في الأكشاك هذا الأسبوع

الصفعة.. لنظام “ترقية الدكاترة”

الأسبوع – محمد بركوش

      لم تنته أغنية هيئة الدكاترة الموظفين بالإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العامة حتى وهم على بعد خطوات قليلة من حلمهم الجميل، أحرق قرار المجلس الدستوري الصادر يوم 24/02/2015 (والذي ناصر حكومة المغرب المدهش بسحره الوسطي) في نظام “ترقية الدكاترة” كما أورد محمد بلقاسم (هسبريس)، أحرق ابتسامتهم التي كانوا يداعبونها سرا وعلانية، ويقفزون بها للسماء كما قالت نعيمة لحروري في انتظار أن يعودوا وهم يقبضون بالنجوم (مجازا).

ارتجفت الأرض (التي كورت) من تحت أقدامهم الصلبة، كادت أن تتهاوى بهم خسفا من شدة الصفعة كما قال أحد الدكاترة، لم يكونوا ينتظرون رفض المجلس للمقترح الذي تقدمت به بعض الفرق البرلمانية، وبالأخص فريق الاتحاد الدستوري (أحد أحزاب المعارضة)، الذي دافع بحماس وبقوة على مقترحه “بنفس القوة التي كان يدافع بها مصطفى الرميد قبل استوزاره”، وهو مقترح حول إحداث نظام أساسي خاص بهيئة الدكاترة الموظفين بالإدارات العمومية، يرمي إلى تحسين الوضعية المادية والمعنوية لفئة متميزة بمستواها العالي وتخصصاتها المتنوعة (التي تفتقر إليها الكثير من الدول المجاورة أو البعيدة)، ولكنها لا تعطي الفرص لتفيد البلاد وتحقق بعضا من الواجبات الملقاة على عاتقها بسبب توزيعها رغما عنها، كما قال محمد بلقاسم، في قطاعات عمومية وجماعات ترابية ومؤسسات عامة، ليست بينهما وبين اختصاصها ومؤهلاتها إلا الخير، وهو شيء يقلق الدكاترة، ويجعلهم كنخبة يشعرون بالضياع وسط فضاءات ومصالح “لا (بالنفي) تستجيب وطبيعة تكوينهم ومؤهلاتهم العلمية” كما ورد في سؤال كتابي لمصطفى الرميد موجه إلى الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بتحديث القطاعات العامة عندما كان مع حزبه في مرحلة التهييء للدخول إلى الحكومة، ولا يسمح لهم بإثبات الذات والاستفادة من الإمكانات المذخرة لديهم، لأنهم يوضعون في أماكن “لا تتناسب مع شهاداتهم وكفاءاتهم البتة”.

المقترح الذي تعاملت معه أحزاب من الأغلبية ومنها الحزب الحاكم، بشكل غريب جدا (عندما دفعت بعدم قبوله)، جعلت البعض يصف ذلك التعامل بـ”الانقلاب في المواقف السابقة (الأخبار، عدد 26 فبراير 2015)، “المقترح” يحتوي وكما ورد في قرار المجلس على 25 مادة، موزعة على أربعة أبواب؛ يتضمن الباب الأول منها ست مواد، تهم إحداث هيئة للدكاترة الموظفين في الإدارات العمومية والجماعات الترابية…، تتكون من عدة أطر مع تحديد المهام المسندة إليهم، ويشتمل الباب الثاني الإشارة إلى طريقة توظيفهم ودرجاتهم ورتبهم فيها والأرقام الاستدلالية المخصصة لهم وكيفية تعيينهم، وهي مواد اعتبرت مخالفة للفصل 72 من الدستور الذي ينص على أن المجال التنظيمي يختص “بالمواد التي يشملها اختصاص القانون”، وعجلت بصدور قرار المجلس الذي قضى “بكون المقترح لا يندرج في مجال القانون، ولا يدخل في مهام البرلمان”، وهذا لا يعني أن المقترح غير جدي وغير قابل للتطبيق، خاصة وأن مجموعة من الدكاترة التي تم “تشغيلها وفق مقاربة حكومية تغيب فيها أية رؤية تنموية ووطنية” تعاني من الإهمال (مع الاعتذار) والتهميش، بسبب حشرها في مكاتب لا تليق بالمقام، وتشغيلها في “إطارات مختلفة بعيدة كل البعد عن مؤهلاتها كمتصرف ومساعد طبيب وأستاذ للتعليم الإعدادي” وإدماجها في أسلاك لا تتلاءم مع مستواها وما تكسبه من تجارب ومؤهلات تضيع هباء ودون أية استفادة، وهذا يحز في نفوس بعض الدكاترة، لأنهم يحسون بالغبن إن صح التعبير، ويطالبون بأن ينظر إليهم “وفق مقاربة حكومية” يراعى فيها المؤهلات والاختصاص والعطاء والتناسب، زيادة طبعا على تسوية الوضعية في إطار المساواة مع باقي الأطر المماثلة.

بل بالعكس، المقترح من الناحية الواقعية والنظرية “وليس القانونية التي تهتم أكثر بالنص والمادة” يذكر قبل كل شيء وبعد كل شيء بوضعية “نص نص” كما شبهها أحدهم، لا يحترم فيها الوضع الاعتباري للدكاترة، ولا تراعى فيها مؤهلاتهم وكفاءاتهم وما يحملون من أحلام وخبرات يمكن أن تفيد لو استثمرت بشكل إيجابي في “تطوير البحث الأساسي والتطبيقي والتقني والإداري والتكنولوجي، وتقييمه، وإنجاز الدراسات وتقديم الخبرة اللازمة والمساهمة في إعداد البرامج والمخططات والتأطير والتكوين والتدريس بالجامعات والمعاهد العليا، والمساهمة الفعلية والبناءة في أوراش التحديث والتأهيل”، ويهدف (أي المقترح) إلى تصحيح وضعية دكاترة ووضعهم على قدم المساواة مع آخرين (دكاترة أيضا) استفادوا من الأنظمة والقوانين المعمول بها في إطار الوظيفة العمومية، على أساس أنهم مواطنون مكونون وحاصلون على دبلومات عالية، وتتوفر فيهم الشروط المطلوبة لولوج الباب الوظيفي باستحقاق.

لقد أعرب الدكاترة المعنيون بالمقترح وبالقرار عن استعدادهم من جديد للتعبئة القصوى والرفع من سقف المطالبة وخوض المعارك السلمية من أجل تحقيق “مطلب” هو في حد ذاته مشروع ومنطقي، لأنهم لا يرمون من ورائه إلى الزيادة في تعويضات السكن أو التنقل أو البذلة (تعويضات رجال السلطة) بقدر ما يرنون ويتطلعون إلى شيء واحد هو تسوية وضعيتهم ضمن “مقاربة كما قلت سابقا” تأخذ بعين الاعتبار ما لهم من شهادات عليا ومؤهلات في المستوى وكفاءات عالية، ومساواتهم مع أمثالهم وأندادهم من الدكاترة الذين لم يتذوقوا طعم الانتظار، ولا جحيم الاعتصام، ولم تنزل على ظهورهم “الزرواطة” أمام قبة البرلمان ولم يعانوا من سهر الليالي في الحديقة المعلومة، مناشدين كل الأحزاب سواء أحزاب الأغلبية أو المعارضة بتبني ملفهم من جديد، وإعادة وضعه على الطاولة بشكل من الأشكال حتى تتحقق الأحلام وتعود الابتسامة، ويتوقف اليأس الذي غمر بعضهم ودفع البعض إلى الجهر به عبر “خواطر مؤلمة” كما هو واضح في هذه اللقطة꞉ “سأقول لكل أبنائي افتخروا لأن أباكم دكتور، واأْسفوا لحالكم في دولة كالمغرب”.

error: Content is protected !!