في الأكشاك هذا الأسبوع
بن كيران يضع يده في يد السفير الأمريكي "بوش" هل يعلم الأول ما يدور في رأس الثاني؟

ملف الأسبوع | لماذا تراجع المغرب عن طرد بعثة المينورسو من العيون؟

الرباط – سعيد الريحاني

  يقول الشاعر حماد العراقي: في الصمت معركة الحكيم/ إذا سجا الليل البهيم. وتعالت الأصوات/ من فوهات قرصنة الجحيم. وتطاولت للنهب فيئات/ الظلال على النعيم. وتمكنت قوى الشرور/ لتحمل الفزع الأليم. فاصمت فقد تأتي الظروف/ بما يتوق له الحكيم..

الصمت حكمة، لكن الأغلبية الصامتة في المغرب، ليست حكيمة بالضرورة، شأنها شأن الحكومة التي تعمل بمنطق “هبل تربح”، وأي جنون هذا الذي دفع الحكومة إلى اقتراح تعويضات عن السكن للولاة والعمال تناهز 32 ألف درهم، والحري بها أن توجه مذكرة صارمة لهؤلاء من أجل احترام القانون واتخاذ ما يلزم لتمر هذه الأيام الصعبة دوليا ومحليا على خير(..).

إنه الجنون نفسه الذي يجعل وزارة الداخلية تعلن عن قرارات تأديبية تقضي بإبعاد قائد كان على خلاف مع العامل إلى منطقة آسا الزاك، وكأن هذه المنطقة لا تستحق سوى قائدا مغضوب عليه.. ماذا يمكن أن ينتظر المواطن من حكومة، لا علاقة لها بملف الصحراء؟ ولا يجد رئيسها الجرأة حتى اليوم للاقتراب من الرمال، وكأنه انتخب ليتجول في العاصمة فقط، إنه نفس الإهمال الذي جعل الوزير محمد الوفا يهدد بنقل مدير ثانوية إلى الصحراء في إطار التأديب عندما كان وزيرا للتربية الوطنية..

عندما يتعلق الأمر بملف الصحراء يفضل جل الوزراء الصمت، لكن إلى متى؟ وعندما يتعلق الأمر بتعديل الحكومة يتحدث الجميع عن “التحكيم الملكي”، لماذا يصلح هذا الدستور؟ ولماذا كل هذه القوانين؟ ولماذا الانتخابات أصلا إذا كنا سنلجأ في النهاية إلى التحكيم الملكي؟ ألا ينطوي مثل هذا الخطاب على محاولة لتوريط الملكية في الصراعات السياسية، علما أن الملك نفسه ما فتئ يؤكد بأنه “لا ينتمي لأي حزب ولا يشارك في أي انتخاب، والحزب الوحيد الذي ينتمي إليه، هو المغرب”..

————–

ما لم ينتبه إليه المتحمسون لطلب التحكيم الملكي هو أن اللجوء المتكرر إلى هذا المطلب دفع إلى ظهور ممارسات على المستوى الجهوي، تصب في اتجاه طلب التحكيم الملكي، في كل كبيرة وصغيرة، وربما لم يقرأ الوزراء الأخبار التي تقول بأن الصحراويين الذين كانوا يطلبون التحكيم الملكي، وجلهم حقوقيون وفاعلون في المستوى المدني اختاروا اللجوء إلى “التحكيم الدولي”، و”فكها يا من وحلتيها”، إنهم يتحدثون اليوم عن “الفساد السياسي في الصحراء وسبل محاربته” في بلجيكا، بالموازاة مع التطورات المقلقة التي يعرفها الملف في الاتحاد الأوروبي نفسه، ولا شك في أن مبادرات اللجوء إلى آلية التحكيم الدولي، تدفع إلى طرح الكثير من الأسئلة، فقد هدد نادي قضاة المغرب باللجوء إلى الاتحاد العالمي للقضاة في مواجهة لما سموه التضييق الذي يمارسه عليهم وزير العدل مصطفى الرميد(..)لماذا تصلح القوانين المغربية إذن؟ هل نحن في دولة بدون قانون حتى يلجأ “أصحاب القانون” إلى طلب النجدة من الخارج؟ وماذا تركت مثل هذه التصرفات للانفصاليين؟

هذه المبادرات التي تصب كلها في إطار “نزع الشرعية من القوانين الوطنية” تأتي بالتزامن مع تطورات خطيرة على المستوى الدولي، فقد “شهد البرلمان الأوروبي يوم الثلاثاء 24 فبراير تأسيس المجموعة المشتركة للسلم في الصحراء الغربية، المكونة من 119 نائبا برلمانيا ينتمون إلى معظم الأحزاب السياسية الممثلة في هذا المجلس التشريعي. وتؤكد مصادر إعلامية تابعة للبوليساريو وكذلك نواب أوروبيون على صفحاتهم في الموقع الاجتماعي “الفايسبوك” تأسيس هذه اللجنة التي سيكون من مهامها المتابعة السياسية للملف وإنجاز تقارير (المصدر: موقع ألف بوست).

لنفرض أن الحكومة دخلت على الخط، ماذا سيقول ناطقها الرسمي مصطفى الخلفي؟ بالعودة إلى أرشيف تصريحاته نجد أن هذا الأخير صرح رسميا، وبشكل شارد، بما يلي: “ليس هناك أي تراجع عن موقف المغرب بسحب الثقة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء كريستوفر روس” (تاريخ التصريح 12 يوليوز 2012). اليوم نحن في سنة 2015 وكريستوفر روس هو المبعوث الأممي في نزاع الصحراء، وحده وزير الخارجية صلاح الدين مزوار قال: “تعرضنا للضغوط من أجل استئناف المفاوضات مع البوليساريو”، فما هي نوعية الضغوط التي جعلت المغرب يطأطئ رأسه للعاصفة؟ لماذا تراجع المغرب عن تهديده بطرد بعثة المينورسو من الصحراء، رغم أن بعض العاملين في هذه البعثة تورطوا بشكل قاطع في التجسس(..).

((إن مهمة “المينورسو” محددة أصلا في تبادل الرسائل بين المغرب والأمين العام للأمم المتحدة، وفي البحث عن حل سياسي دائم ومتوافق عليه لنزاع الصحراء.. وإذا كان المغرب سيتعرض كل مرة للضغوط والمطالب بتوسيع صلاحيات المينورسو، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، فمن الأجدى أن يطالب المغرب بانسحاب المينورسو من على أراضيه بالمرة”. هكذا تحدث وزير الدولة السابق محمد اليازغي خلال شهر مارس من السنة الماضية، لكن نصيحته لم تجد من يسمعها حتى الآن وهي ليست نصيحته وحده، فهذا الكولونيل المتقاعد محمد ملوكي وأحد المتتبعين لملف الصحراء يقول: “وجود المينورسو في الصحراء خرق للسيادة المغربية، والمغرب ارتكب خطأ بقبوله دخول بعثة المينورسو إلى أراضيه.. إذا كان دورها هو مراقبة وقف إطلاق النار، فإن مكانها الطبيعي هو الحدود ولا دخل للأمور السيادية فيها.. المينورسو وضعت لتراقب وقف إطلاق النار فما دخلها بمدينة العيون” (حوار محمد ملوكي مع الأسبوع، عدد 14 نونبر 2013).

طرد بعثة المينورسو من الصحراء هو حق من حقوق المغرب، لكن اللجوء إلى هذه العملية قد يكون مقدمة لحرب كبرى وربما تتحقق أمنية القطب الحركي المحجوبي أحرضان وزير الدفاع السابق الذي قال في حوار سابق له مع “الأسبوع”: “المفاوضات (مع الجزائر لن تحقق لنا شيئا، إيلا كان البارود مرحبا، وإيلا غلبونا يديونا كاع، وإيلا غلبناهم نرجعو الأرض ديالنا كلها حتى تدليكت (وسط الصحراء).. وباركا من هاد اللعب، طال الزمان”.

وقد دارت الأيام دورتها لنسمع الملك محمد السادس بدوره يؤكد بلهجة صارمة: “المغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”، وهي لهجة صارمة استعملها الملك في الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، وإن كانت تعني شيئا فهي تعني أن “المغرب مستعد للحرب”، فلا يعقل أن تضيع الصحراء بعد كل هذه الجهود “الكل يعرف الوضع الذي كانت عليه الصحراء قبل سنة 1975، ولمن لا يعرف الحقيقة، أو يريد تجاهلها، أقدم بعض المعطيات: فمنذ استرجاعها، مقابل كل درهم من مداخيل المنطقة، يستثمر المغرب في صحرائه 7 دراهم، في إطار التضامن بين الجهات، وبين أبناء الوطن الواحد. كما أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة سنة 1975 كانت أقل بنسبة 6 بالمائة من جهات شمال المغرب، وبنسبة 51 بالمائة مقارنة مع إسبانيا، أما اليوم، فهذه المؤشرات بالأقاليم الجنوبية، تفوق بكثير المعدل الوطني لباقي جهات المملكة. لهذا أقول، وبكل مسؤولية، كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة”، هكذا تحدث الملك محمد السادس في ذكرى المسيرة.

قد يقول قائل إن تراجع المغرب عن فكرة “طرد بعثة المينورسو من الصحراء” له ما يبرره طالما أن أمينها العام “بان كيمون” يؤكد أنه: “أخذ، كما ينبغي، بتعاليق وملاحظات المغرب بخصوص ملف الصحراء وبأنه أعطى ضمانات حازمة بخصوص حيادية وموضوعية ونزاهة مسؤولي الأمم المتحدة المكلفين بتسهيل المهمة الأممية بالصحراء المغربية”، هكذا تحدث بلاغ للديوان الملكي بتاريخ 22 يناير 2015، لكن هل يمكن الوثوق في الأمين العام للأمم المتحدة وهو نفسه الرجل الذي أصر على تعيين “كريستوفر روس” مبعوثا له في الصحراء رغم انحيازه للبوليساريو؟ هل يمكن الوثوق في “بان كيمون” وهو نفسه الذي دبج تقريرا أوصى من خلاله بـ”توسيع صلاحية المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في المغرب وتندوف..” قبل أن يتراجع عن ذلك بعد احتجاج المغرب.

وربما لا ينبغي التفاؤل كثيرا بمسألة “المواقف الثابتة” عند الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، فكلهم يرددون حكاية “الموقف الثابت” وهي جملة صالحة للاستعمال عندنا وعند أعدائنا ولكنهم لا يصرحون أبدا بهذا الموقف الثابت، فتجد كلا من البوليساريو والمغرب يصفقان مع لكل تصريح أممي أو أمريكي يتحدث عن “موقف ثابت” إزاء القضية، فهذا السفير الأمريكي “دوايت بوش” يؤكد أن موقف أمريكا ثابت من قضية الصحراء” غير أنه يؤكد أن هناك مسارا آخر داخل ردهات الأمم المتحدة ينبغي القبول به، حسب قوله، وبنفس اللغة تحدثت كاتبة الدولة الأمريكية يوم 25 يناير 2015، في الإذاعة الجزائرية عندما قالت: “إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تغير موقفها في ما يخص نزاع الصحراء الغربية ومازالت تدعم جهود الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سلمي ودائم ومقبول من كلا الطرفين”..

بان كيمون أيضا ينتمي لجوقة أصحاب المواقف الثابتة من حيث القول، لكن لا أحد سأله ما يقصد بكون المينورسو ستلتزم بمهمتها الأصلية؟ وما هي هذه المهمة الأصلية؟ ومتى انحرفت لتعود إلى الأصل؟ ربما يقصد ذلك الزيغ عندما شرعت المينورسو في توفير الغطاء للأنشطة الانفصالية، وعندما وصلت أقدام مبعوثيها إلى قاعة اجتماع “المجلس الاقتصادي والاجتماعي”، فحضور موظفين أمميين في اجتماع نزار بركة يكشف تزايد نفوذ أعضاء البعثة في متابعة الملفات ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية وليس العسكرية فحسب، هكذا تحدثت جريدة “الصباح” في عددها الصادر بتاريخ: 17 شتنبر 2013، ولا شك أن مثل هذا التطاول يستحق فتح تحقيق.

لنفرض أن المغرب طبق مشروع الجهوية الموسعة ومنح للأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا، كحل لنزاع الصحراء؟ هذا هو عين المطلوب، ولأجل ذلك تم تعيين لجنة استشارية ملكية عشية يوم الأحد 3/1/2010، وأسندت رئاستها لعمر عزيمان.. وأوضح الملك وقتها أن مشروع الجهوية المغربي ينطلق من التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها، وحدة الدولة والوطن والتراب، “فالجهوية الموسعة، يجب أن تكون تأكيدا ديمقراطيا للتميز المغربي، الغني بتنوع روافده الثقافية والمجالية، المنصهرة في هوية وطنية موحدة، بحسب ما أعلنه العاهل المغربي”.

هذا من حيث الخطاب، أما في الواقع فقد وجدها السياسيون الحزبيون فرصة للحلم بحكومات جهوية على المقاس، فهذا فؤاد العماري عمدة طنجة يقول: “إن توقيع اتفاقيات شراكة مع الخارج لا يحتاج أن يمر عبر أي قناة رسمية بما فيها وزارة الداخلية” وهو أمر لم يحدث حتى في أيام الاستعمار في زمن “طنجة الدولية”، وهذا زميله في الحزب محمد بودرا يقول: “إن حزب الأصالة والمعاصرة هو من يمتلك الحق للتفاوض باسم الريف، وهو من يمتلك شرعية صناديق الاقتراع بإقليم الحسيمة”، أنظروا لهذا الفهم الخاص “للجهوية الانفصالية”.. وهذه مجرد نقطة في وادٍ مما فرض على المغرب التأني في تنزيل مشروع الجهوية كما كان يحلم به مهندسوه الذين رسموه لتقوية الدولة وليس إفراغها من الداخل، “فالجهوية التي نريدها، هي استثمار للغنى، والتنوع البشري والطبيعي، وترسيخ لهذا التمازج والتضامن والتكامل بين أبناء الوطن الواحد، وبين جميع مناطقه، فالمغاربة تلاقح حضاري أصيل، بين جميع مكونات الهوية المغربية… أما النقاش الذي يقوم على التعصب، ويميل لزرع التفرقة، فلا يسمن ولا يغني من جوع” هكذا تحدث الملك محمد السادس في خطاب المسيرة الأخير، ولا شك في أنه إشارة للتريث(..).

error: Content is protected !!