في الأكشاك هذا الأسبوع

سجناء لكنهم قادرون على شراء العقارات بفضل عائدات تجارة المخدرات داخل الزنازين

قراءة في خبر – الحياة

     تضم سجون المغرب أكثر من 70 ألف سجين موزعين على نحو 73 سجنا، في حين أن طاقتها الاستيعابية لا تتجاوز 48 ألفا. أي أن المساحة المخصصة لكل سجين لا تتجاوز 1.6 متر مربع فقط. ويعد 49 في المئة منهم معتقلين احتياطيين أي أنهم لم يخضعوا لمحاكمات، في ما يشكل الذكور النسبة الأكبر (نسبة 97 في المئة)، أما الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و50 عاما، فتصل نسبتهم إلى 87 في المئة.

من بين هؤلاء المترددين على السجن، “الواعر” وهو شاب يعرف كل زاوية من السجن، بل بوسعه أن يتجول في الفضاء الضيق مغمض العينين. فقد ألف التردد على المؤسسة لأكثر من مرة في السنة، حتى إن الفترات التي قضاها هناك تمثل زهاء نصف عمره. وما أن يدخل السجن وهو معتقل احتياطي حتى يرتدي اللباس ويتسلم مهماته كمعاون يتولى النداء على السجناء للمحكمة أو الزيارة أو عيادة الطبيب، كأي “خبير” في المكان. ويستغل “الواعر” صفته هذه من أجل ترويج المخدرات والاتجار بالممنوعات، ما يمكنه من قضاء فترة عقوبة دون الحاجة إلى زيارة من ذويه المعوزين أصلا. فعلى رغم كثرة الإتاوات التي يدفعها، إلا أن “الواعر” تمكن من جمع مبالغ مالية كبيرة يسرت له اقتناء عقارات خارج أسوار السجن.

وما أن غادر المؤسسة حتى أغرته عائدات تجارة المخدرات المحمية للعودة من جديد، بخاصة أن الظروف “مواتية ومشجعة”، كما يقول، على العودة. فتجارة المخدرات داخل السجون “محمية وليست لها أي مخاطر مهنية أو متابعات قضائية باستثناء حالات محدودة يراد بها ذر الرماد في الأعين”، كما يقول.

وينظر “الواعر” باستخفاف إلى شعارات التأهيل المعرفي والمهني، فالمندوبية غير قادرة على أن توفر له أجواء ليقضي عقوبته في ظروف إنسانية تحفظ كرامته، فكيف لها أن توفر له إمكانات التأهيل لحياة ما بعد الإفراج، بحسب قوله.

في المقابل، قرر “الإدريسي” الانصراف عن كل تلك التصرفات الطائشة وعراكه الدائم. فهو سريع الغضب وحين يفقد صوابه يمطر غريمه بالضرب ويتسبب له في جروح خطرة تفرض نقله إلى المستشفى أحيانا.

ويقول الإدريسي إن الاعتداءات التي كانت تصدر عنه سببها تعاطيه حبوب الهلوسة، فكان يحصد بها المزيد من سنوات السجن إلى أن راكم 14 سنة ضيعها خلف القضبان بسبب لحظات الطيش. فهو دخل السجن بالتهمة نفسها 11 مرة، إلى أن تاب عن كل هذه الممارسات أخيرا، مصرا على أن يتحول إلى مواطن صالح وأن يتحلى بالأخلاق الحميدة ويعيش حياته العادية وألا يعود إلى السجن من جديد.

ويعمل الإدريسي اليوم في حراسة الدراجات ويرجع الفضل كله لله ولعزيمته في التغيير وليس لشيء آخر، كما يقول، “فلا موظف السجن يلقن الأخلاق، ولا المحيط يساعد على ذلك”. ويضيف: “على العكس السجن يحول بعض المبتدئين إلى مجرمين محترفين بسبب الاحتكاك مع سجناء يحترفون السرقة والعنف”.

وعلى رغم أن آخر دراسة قامت بها “مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء”، أوضحت أن حالات العودة في صفوف النزلاء الذين استفادوا من المتابعة لا تتجاوز نسبة  في المئة إلا أن بعض المشرفين يؤكدون أن اندماج ذوي السوابق العدلية يحتاج إلى مقاربة أكثر شمولية. فرغم الإمكانات البشرية واللوجستية والاعتمادات المالية المهمة التي وضعت رهن إشارة قطاع السجون منذ إخراجه من جبة وزارة العدل ووضعه تحت وصاية رئيس الوزراء عبر إنشاء “المندوبية العامة للسجون”، ورغم البرامج والمشاريع والمبالغ المالية التي تصرفها المؤسسة لإعادة إدماج السجناء سنويا وتأهيل النزلاء أخلاقيا ومعرفيا ومهنيا ليندمجوا في المجتمع من جديد وبشكل سليم، فإن كل المؤشرات تفيد بأن نسبة العودة في ارتفاع. فالحد من الجريمة يقتضي قبل كل شيء التصدي للأسباب العميقة والبنيوية التي تنتج الجريمة كالتهميش والفقر والبطالة، بحسب ما يراه متخصصون في المجال.

وكان مشاركون في ندوة حول حقوق السجناء، نظمتها جمعيات أهلية أخيرا بشراكة مع السفارة الهولندية في المغرب، قد أجمعوا على أن سجون المغرب تعاني بالدرجة الأولى من الاكتظاظ وعدم ترشيد اللجوء لشروط الاعتقال الاحتياطي من قبل القضاء، ما يغيب أنسنة ظروف سلب الحرية، معتبرين أن إدارة قطاع السجون لا يمكن تناولها بمعزل عن السياسة الجنائية.

error: Content is protected !!