في الأكشاك هذا الأسبوع
وزير الداخلية المغربي حصاد رفقة نظيره الفرنسي

ملف الأسبوع | لعبة الربح و الخسارة في حرب المخابرات المغربية و الفرنسية

الرباط ـ سعيد الريحاني

في شقته البسيطة بالطابق الثالث بإحدى عمارات حي بوركون بالدار البيضاء، وهي الشقة التي لم يتمكن عبد الرحمن اليوسفي، طوال مساره السياسي والنضالي، من توفير مصاريف اقتنائها، رغم بساطتها، إلا بعد تجاوزه منتصف عقده السبعين.. في هذه الشقة حرر اليوسفي رسالة استقالته، التي لم يستشر فيها مع أحد من مقربيه، ولا حتى أعضاء المكتب السياسي.. بعد يومين من استقالته، قام وفد من المكتب السياسي بزيارة لليوسفي يتقدمهم عبد الواحد الراضي ومحمد اليازغي، ولم يطلب الوفد الحزبي من اليوسفي مراجعة قرار الاستقالة أو مناقشة أسبابها وحيثياتها، أو محاولة ثنيه عنها، بقدر ما جاء، فقط، لشكره و”تهنئته” عليها؟

هذا المشهد البئيس لنهاية زعيم حكومة التناوب التوافقي، التي كان معولا عليها لإنقاذ المغرب(..)، كما وصفه الكاتب “محمد الطائع” في كتابه:”عبد الرحمن اليوسفي والتناوب الديمقراطي المجهض”، لا يشكل فقط نهاية وزير أول بل يشكل حسب المتتبعين انتكاسة لمرحلة كاملة، سيكون لها أثر نفسي بالغ في حياة الوزير الأول السابق، ((فقد خلص اليوسفي إلى أن التناوب التوافقي، الذي غامر وقامر من أجله بكل رصيده التاريخي ومصداقيته، في أفق انتقال ديمقراطي شامل وهادئ، فشل وأجهض عن سبق إصرار وترصد، فإلى جانب “القوة 3″، التي وصفها اليوسفي، بجيوب المقاومة، التي كانت تعمل ليل نهار، على تقويض ميثاق التوافق التاريخي بين المعارضة الاتحادية والقصر، ساهم جزء كبير من أطر الاتحاد الاشتراكي كذلك، بحماس منقطع النظير، في تقويض التجربة، وتيئيس المغاربة من السياسة والحزب، والتنافس، في خدش مصداقية تاريخهم وإرثهم النضالي، حزبهم، وكاتبهم الأول)) (المصدر: كتاب عبد الرحمن اليوسفي والتناوب الديمقراطي المجهض).

هكذا فشلت تجربة اليوسفي، قبل تتداول وسائل الإعلام صورته وهو جالس على الأرض(..)، شأنه شأن الوزير الأول السابق عباس الفاسي، الذي انتهى هو الآخر جالسا على الأرض(..)، قبل أن يصبح ضحية لتصفيه حزبية تنظيمية، فرضت عليه الجلوس في منزله والسكوت حتى إشعار آخر(..).

وأنظروا لهذه النهاية المأساوية لزعماء الأحزاب العريقة (حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي نموذجا)، والذين انتهوا معزولين عن العالم، وبأضرار نفسية جسيمة، لا تسمح لهم بتقديم أي خدمة للمغرب، وبينما لم يعد يسمع صوت الوزير الأول السابق عباس الفاسي، الذي جاء لتصحيح المنهجية الديمقراطية، بعد التقنوقراطي إدريس جطو(..)اختار عبد الرحمن اليوسفي الذي عينه الراحل الحسن الثاني وزيرا أول يوم 4 فبراير 1998، الزهد في كل المناصب التي اقترحت عليه بعد ذلك، ((ففي أحد أيام شهر أبريل 2004، أوفد الملك محمد السادس، فؤاد عالي الهمة إلى عبد الرحمن اليوسفي، واقترح عليه هذا الأخير باسم الملك محمد السادس، تولي رئاسة هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن اليوسفي سيعتذر بأدب وأناقة رجال الدولة الكبار، وقال للهمة قل لجلالة الملك:

“majesté je vous remercie doublement” أشكركم يا جلالة الملك مرتين: الأولى لاقتراحكم لي تولي هذه المسؤولية المهمة، والثانية لقبول اعتذاري عن عدم تلبية طلبكم)) (نفس المصدر).

لم يزهد اليوسفي في مناصب المسؤولية داخل المغرب فقط، بل إنه أصبح زاهدا منذ الاستقالة حتى في المناصب الدولية، فعندما اتصل به صديقه الجزائري القديم الأخضر الإبراهيمي، الموظف السامي في الأمم المتحدة، لتكليفه بملف العراق، قال له: “سالينا.. الله يجعل البركة”.

لا أحد يعلم سبب سكوت “اليوسفي”، ولا أحد يعلم ما إذا كان رجال “المخابرات” قد فعلوا فعلتهم لإسكات الرجل، لكن خروج بعض المقالات الصحفية التي استندت على تصريحات الضابط السابق في المخابرات أحمد البخاري، أكدت بما لا يدع مجالا للشك بأن الاتحاديين كانوا دائما هدفا لشباك المخابرات، فعندما سئل البخاري عما إذا كان بعض الاتحاديين قد استدرجوا وتم تصويرهم في بعض الشقق المعدة للفساد في مدينتي الرباط والدار البيضاء، قال:”ليس كل من يتم استدراجه إليها يتم تصويره (يقصد الاتحاديين)، هناك فعلا من جرى تصويرهم في أوضاع مخلة وخافوا في ما بعد من الفضيحة، فيما آخرون قدموا إليها بدعوة من الضباط السريين الذين حاولوا توريطهم..عبد الرحيم بوعبيد تردد على شقة من تلك الشقق، وجلس مرات كثيرة مع الضباط السريين، وتم تسجيله” (المصدر: جريدة الأخبار).

الزعيم التاريخي للاتحاد الاشتراكي عبد الرحيم بوعبيد تم تصويره، والله وحده يعلم ماذا صورت المخابرات، بينما لا أحد يعلم لماذا سكت اليوسفي، وضابط المخابرات أحمد البخاري، نفسه، قال عنه: ((عبد الرحمن اليوسفي لديه قصة طويلة مع المخابرات، حاول بعض الضباط السريين التقرب منه، لكنهم لم يفلحوا حقيقة في إقناعه بالتعاون مع الأجهزة السرية، وعندما كثر الإلحاح عليه أجاب بأنه “يريد مهلة للتفكير”.. لكنه لم ينضم، بل ظل يراوغ)) (المصدر: جريدة الأخبار).

عبد الإله بن كيران رئيس “الحكومة المحظوظة”، محليا ودوليا، والناقصة من حيث التشكيلة(..)، معروف بسخريته اللاذعة، وقاموسه القريب من الشارع(..)، لكن لا يبدو أنه قد أخذ الدرس من أسلافه، وهو ما تؤكده تصريحاته: “ما دامت المعارضة تتعامل بهذا المنطق، غادي نعسو وما تاخدوش رئاسة الحكومة”، بهذا التفاؤل يتحدث بن كيران، ولاشك أنه صدق ما خلص إليه معهد الدراسات “سونرجيا” الذي قال في بداية السنة الجديدة إن نسبة 47 في المئة من المغاربة “راضين” عن أداء رئيس حكومتهم (الاستطلاع نشرته جريدة ليكونومست).

كل مجهودات بن كيران منصبة على المشاكل الداخلية، وجزء كبير من وقته مخصص لدحض خصومه السياسيين؛ “بنكيران يهاجم إلياس”، و”إلياس يهاجم رئيس الحكومة” و”بنعبد الله يهاجم شباط”.. كلها عناوين صحفية جاهزة تكررت أكثر من مرة في الفترة الأخيرة، وكأن عجلة المغرب توقفت على أربعة أشخاص فقط والحال أن التحديات أكبر بكثير مما يتخيلون، فالحديث عن التنافس الانتخابي السابق لأوانه يقتضي “تأمين الوطن أولا” ضد التحديات الخارجية، والحديث عن قرار حاسم قد يصدر عن مجلس الأمن في قضية الصحراء خلال شهر أبريل المقبل، ربما يقتضي التساؤل: هل ستكون هناك انتخابات أصلا؟ ألا يفترض هذا الوضع تعبئة المواطنين للدفاع عن وطنهم أولا؟ ولماذا تتهافت هذه الأحزاب على الانتخابات ولا تهب للدفاع عن الصحراء؟ ربما يكون من حسن الحظ أن الدولة المغربية لا تضع كل البيض في سلة واحدة، فانشغال السياسيين، بـ”عض” بعضهم البعض توازيه تحركات ملكية غير مسبوقة في الخارج، وسباق أمني محموم بين الأجهزة الوطنية و”غير الوطنية”.

حتى الآن يمكن القول إن رئيس الحكومة يسكن في “دار غفلون”، والسبب منطقي جدا، فهذا الأخير لا يتوصل بالتقارير الأمنية والاستخباراتية التي يمكنها أن تسعفه في معرفة الأوضاع الحقيقية في المغرب والعلاقات الخارجية للبلاد. فما يصله هو “تقرير بين الفينة والأخرى من وزارة الداخلية يتضمن خطوط عريضة في وصف الحالة الأمنية للبلاد” (المصدر: ألف بوست، عدد 18يوليوز 2013).

“فرغم الدستور الجديد الذي يمنح لرئاسة الحكومة صلاحيات ومسؤوليات أمام الشعب، إلا أن دائرة المؤسسات الأمنية وخاصة الاستخباراتية لا تدخل في نطاق عبد الإله بن كيران، حسبما تؤكده مصادر رفيعة، وتضيف أن بن كيران لا يتوصل نهائيا بتقارير من المخابرات مباشرة لا المدنية ولا العسكرية” (نفس المصدر).

في عز الصراع المخابراتي الدولي، يتوفر المغرب على رئيس حكومة لا يتوصل بتقارير المخابرات، إذن كيف سيحكم؟ وكيف يمكن لبن كيرانمثلا، أن يدخل على خط الأزمة المغربية الفرنسية وهو أعمى، ربما يكون سكوته أحسن في هذه الحالة، فعندما سألته قناة “فرانس 24” حول الترخيص للطائرات الفرنسية بالمرور نحو مالي في إطار  عملية “الهر الوحشي” لمواجهة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، قال بسذاجة منقطعة النظير “لا علم لي”، وهذا جواب طبيعي من بن كيران الذيطالما يعتبر نفسه “مجرد رئيس حكومة”.

يمكن للمتتبع أن يعذر بن كيران فاللعبة اليوم أصبحت مخابراتية بامتياز، والأزمة المغربية الفرنسية على سبيل المثال هي أزمة ناتجة عن “محاولة المس” بمدير المخابرات المغربي، “في بداية الأزمة، كانت هناك فرضيات لكني أعتقد أن قضية عبد اللطيف الحموشي مدير المخابرات هي التي فجرت الأزمة”، هكذا تحدث “بيير فيرموران” أستاذ العلوم المعاصرة في جامعة باريس (الاتحاد الاشتراكي، عدد: 16 فبراير 2015).

أنظروا لقمة التناقض الفرنسي الذي تفضحه هذه القصاصة الإخبارية التي تكررت في عدة مواقع إخبارية:”سنة واحدة بعد إقدام فرقة خاصة على محاولة إيقاف عبد اللطيف الحموشي على التراب الفرنسي، سيتم تكريم رئيس المديرية العامة لمراقبي التراب الوطني بوسام الشرف، في بادرة تعيد المياه إلى مجاريها، وتعترف فيها الجمهورية بخطئها”.. كيف يمكن لمبحوث عنه أن يصبح حاصلا على وسام الشرف من درجة ضابط؟ وزير الداخلية الفرنسي “بيرنار كازينوف” قال للصحافيين: سبق أن فعلنا ذلك، وسنفعل الأمر مجددا بتوشيح الحموشي”.

ما معنى أن تعلن فرنسا عن استقبال الملك محمد السادس، من طرف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وفي نفس الوقت تقوم وزارة الداخلية الفرنسية التي وشحت الحموشي وشكرته على مجهوده في مكافحة الإرهاب بالترخيص لمظاهرة احتجاجية على أطراف الإقامة الملكية يشارك فيها معارضو الملك؟ وما معنى أن تقوم قوات الدرك بتفتيش مستشار الملك فؤاد عالي الهمة بدعوى وجود مظاهرة ضد النظام، هل يعقل أن يخاف الدرك الفرنسي على الملك أكثر من خوف الهمة عليه.

ما معنى أن يكون الملك في فرنسا، وبالمقابل تقوم جريدة “لوموند” بنشر حساباته في الخارج، أياما قبل المظاهرة، ألا يعني ذلك أنها محاولة “للتجييش”؟ ما حصل يؤكد أحد الأمرين، إما أن فرانسوا هولاند “لايحكم” شأنه شأن بن كيران، أو أن الاستخبارات تلعب لعبتها خلف ظهره، وفي كلتا الحالتين المغرب أيضا لعب لعبته (..).

لم تقف اللعبة على مستوى فرنسا، بل إن اللوبي الفرنسي في المغرب ضغط بكل قوة حتى تجد قضية “شارلي إيبدو” على سبيل المثال صدى لها في المغرب، فما علاقة مجلة “شارلي إيبدو” المتوقفة عن الصدور، عقب هجوم مسلح على صحافييها، بالمغرب؟ الجواب على ذلك غير مرتبط بمسيرة باريس ضد الإرهاب التي لم يشارك فيها المغرب بسبب حساباته الخاصة(..)، بل يوجد في البرلمان، بعد أن تبنت أحزاب المعارضة المغربية، القضية الفرنسية، وأصبحت “شارلية” أكثر من “شارلي إيبدو” وهي تقترح تبني الملف، و”متابعة كل أجنبي ارتكب أية جريمة إرهابية في أية منطقة أجنبية من العالم” (أنظر الأسبوع، عدد 22 يناير 2015). المعنى العملي لهذا الكلام يفترض توريط المغرب في مستنقع الحرب على الإرهاب، وتوفير المبرر للإرهابيين من أجل مهاجمة المغرب(..).

“شارلي إيبدو” كانت معروفة بانتقادها للرسول صلى الله عليه وسلم، لكن وزيرة العدل الفرنسية “كريستين توبيرا” التي قالوا إنها وقعت مع وزير العدل مصطفى الرميد اتفاقا لاستئناف التعاون القضائي، هي نفسها التي كانت سباقة إلى انتقاد ملك المغرب، بدعوى أن “رسم الملك محمد السادس من الطابوهات”. ((وجاء تصريح وزيرة العدل الفرنسية خلال حفل تكريم للرسام “تينيوس”، الذي لقي حتفه خلال العملية الدموية التي استهدفت أخيرا صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، أسفرت عن مقتل خمسة صحفيين من الجريدة المعروفة باستهزائها من الدين الإسلامي.. “توبيرا” اعتبرت أن المغرب من الدول التي تعرف خللا في حرية الرأي والتعبير، وخصوصا في مجال الكاريكاتير، لأن الجميع يتعامل بحذر في قضية رسم الملك، مضيفة أن المغرب يشبه روسيا التي يعتبر فيها رسم صور مسيئة للكنيسة “أمرا ممنوعا”)) (المصدر: هسبريس، الجمعة 16 يناير 2015).

يمكن القول إن التيه الفرنسي بلغ أوجه، بإعلان عدة قرارات متناقضة إزاء المغرب في نفس الوقت، وهو ما يؤكد أن اللعبة لن تحسمها الحكومات فقط، بل إن اللعبة لها جانبها المخابراتي أيضا، وأنظروا لهذا التزامن الغريب، بين الأزمة الفرنسية، وبين “تسريبات كريس كولمان” التي استهدفت وزارة الخارجية المغربية ومديرية الوثائق والمستندات “لادجيد” التي يشرف عليها ياسين المنصوري، فضلا عن الهجوم الصحفي غير المسبوق على مربع مستشاري الملك ومقربيه (ياسر الزناكي، الماجيدي على سبيل المثال)..

من يدري، ربما تكون اللعبة المخابراتية التي استهدفت المغرب فرنسية بامتياز: “هل تقف المخابرات الفرنسية وراء القرصان كريس كولمان الذي يسرب وثائق الدبلوماسية في تويتر انتقاما من كشف جهات يفترض أنها مقربة من الدولة المغربية للصحافة اسم مديرة المخابرات الفرنسية في الرباط، وذلك في سابقة من نوعها في تاريخ المخابرات المغربية؟ هذا هو التفسير الذي يدور وسط عدد من المهتمين بالملف، والذي كشفت عنه جريدة “الموندو” يومه الثلاثاء، وأصبحت الفرضية الأكثر تداولا بما في ذلك في أوساط الرباط العليا.. وكان تردد المغرب في توجيه الاتهام رسميا إلى الجزائر بالوقوف وراء “كريس كولمان” الذي سرب الوثائق على صفحات الموقع الاجتماعي “تويتر”، عاملا أساسيا في البحث عن جهات أخرى، وازداد هذا الاقتناع بعدما تراجع وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار عن الاتهام الرسمي للجزائر في حوار أجرته معه مجلة “جون أفريك” منذ أيام، حيث ركز على جهات معادية للمغرب دون توجيه الاتهام مباشرة إلى الجارة الشرقية”.. هكذا تحدث موقع “ألف بوست” في مقال تحت عنوان: “هل هو انتقام فرنسي من النظام المغربي”.

error: Content is protected !!