في الأكشاك هذا الأسبوع
القاضي نور الدين الرياحي

الرياحي القاضي الذي طالب بإعدام الحاج تابت في حوار مع “الأسبوع”

حاوره: سعيد الريحاني

لم يسبق أن أثارت انتخابات تجديد رئيس “الودادية الحسنية للقضاة” جدلا كذلك الذي عرفته، مؤخرا، فقبل انتخاب عبد الحق العياسي رئيسا من جديد، كان القاضي نور الدين الرياحي من أشد منافسيه، وقد تحولت المنافسة بينهما، قبل أن تصل إلى ردهات المحاكم، إلى مادة خصبة لوسائل الإعلام، غير أن الحرب وضعت أوزارها، مؤخرا، بعد فوز العياسي بالرئاسة، في المقابل قرر نور الدين الرياحي تأسيس جمعية أطلق عليها اسم “رابطة قضاة المغرب” وهي ليست جمعية جديدة بقدر ما هي إحياء للجمعية التاريخية للقضاة، والتي سبقت تأسيس “الودادية”، حسب ما أكده هو نفسه في حواره مع “الأسبوع”.

هو إذن حنين للماضي، يقول الرياحي: “اليوم نحن إلى أحكام قضائية “مطروزة” كما كان يطرزها أسلافنا، كما نحن إلى قرارات قضائية “مطروزة” من الناحية القانونية والقضائية والاجتهادية.. ، أشهر الرياحي ورقة “واجب التحفظ” في وجه عدة أسئلة، لكن ذلك لم يمنع من حديثه بشكل مقتضب عن إمكانية إشراف القضاة على الانتخابات باعتبارهم مؤهلين لذلك بالتجربة، حسب قوله.

في هذا الحوار، يتحدث الرياحي المحامي العام بمحكمة النقض عن بعض الجوانب المثيرة في قضية الحاج تابت باعتباره كان ممثلا للنيابة العامة، ويكشف كيف نصبت الكاميرات في محكمة الدار البيضاء، بشكل يوحي بأن الملك الراحل الحسن الثاني كان يتابع القضية(..)، كما يؤكد إقناعه التام بمطلب الإعدام الذي تقدم به كنيابة عامة ضد “الكومسير تابت”، “لو لم تقم الدولة بإعدامه لأعدمته عائلات الضحايا”، يؤكد الرياحي.

 

———————————-

  • بصفتكم قاضيا، أسستم مؤخرا جمعية أطلقتم عليها اسم “رابطة قضاة المغرب”، ما الهدف من تأسيسها؟

 

  • رابطة قضاة المغرب هي جمعية تنشط في إطار ظهير الحريات العامة، وفي إطار الدستور الجديد الذي أعطى للقضاة الحق في تأسيس الجمعيات المهنية، هذا الإطار له حمولة تاريخية لأنها ترتبط باسم جمعية أنشأت في بداية فترة الستينيات من طرف قضاة المغرب، وقد قررنا إحياءها بنفس الاسم نظرا للإشعاع القضائي والعلمي والثقافي والقانوني الذي كان لرابطة قضاة المغرب في بداية ستينيات القرن الماضي، والتاريخ يذكر شخصيات قضائية لها وزن كبير من أمثال السي الحفياني، والسي السراج.. بالإضافة إلى قضاة آخرين منهم من قضى نحبه ومنهم من مازال حيا، كانوا يشكلون بالنسبة لنا عندما كنا شبابا منارات في الفكر القضائي، ومنهم: سيدي أحمد العراقي أحد المؤسسين وله مؤلفات كثيرة في موضوع استقلال القضاء.. طبعا هذه الرابطة، التي كانت الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي تغير اسمها لتصبح “الودادية الحسنية للقضاة” وقد كانت الجمعية الوحيدة التي يمكن الانتساب إليها، لكن بعد دستور 2011 أصبح للقضاة الحق في تأسيس جمعيات مهنية، تدافع عن الشأن المهني..

 

 

الحنين إلى ما قبل تأسيس الودادية الحسنية للقضاة

 

  • هل معنى ذلك أنكم تحنون إلى فترة ما قبل تأسيس “الودادية الحسنية للقضاة”؟

 

  • تماما، جميع قضاة المغرب بعد المسار المتعثر للودادية الحسنية للقضاة، أصبح لديهم حنين نحو الماضي، ولا شك أنكم تعلمون قول الشاعر: وحبب أوطان الرجال إليهم/ مآرب قضاها الشباب هنالكا/ إذا ذكروا أوطانهم ذكرته/ عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا.. هذا حنين إلى أولئك الرجال، وإلى أحكامهم القضائية وإبداعاتهم القانونية.. اليوم نَحِنُّ إلى أحكام قضائية “مطروزة” كما كان يطرزها أسلافنا، كما نَحِنُّ إلى قرارات قضائية “مطروزة” من الناحية القانونية والقضائية والاجتهادية، وهذا هو الهدف من هذا الحنين إلى الماضي الإبداعي للقضاة..

 

  • القاسم المشترك بين القضاة الذين ذكرتهم هو انتماؤهم لفترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، هل نفهم من كلامك أن القضاة في عهد الحسن الثاني كانوا أكثر التزاما بقضيتهم وبوفائهم للمبادئ القضائية..
  • لابد من أن نقول كذلك إن هناك شبابا في عهد الملك محمد السادس نصره الله، يحنون إلى هذه الماضي، وهناك قضاة شباب يربطون بين ما تحقق دستوريا اليوم في عهد الملك محمد السادس والجيل السالف.. يكفي الاطلاع على الدستور، لنعرف أن القضاء أصبح “سلطة قضائية” مستقلة إلى جانب السلطة التشريعية والتنفيذية..

القضاة لا يمكن أن يحتجوا في الشارع

 

 

  • ولكن القضاة في عهد الحسن الثاني لم يكونوا يحتجون، وبالمقابل القضاة في عهد الملك محمد السادس أصبحوا يحتجون، وينزلون إلى الشارع؟

 

  • أنا لا يمكنني أن أجيب على تصرفات جمعية مهنية أخرى (يقصد نادي القضاة)، بحكم واجب التحفظ والزمالة، وبحكم انتمائي لجمعية أخرى.

 

 

  • ولكن كنت الوحيد الذي قال في معرض انتقاده لاحتجاجات القضاة: “إن إعطاء السيارة أو الطائرة أو السفينة أو الدراجة لشخص لا يتقن فن القيادة، إما بنقص أو جهل أو اعتلاء أو صغر سن أو تباه أو مركب نقص أو لا مبالاة.. يؤدي دائما إلى انقلاب الوسيلة وإصابة الركاب بجروح متفاوتة الخطورة”.

 

  • هذا الأمر قلته كموقف للودادية الحسنية للقضاة، وقد كنت ناطقا رسميا باسم الودادية، الأسلوب أسلوبي في الكتابة، ولكن بجانبه كانت هناك صفتي كناطق رسمي باسم الودادية الحسنية للقضاة.. بالمناسبة أؤكد أن رابطة قضاة المغرب لا يمكن أن تنهج هذا السلوك، ولنا عدة أهداف، أولها: تنفيذ الخطب الملكية السامية الرامية إلى إصلاح القضاء.. نحن لنا دفتر تحملات سنحاسب عليه، ونحن مرتبطون بتوجيهات الملك محمد السادس.. ومن أهدافنا كذلك، تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير مع التقيد بمقتضيات واجب التحفظ، وعندما نقول واجبات التحفظ فإننا نتحفظ على ما يمكن أن يصدر عن بعض القضاة في إطار الدفاع عن مصالحهم.. يمكن أن ندافع عن استقلال القضاة ومسارهم المهني وفي حالة تعرضهم للظلم، لكن في إطار واجب التحفظ الذي يليق بالمكانة القضائية التي خصصها الملك محمد السادس والدستور لهم.

 

 

  • هناك من يقول بأن تأسيس “رابطة قضاة المغرب” كان مجرد رد فعل على ما وقع في انتخابات الودادية الحسنية للقضاة (انتهت بفوز العياسي على الرياحي)؟

 

  • هذا قول مردود لعدة أسباب، نحن مجموعة من القضاة الذين أسسوا الرابطة، فيهم قضاة ينتمون للودادية وقضاة آخرون كانوا ينتمون لنادي قضاة المغرب (3 أعضاء في المكتب المركزي كانوا مع نادي قضاة المغرب)، طبعا من جملة الأسباب، أننا نملك رؤية مختلفة عن الودادية الحسنية للقضاة، ولنا برنامج مختلفة أيضا.

 

  • من التصريحات التي نسبت لكم في الفترة الأخيرة، قولكم، بأن قضاة من المجلس الأعلى تدخلوا في انتخابات الودادية الحسنية للقضاة، ومارسوا الترهيب على المصوتين.. هل مازلت متشبثا برأيك؟

 

  • بصراحة، سبق لي أن أدليت بالعديدة من التصريحات في الحملة الانتخابية (خاصة برئاسة الودادية الحسنية للقضاة)، ولا يمكننا تكرار الماضي، الذي لم يؤدِ إلي نتيجة.. الإخوان المتضررون في المكتب المركزي ربما قدموا طعونا قضائية، لكن لا يمكننا أن نقول شيئا، حتى لا نؤثر في الحكم القضائي المرتقب صدوره، نحن نحترم الحكم القضائي الذي سيصدر كما نحترم الطعن الذي تقدم به المتضررون..

 

الجمعيات المهنية في أفق تأسيس فيدراليات للقضاة

         من بين الأمور التي أدت إلى تخلف السياسة في المغرب مثلا، التشتت والتفرق وعدم الاجتماع حول كلمة واحدة، ألا تخشى أن ينتقل نفس الأمر إلى القضاء؟

 

  • نحن لا يمكن أن نكون أكثر حكمة من مشرعي الدستور، بالعكس الجمعيات هي إطارات قانونية تجمع القضاة، علما أن نسبة 50 في المئة من القضاة لا ينتسبون إلى جمعيات، لأن المنخرطين سواء في الودادية أو في “النادي”، لا يتعدون 2400 قاض من مجموع 4200 قاض، باحتساب الأفواج الجديدة.. يعني أن حوالي 2000 قاض غير مؤطرين، والهدف من الجمع الجديد هو تأطير القضاة ولم شتاتهم، ما دام الدستور قد أعطى الحق للجمعيات المهنية، وربما ستكون هناك فيدراليات في المستقبل القريب تضم الجمعيات المهنية، والتي ستلتقي كلها في أهداف لا خلاف فيها، مثل تحسين مستوى أجور القضاة وتعويضاتهم، والدعوة إلى استقلال السلطة القضائية.

 

 

 

 تجربة إشراف القضاة على الانتخابات كانت ناجحة في مغرب التسعينيات

 

  • كيف تنظر إلى المطالبة بإشراف القضاة على الانتخابات التشريعية ضمانا لنزاهتها ونجاعتها؟

 

 

  • نحن كسلطة قضائية، وبالرغم من وجود بعض الانتقادات الموجهة لنا، إلا أن القضاة في مستوى كبير جدا من العطاء ومن الثقافة القانونية، ومن النزاهة الأدبية.. عمليا الطعون الانتخابية تقدم للسلطة القضائية، وهذا جاري به العمل في مختلف محاكم العالم.

 

  • المقصود هو الإشراف القضائي من خلال لجنة مشرفة على الانتخابات؟

 

  • سبق أن كانت هناك تجربة من هذا النوع في بداية التسعينيات، من خلال لجنة وطنية ولجان إقليمية، وهي تجربة ناجحة، بشهادة جميع الأحزاب التي نوهت بالقضاة وبالمجهود الذي قاموا به، ومازال الأرشيف يحتوي على محاضر هذه اللجنة التي أحدثت بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني..

 

  • هل نفهم من كلامك أنك ترتاح لإشراف القضاء على الانتخابات أكثر من أي جهة أخرى؟

 

 

  • طبعا، كتجربة قضائية كان لي شرف التعيين فيها، أقول بأن القضاة أهل للمراقبة، لأن روح العملية الانتخابية كان مبنيا على التوافق، آنذاك، بين الأحزاب السياسية والسلطات التنفيذية.. لإخراج عملية انتخابية نزيهة وشفافة، وقراراتهم لم تكن ملزمة، ولكن كان هناك إلزام معنوي..

 

  • ألا تعتقد أن هذا الأمر ينطوي على مفارقة غريبة، وهي أنك تتحدث عن فترة لم تكن فيها انتخابات نزيهة حسب المتتبعين، بالمقابل أنت تقول إن إشراف القضاة ضامن لنزاهة الانتخابات..

 

  • في الفترة التي كانت فيها اللجنة الوطنية واللجان المحلية، نحن القضاة لا يمكن أن ندلوا برأي سياسي وأنتم تعلمون ذلك، وكواجب تحفظ لا أستطيع أن أصرح برأي سياسي..

 

لو كانت هناك عقوبة أشد من الإعدام لطالبت بها في ملف “تابت”

 

  • اشتهرت بمرافعاتك في قضية شغلت الرأي العام وهي قضية “الحاج ثابت” التي انتهت بإعدامه، ألا ترى أن إعدامه كان قرارا متسرعا؟

 

 

  • هذه محاكمة تاريخية، ومحاكمة القرن كما كان يسميها الصحفيون، أنا لم أحكم في هذه القضية بل رافعت فيها، ومثلت فيها النيابة العامة آنذاك، وكاقتناع للنيابة العامة: قلت لو كانت هناك عقوبة أشد من الإعدام لطالبت بها النيابة العامة، وقد كنت مقتنعا جدا بذلك كقاض، وعندما صدر حكم الإعدام تم رفض العفو من طرف جلالة الملك الحسن الثاني.. وقد كان الجميع مقتنعا بذلك.. سأطرح عليكم سؤالا كصحفيين لو لم تعدم الدولة الحاج تابت كمجرم، لكان الضحايا هم الذين سيعدمونه، فقد بلغ عددهم 500 ضحية من بينهم قاصرات.. تصور معي ما هو إحساس أقرباء وأزواج وإخوان هؤلاء الضحايا.. إذن، الدولة قامت بواجبها آنذاك تجاه “آلة للإجرام”.. أتذكر أن الصحافة حكمت قبل المحكمة..

 

 

  • هناك من يقول بأن التعامل الصحفي مع قضية الحاج تابت هو الذي أجج الرأي العام ضده؟

 

 

  • (يضحك) واجب التحفظ يفرض علي عدم الإجابة على مثل هذا السؤال، لكني مازلت أتذكر أنني تعاملت مع مجموعة من الصحفيين من خلال ندوات صحفية وفي إطار المعلومة القضائية، لكي أعطي المعلومات الحقيقية لأننا كنا نسمع بعض المعلومات الخاطئة، التي كانت تنشرها بعض الجهات المغرضة..

 

  • هناك من يقول بأن الحسن الثاني، كان يتابع مجريات هذه القضية أول بأول؟

 

 

  • حقيقة كانت هناك كاميرات تسجل ما يجري في قاعة المحكمة بالدار البيضاء حيث كانت تجرى المحاكمة، وكنا نشعر بأنها محاكمة غير عادية.. والمحاكمة كانت علنية، وكان يحضرها المحامون.. واجب التحفظ يمنعني من الإدلاء بتصريحات في الموضوع..

 

الحاج تابت كما لم تشاهدوه من قبل "يقرأ القرآن الكريم". صورة خاصة بالأسبوع الصحفي.

الحاج تابت كما لم تشاهدوه من قبل “يقرأ القرآن الكريم”.
صورة خاصة بالأسبوع الصحفي.

 

 

 

error: Content is protected !!