في الأكشاك هذا الأسبوع

“الأسبوع” تنفرد بنشر صورة وثيقة بيعة الملك محمد السادس ودور النسب الشريف فيها

الرباط – سعيد الريحاني

       سئل الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، إدريس الأزمي، باعتباره واحدا من “الشرفاء الأدارسة” عن رأيه في الجدل الذي أثير عقب التشكيك في نسب المولى إدريس سنة 2013، فقال، خلال شهر ماي من تلك السنة: “صدمتني تلك التصريحات، ولم أفهم المغزى من هذا الجدل.. كما أن الحديث عن الموضوع يثير انفعالي”، وكان الأزمي يعيش وقتها تحت تأثير صدمة غير مسبوقة على خلفية تصريحات الناشط الثقافي أحمد عصيد(..) التي شككت في نسب مؤسس الدولة العلوية(..)، معتبرة أن شجرة الأنساب مجرد وهم صنعه “المرينيون”، وأن شجرة الأنساب مجرد أسطورة، مثلها مثل الأشجار الوهمية..

Mon image protegeعامان بعد هذا التصريح، أصدرت وزارتا الداخلية والعدل والحريات، بلاغا صارما، أكدتا من خلاله صدور تعليمات وجهت إلى الولاة والعمال والوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك قصد التصدي لمن يسلمون “بطائق الشرفاء” للمواطنين، معتبرة أن هذا السلوك غير مشروع ومخالف للقانون، بل إن نفس البلاغ الصادر عن الوزيرين مصطفى الرميد ومحمد حصاد قال: “إن بعض الهيئات والأشخاص يلجأون إلى طبع وتوزيع بطائق تحت تسمية «بطاقة خاصة بالشرفاء» تحمل صورة للمنتسبين، مخططة باللونين الأحمر والأخضر، ومختومة ببعض الرموز المشابهة للبطائق المهنية المخصصة للموظفين العموميين”.

وتبعا لما ورد في بلاغ وزارتي الداخلية والعدل فإن القرار الحكومي الأخير يجد سنده في استعمال بطائق النسب الشريف في النصب والاحتيال على المواطنين، غير أن ما فهم من الأمر هو “رغبة” الحكومة في إلغاء قيمة النسب الشريف، في هذا الإطار يقول أحمد اليونسي رئيس “رابطة الشرفاء اليونسيين” وأبناء عمومتهم: “ارتباطا بموضوع القرار المشترك بين وزيري الداخلية والعدل بشأن استغلال بطائق الأنساب المزورة، والتي يسترزق بها بعض المسترزقين فإننا من هذه الناحية نثمن هذا القرار ونسجل إيجابياته، حيث باتت الكثير من الروابط والجمعيات تستغل النسب الشريف للابتزاز والنصب والاحتيال، وهذه الخطوة كانت مطلوبة منذ زمان.. لكننا بالمقابل نرفض التعميم على الكل فهناك أشراف لا يسعون للتكسب بانتسابهم لآل البيت، وقد كانوا دوما في طليعة المجاهدين الذين استرخصوا أنفسهم للدفاع عن ثوابت الأمة ومقدساتها ووحدتاها الوطنية، ومازالوا مستعدين للقيام بأي دور كسائر المواطنين للدفاع عن هذه الثوابت..”.

جواب اليونسي يؤكد بالملموس وجود سوء فهم للقرار، والسبب هو أن بعض النشطاء طالما انتقدوا الحديث عن وجود مواطنين لهم أصل شريف(..) لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا القرار هو: ألن يكون لمثل هذا التصرف الحكومي انعكاس على السلطة الدينية للملك، على اعتبار أنها تتلخص أساسا في النسب الشريف وفي البيعة(..) والكل يعلم أن أحد تجليات البيعة هو حفل الولاء الذي يقام كل سنة، لكن لا أحد حتى الآن قام بالربط بين الأمور، ومدى انعكاسها على “إمارة المؤمنين”، وكان الهجوم على البيعة قد انطلق منذ مدة طويلة، بالموازاة مع الهجوم على الدستور، وهو ما أشارت إليه “الأسبوع” في ملف تحت عنوان: “بعد الهجوم على البيعة.. هل تمهد الدعوة إلى حذف إمارة المؤمنين لتفكيك وحدة الشعب” (الأسبوع، عدد 18 دجنبر 2014).

بخلاف الآراء المشككة تقول بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية: “أجمع العلماء والأدباء والنسابون مغاربة ومشارقة على اعتبار أن النسب العلوي الشريف من الأنساب الصريحة في تاريخ بلادنا، وأن الانتساب للدوحة النبوية الشريفة يشكل عنصرا من أهم عناصر الالتحام والتماسك”، وتضيف بهيجة سيمو: “من هذا المنظور يمكن إدراك البعد الدقيق الذي فكر فيه رجالات المغرب لاستقدام الذرية النبوية من قرية ينبوع النخل المقر المحتضن لميراث الإمامة وموطن الشرفاء الحسنيين الذين كان المغاربة يتعهدونهم بالزيارة، والتبرك بأرومتهم، والاطمئنان لحالهم وإعلان ولائهم الروحي لهم كلما حجوا إلى بيت الله، وأيضا كلما أنهوا مناسكهم ليستمدوا البقية الباقية لروح النبوة الماسكة للسند الأصلي بين الناس من نبعها الغض الطري..”.

 بهيجة سيمو، قالت هذا الكلام مؤخرا، في معرض تقديمها لمؤلف ضخم تحت عنوان: “البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب”، هذا الكتاب الذي تنشر “الأسبوع” بعض مضامينه، والذي يعود تاريخ تأليفه لسنة 2011، مازال يخلق الحدث على مستوى الدوائر العليا باعتباره منتوجا محرجا لبعض الجهات التي يفترض فيها الإلمام بتاريخ المملكة أكثر من غيرها(..).

وتؤكد صاحبة الكتاب على أن البيعة في المغرب تتخذ من الخلافة الإسلامية مرجعية شرعية لها باعتبارها الإطار التنظيمي للحكم، وتشير جميع البيعات إلى أهمية هاته المنظومة في تدبير شؤون الأمة، وتضيف بأن البيعة تكرم آل البيت وتجعلهم أهلا للملك والخلافة، ((حيث أجرى الله الأقدار على حسب ما اقتضاه حكمه وعدله، واطلع الملك في فلك الشرف شمسا لائحة الأنوار، وفَرَّعَ من دوحة النبوة فروعا طيبة شامخة القدر والمقدار.. اصطفى من عالم الكون قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، وآتهم الملك والحكمة والله يوتي ملكه من يشاء)) (مقتطف من بيعة أهل فاس للسلطان مولاي الحسن، عن كتاب البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب).

ولا تقف أهمية البيعة عند حدود كونها نصوص بالغة الأهمية من حيث بلاغتها اللغوية وقيمتها التاريخية، بل يمكن اعتبار نصوص البيعة من بين الوسائل التي تؤكد مغربية الصحراء “من خلال نصوص بيعتها لقبائل السلاطين والملوك العلويين، ومنها بيعة قبائل أهل الساحل، وأولاد ادليم، وبربوش، والمغافرة، وأولاد مطاع، وجرار،.. وغيرها، للمولى إسماعيل سنة 1976م، وذلك بواسطة حركته لناحية سوس وصحرائها حيث تزوج خناتة بنت بكار المغفرية. ويندرج في نفس السياق بيعة أهل توات للسلطان مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل سنة 1728 ميلادية، وبيعة الشيخ المختار الكتاني للسلطان مولاي عبد الرحمن، وبيعة ابنة الشيخ أحمد البكاي للسلطان نفسه، وبيعة إمام تندوف الشيخ محمد بن المختار بن لعمش الجنكي، التي يعلن فيها عن بيعة هذا الإقليم للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، إلى غير ذلك من البيعات الصحراوية التي ظلت مسترسلة إلى اليوم” (المصدر نفسه).

يذكر أن ما يميز البيعة في المغرب فضلا عن ارتباطها بالنسب الشريف هو كونها تتميز بخلاف باقي الدول الإسلامية بأنها بيعة مكتوبة “ذلك أن المغرب هو الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي لم تكتف بالبيعة الشفوية”، تقول بهيجة، التي تضمن كتابها عددا من الوثائق النفيسة من بينها وثيقة بيعة الملك محمد السادس (أنظر الصورة) بإشراف الهيئة الوطنية لعدول المغرب، والمؤرخة بتاريخ 23 يوليوز 1999م، والتي جاء فيها: “.. وإنه لما قضى الله بوفاة أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين وإمام المسلمين في هذا البلد الأمين جلالة الملك الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن قدس الله روحه وطيب ثراه وعطر بأريج الرحمة مثواه. ولما كانت بيعته الشرعية في أعناق المغاربة جميعا من طنجة إلى الكويرة، وكانت البيعة من الشرع هي الرابطة المقدسة التي تجمع المؤمنين بأميرهم وتوثق الصلة بين المسلمين وإمامهم وكان فيها ضمان حقوق الراعي والرعية.. فإن أصحاب السمو والأمراء وعلماء الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار رجالات الدولة وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، الموقعين أسفله.. يقدمون بيعتهم الشرعية لخلفه ووارث سره أمير المؤمنين سيدنا محمد بن الحسن بن يوسف بن الحسن” (مقتطف من وثيقة البيعة).

يذكر أن وثيقة البيعة كان قد وقعها كل من الأمير مولاي رشيد والأمير مولاي هشام، والأمير مولاي إسماعيل، والوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، ورئيسا مجلس النواب، ومستشارو الملك، ورئيس المجلس الدستوري، والضباط السامين بالقيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، والمدير العام للأمن الوطني، ورؤساء الأحزاب السياسية، والحاجب الملكي..

error: Content is protected !!