في الأكشاك هذا الأسبوع

وضعية المرأة على شرف الثامن من مارس

الأسبوع – عبد السلام أقصو

    على شرف الثامن مارس من كل سنة، الذي يستضيف اليوم العالمي للمرأة، والذي يفتح فيه العالم ملفات المرأة في شتى مراكزها و تجلياتها ، ويقف وقفة تأملية أمام الوضعية التي آلت إليها ، في ظل القوانين الجديدة و المتمثلة في مدونة الأسرة الجديدة ، و الدستور الجديد الذي وضع للمرأة مكانة خاصة بالموازاة مع الرجل ، وكان الضامن الأساسي لحقوقها .

لعل العرس المغربي انطلاقا من شكلياته ، وصولا إلى توظيف التقاليد و العادات المغربية الأصيلة ، يضع المرأة المغربية في المكانة الحقيقية التي تستحقها ، على اعتبار العرس المغربي عرس استثنائي في العالم ، و الذي تبدوا فيه ” العروس المغربية ” كالأميرة المدللة، وبدخول المرأة بيت الزوجية ، و خوض غمار تجربتها في تربية النشء باعتبارها المدرسة الأساسية للأبناء ، تأخذ القيمة الاستثنائية التي وضع الله لها ” الجنة تحت أقدام الأمهات “.

إن المرأة هي الفاعل الأساسي في بناء المجتمعات و تقدمها و تطورها، وفي هذا الصدد أيضا يصب قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

إذا نشأت المرأة في أمية **** رضع الرجال جهالة و خمولا.

الدور الذي تلعبه المرأة لا ينحصر أبدا في أشغال البيت (…) ، بل يتعدى ذلك إلى مجرد وجدها فيه، فهي مصدر أمن عاطفي و سكينة للزوج و حنان للأبناء ، هذا المعطى الأساسي و الوظيفة الطبيعية التي تميز المرأة ، تجعل منها بنيانا عاطفيا و فيزيولوجيا قادرا على أن يضمن للأطفال و النشء بنيان نفسي و عاطفي مستقيم ، يقف سور منيعا أمام كل أشكال الانحرافات ، ويبني بذلك مجتمعا خاليا من العقد .

تواجد المرأة في كل الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية والسياسية، تواجد طبيعي و صحي، وللمرأة وزنها و مكانتها في كل المجالات التي تضع قدميها فيها، فهي فاعلة حقيقية ولها كفاءات نجدها في المجال الصحي كما نجدها في كل القطاعات ، فهي تلعب دور الأم في البيت ، بالإضافة إلى الإخلاص والتفاني في العمل ، كما نجحت المرأة من خلال بنيتها الفيزيولوجية والفكرية و الثقافية و القدرة الفائقة على التواصل ، في الإسهام في كل الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي لعبت فيها دور الريادة ، وتتميز بالقدرة الهائلة في تصريف المنتجات التجارية ، وشغل كل المناصب بما في ذلك المناصب العليا.

وقد أشارت مندوبية المندوبية السامية للتخطيط في كلمة السيد أحمد الحليمي علمي ، بلغة الأرقام إلى الوضعية التي تعيشها المرأة ، مبرزا ذلك في كون غالبية نساء المغرب يشتغلن في بيوتهن و من دون أجر و تبلغ نسبتهن 92 بالمائة ، كما تمثل المرأة نسبة 33.6 بالمائة من إجمالي المأجورين بالمغرب ، يستفدن فقط من نسبة 20.9 بالمائة من كتلة الأجور ، بأجر يقل ب 26.3 بالمائة عما يتقاضاه الرجال ، وأشار أيضا إلى ارتفاع نسبة الأمية في العالم القروي والتي بلغت 52.6 بالمائة سنة 2012 .

لقد وقفت التقارير على العنف الممارس على المرأة، وحسب مندوبية الحليمي، فنسبة النساء المعنفات بلغت 62.8 بالمائة ، يطالهم شتى أنواع العنف ، خصوصا من الفئات الهشة ، باعتباره عائقا أمام تطوير دور المرأة في المجتمع، العنف الذي يضاعف الأضرار الناجمة عنه سواء كان جسديا أو معنويا و لفظي، حيث وصلت حالات العنف الجسدي إلى 32 بالمائة ، 17 بالمائة منه بالبيوت ، و 48 بالمائة عنف لفظي يعود وقعه السلبي على نفسية المرأة و خصوصا على الأطفال الذين يشاهدون حالات تعنيف أمهاتهم ، التي يبقى وقعها قائما على نفسية الأطفال على المدى البعيد ، كما شكل العنف الجنسي والذي نستحضر فيه الحالة التي اهتز لها الشارع العام المغربي و المنظمات الحقوقية المغربية ، ” أمينة الفيلالي “.

التبخيس والتقليل من قيمة و رمزية المرأة، من ذات إنسانية واعية و فاعلة، إلى محاولة تشيئها واستغلال جسدها ، كماركة مسجلة لأغراض تجارية ، بما في ذلك الفن السابع الذي يصور ويظهر المرأة في استعراضات و لقطات و مشاهد مخلة  بالحياء العام ، تحت راية التحرر.

طابع التحرر و الانفتاح، جعل من الفكرة تقتصر بالأساس على ما هو جنسي ، كحق من حقوق الإنسان، فكيف يمكن أن نبني مجتمعا متماسكا ، يعطي للمرأة قيمتها الطبيعية و الحقيقية ، و حقوقها كاملة في الصحة و السكن و الشغل و الكرامة ، و الأمن و الحماية ، في ظل أصوات تنادي فقط للإباحية ، بقول ” أقبل أن تمارس أختي و ابنتي … علاقاتهم الحميمية خارج مؤسسة الزواج ؟؟

مبدأ المساواة الذي نص عليه دستور 2011 ألقى على عاتق المرأة، تحديا كبيرا بلعب دورها كاملا ومكتملا إلى جانب الرجل و بالمساواة معه ، وذلك عن طريق إثبات ذاتها بالمشاركة في العملية السياسة ، التي توصف بالضعيفة مقارنة مع نسبة النساء بالمغرب التي تصل إلى 51.04 بالمائة ، 16 بالمائة منها بالبرلمان ، 0.22 بالمائة في مجلس المستشارين، و16 بالمائة في المناصب السامية، 33 بالمائة في المجالس الجماعية الحضرية و القروية ، بالإضافة إلى العمل الجمعوي خصوصا ، و النهوض بذاتها و الخروج من دوامة العزلة و الفقر و الهشاشة و المشاركة في إطار فعاليات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، للتقويم الفكري و محاربة الجهل و الأمية ، وخلق مبادرات للتشغيل الذاتي ، خصوصا هنا في مناطق المغرب العميق ، الذي تعيش فيه المرأة عزلة تامة عن عالمها الخارجي ، و تعيش ظروفا قاسية ، في غياب مبادرات لدعم و مساعدة المرأة في وضعية هشاشة و الفقر ، و تقريب الخدمات الطبية و الاجتماعية و مساعدة النساء الأرامل الأميات في المغرب العميق على الانخراط في المبادرة الحكومية الخاصة بهم ، وقطع الطريق عن السماسرة الذين يستغلون جهلهن وبالتالي النصب والاحتيال عليهن .

إلى جانب الأرامل و المطلقات والنساء في وضعية صعبة، نجد صنف حديث من النساء ، وهو ما أصبح يعرف ب “الأمهات العازبات “، الظاهرة التي عرفت انتشارا خطيرا في المجتمع المغربي ، خصوصا في صفوف الفتيات القاصرات ، اللاتي شاء القدر أن يحملن في أحشائهن ، أطفال خارج مؤسسة الزواج ، إما عن طريق تعرضهن للاغتصاب ، أو إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل من الدولة تجد صعوبة في التعاطي معها. خصوصا لحداثة الظاهرة، و غياب الآليات و الوسائل الكفيلة، من مؤسسات لرعايتهن صحبة أطفالهن، و سبل إدماجهن داخل المجتمع، الذي ينظر بعين الاشمئزاز و الاحتقار لهذا الصنف من النساء.

إن إشكالية المرأة بالمغرب ، ليست إشكالية المرأة المتحضرة و الواعية بكل ما لها و ما عليها من حقوق ، بل الإشكال الحقيقي في المرأة القروية ، التي تعاني كما سبق و أشرنا من غياب الفرص ، و غياب الوعي ، و بالتالي غياب الدراية التامة بالمسائل الحقوقية و القانونية ،  وهنا تهضم حقوقهن ، وغياب الوعي هذا يجعل من تنزيل النصوص القانونين و تطبيقها على أرض الواقع أمرا معقدا و صعبا .

وضع الأسس و القوانين الخاصة بالمرأة يعد أمرا غير كافي ، ما دام وضع الأمية في صفوفها مخجلا ، وبالتالي تبقى مساهمة الإعلام السمعي البصري ، في نشر الثقافة القانونية الصحيحة بالخصوص ، و ثقافة تفيد المرأة بشكل عام ، قد يسهم ولو بالقليل من تخفيف أثر معاناة المرأة ، ” فأي شيء يستطيع المرء أن يصبر عليه إلا الظلم “.

تخليد الثامن من مارس كل عام يوما عالميا ، يضفي رمزية كبيرة على اهتمامات المغرب والعالم بالمرأة ، ووجودية المرأة ، إلا أنه و في نفس الوقت يكشف الستار على نفاق المنتظم الدولي خصوصا ، لما  يلحق النساء اللاجئات ، ” السوريات ” من عنف و اضطهاد واغتصاب و تهجير و تقتيل ،  و ” نساء  غزة ” التي أطلقت إسرائيل خلال حربها الأخيرة حملة  لقتل و تصفية النساء الحوامل بتطبيق خطتها الشنيعة ” اثنان في واحد” ، لما تعرفه نساء غزة من ارتفاع نسبة الخصوبة على المستوى العالمي ، الأمر الذي يقف عائقا أمام مشروع إسرائيل الاستيطاني ، بظهور صفوف جديدة من المقاومة ، بالإضافة إلى الممارسات التي يقيمها الدواعش على نساء العراق و سوريا من اغتصابات و قتل وتهجير، يجعل من وضعية حقوق الإنسان بصفة عامة و حقوق المرأة بصفة خاصة لا تحتاج فقط إلى يوم عالمي .

error: Content is protected !!