل، إلا أن للسن أحكامه القاسية حيث تقدم بها العمر وظهرت عليها علامات أرذل العمر، وهي حاليا بصدد كتابة مذكراتها أطال الله في عمرها.

error: Content is protected !!