في الأكشاك هذا الأسبوع
الاشكر لبن كيران: "الإخوان هم الذين أسسوا معكم حزب العدالة"

الحـقــيقة الضــــائعة | عندما سمع بن كيران اسم إدريس البصري وهرب

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

         بعد الاغتيال التاريخي، للقطب الاتحادي، عمر بنجلون، في باب بيته بالدار البيضاء، يوم 18 دجنبر 1975، وبعد اعتقال مجموعة من المتهمين بالمشاركة في اغتياله، بدأ الدكتور عبد الكريم الخطيب، أبحاثه لمعرفة الحقيقة، فشكل وفدا لزيارة المعتقلين في السجن، مكونا منه، ومن عبد الله الوكوتي وعضوية الوافد الجديد(…) على حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، الذي ما أن شاهد حدة النقاش بين الدكتور الخطيب ومدير السجن، الذي اتصل تلفونيا بوزير الداخلية إدريس البصري، وسمع الدكتور الخطيب يصيح في التلفون، وهو يكلم البصري قائلا له: “ماشي شغلك”، حتى لوى بن كيران وجهه وانسحب هاربا، كما حكاها رفيقه الحزبي، هندي، الذي قال: “هرب بن كيران عندما سخن الطرح مع الوزير القوي”.

الكاتب الذي كان متتبعا لهذه الظروف، رداد العقباني، كتب جملة مفيدة في تاريخ التعامل السياسي المغربي، تلخص النظرة المهيمنة على أقطاب حزب العدالة والتنمية، ولم يكن بن كيران، بعد، رئيسهم، مفادها: ((إن أبواب القصر الملكي، أكثر من أبواب جامعة القرويين، وسر دخولها لا يعلمه إلا الله)).

والذي يراجع تاريخ هذا الحزب ومكوناته قبل التأسيس، يكتشف عددا من الأجوبة على الكثير من الأسئلة.. المطروحة هذه الأيام(…)، والمطبوعة باستغراب سخيف، للتطور المخزني(…) للاختيار السياسي لهذا الحزب، الذي بعد ثلاث سنوات من الممارسة، أصبحت الإرهاصات السياسية ترشحه للاستمرار في كسب المزيد من أصوات المؤيدين.

وأول أخطاء المستغربين، للصعود الصاروخي لحزب العدالة والتنمية، تكمن في أن بن كيران هذا، ويحكي عنه الكثيرون، أنه طلب مرة اللجوء السياسي(…) عند حركة الدكتور الخطيب، “الحركة الشعبية الدستورية”، أمام الملأ، في مهرجان بمسرح محمد الخامس، لا ضعفا ولاشك، وإنما لأن الأجهزة، كانت تحارب حركته الأولى، “جماعة الإصلاح والتجديد”، لتتطور هذه الحركة في إطار الخوف، إلى اندماجها في حزب الدكتور الخطيب، خلال اجتماع في بيت هذا الأخير، حضره المنظر الأساسي لحزب الإخوان المسلمين المصري(…)، صالح أبو رقيق، وقيادي مصري آخر في حركة الإخوان، جَبْر سعد زغلول، وابن القيادي الإسلامي السوري، عمر بهاء الدين الأميري، الذين جلسوا بجانب عبد الإله بن كيران، وعبد الله بها، وعبد اللطيف السدراتي، ومحمد يتيم، لتأخذ القضية طابع استقطاب الإخوان المصريين، لجماعة بن كيران. رغم أن بن كيران لم يكن لا اختياريا ولا عقائديا متأثرا باختيار الإخوان المسلمين، وإنما كان في سنة 1972 مستغلا لليافطة الإسلامية المغربية، الشبيبة الإسلامية بجانب عبد الكريم مطيع، ليس في إطار تأسيس حزب إسلامي، وليس سرا، أن المتطرف الإسلامي مطيع، كان عضوا نشيطا في الاتحاد الاشتراكي، في إطار النقابة الوطنية للتعليم، وكان معهم أيضا تحت غطاء الشبيبة الإسلامية، المناضل الاتحادي محمد الساسي، ومعهم أيضا حتى الناشط عبد العزيز المسيوي الذي كان اتحاديا في نقابة التعليم قبل أن يصبح برلمانيا بارعا في فريق الاتحاد الدستوري، الذي أسسه الاتحادي، أيضا، المعطي بوعبيد.

وتشهد هذه المكونات البشرية، في عجين الشبيبة الإسلامية والنقابات الاتحادية، بأن الأمر لم يكن في الواقع، إلا محاولة لتوحيد قوات المعارضة واليسار، قبل أن يبرئهم المفكر الكبير المهدي المنجرة، من حكاية الاختيار الإسلامي(…) ويكتب: ((أولا.. كلمة إسلامي، هي اختراع حديث من لدن غير المسلمين، وهو تحريف تاريخي ولغوي مقصود، ففي اللغة العربية تعبير إسلامي لا وجود له لا في القرآن ولا في السنة، حيث لا نجد إلا المسلم، والمؤمن، ولا أثر لتعبير إسلامي لا في الأحاديث النبوية، ولا في الأدبيات القانونية الإسلامية)) (المهدي المنجرة. انتفاضات في زمن الديمقراطية).

ليبقى حزب العدالة والتنمية، حزبا كالأحزاب، فطن إلى حقيقته، ببعض المكر، “المعهد الدولي كارنيجي”، الذي سمى حزب العدالة المغربية ((إنه إذا كان يمثل شيطانا(…) بالنسبة إلى البعض، فهو على الأقل، شيطان معروف)).

غلط الاعتقاد بأن حزب العدالة والتنمية، هو حزب إسلامي صدر بالتأكيد عن الأجهزة الحكومية، التي كانت في نهاية عهد الحسن الثاني، وبتوجيه من أجهزة إدريس البصري، تستعمل الطابع الإسلامي، سواء عند الدكتور الخطيب، في حركته، أو عند بن كيران في حزبه، مجرد صبغة لتدريح الوسط السياسي المغربي من جهة، ولضرب العناصر المتطرفة بادعاءات الإرهاب من جهة أخرى. أما في عهد محمد السادس، وحتى قبل أحداث 20 فبراير، فإن النية كانت متجهة، وخاصة بعد هجمات الدار البيضاء، وتضلع الأجهزة الأمريكية في مكونات المخابرات المغربية أيام الكولونيل العنيكري، نحو تفكيك الكيان الإسلامي، وتشتيت شمله، حتى عقد المدبر السياسي لتلك الفترة، وزير الداخلية الحقيقي، فؤاد الهمة، اجتماعا مع شقيق الشهيد عمر بن جلون، أخيه المحامي أحمد بن جلون وزوجة عمر بن جلون، وبحضور أمين عام الاتحاد الاشتراكي اليازغي ليقترح عليهم طي صفحة الماضي(…) مقابل وعود مغرية طبعا، إلا أن القطب المعارض المهاجر، عبد الكريم مطيع، تدخل لدى عائلة بن جلون، لتمتنع عن تلبية رغبة المستشار الملكي.

ولقد كان بن كيران وحزبه لازالا بعيدين عن الحكم، عندما فرضت ثورات 20 فبراير على الدولة، أن تستنجد بحزب إسلامي، مع تعديل الدستور كحل جد ذكي، قيل إنه كان بوحي من الأجهزة الأمريكية، المهووسة بفكرة تسليم الحكم في الدول العربية إلى الإسلاميين، وتم تحضير الانتخابات التي كانت مفصلة على مقاس(…) حزب العدالة والتنمية، وكان الكبار عندنا يشكون في مقدرة هذا الحزب على تحمل المسؤولية، أو يخشون أن يكونوا شهودا على عملية تسليم الحكم لمجموعة يضمرون لهم العداء المجاني، ففكر الأذكياء منهم ((في عزل حزب العدالة لإضعافه قبل انتخابات 25 نونبر عبر إبرام صفقات بديلة مع زعامات إسلامية تاريخية، منها الشيوخ محمد الفيزازي، ومحمد المغراوي، وعبد الكريم مطيع، وحسن الخطاب والشيخ حمزة بن العباس، ومريده النافذ وزير الأوقاف أحمد التوفيق، وتبني مهادنة جماعة الشيخ يس، حليف حركة 20 فبراير، إضافة إلى تطبيع العلاقة مع حزبي مصطفى المعتصم ومحمد المرواني، وتشجيع حزب النهضة للخالدي)) (حزب العدالة. البداية والنهاية، رداد العقباني).

ليكون بن كيران سريع الفهم، واعيا بتناقضات هذا المخطط الاستخباراتي(…) وعارفا بدوافع صاحب الفكرة(…)، وعندما بدأت الاتصالات به، وربما الدعوة لتحضير حزبه، كان شرطه الأساسي، هو اقتراح “أن يعتكف صديق الملك فؤاد الهمة في أحد دواوير قلعته الرحمانية إلى ليلة الإعلان عن نتائج الانتخابات”.

لتتهم الأجهزة الفرنسية، المستشار الوزير، فؤاد الهمة بتزعمه للحركة المعارضة الحقيقية لتسلم الإسلاميين للحكم، في تقرير خطير، لا تعرف دوافعه ولا عواقبه(…): ((أعلن الهمة أن الملك محمد السادس، أسس مجلسا خاصا مهمته تحذير العلماء الذين يتعدون الخط الأحمر(…) الذي تحدده الدولة، وسنسير نحو منطق العين بالعين، لأنهم يدفعون بنا إلى ممارسة أسلوب أوفقير، بمعنى تصفيات الإسلاميين في صمت بوسائل مختلفة)) (تقرير لوزارة الدفاع الفرنسية في كتاب محمد السادس. لعلي عمار).

نصدق هذا التصريح، أولا نصدقه، المهم، أن عمدة فاس شباط سارع إلى دعمه بطريقة غير مباشرة، حينما صرح أمام مجلس استقلالي في 7 مارس 2011 بالمجلس البلدي: ((إن حركة 20 فبراير داخلة في إطار مخطط، بروطوكولات حكماء صهيون، وكل حركات شباب 20 فبراير الثورية، هي بوحي من القوات الأجنبية التي تكره قيمنا الأخلاقية)).

ليتضح أن مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة الأولى لبن كيران، لم تكن سليمة النية، ولتكون صادقة، تلك الأخبار التي تسربت عن عشاء في بيت أحد القادة النقابيين من الاتحاد المغربي للشغل، تم فيه الاتفاق(…) وربما تنفيذا لأوامر مخطط مجهول، بحتمية تمييع المواقع المقررة عند الأحزاب الوطنية، وخاصة حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.

هذان الحزبان ومن يسير في طريقهما، اللذين انطلقا من اليوم الأول، تجاه الملكية، بمواقف لخصها المطلع المتتبع المرحوم الدكتور عبد الكريم الخطيب، بكشفه: ((أن المفاوضين الحزبيين فجر استقلال المغرب كانوا يفكرون في تكوين نوع من الحكم، لا يرضي محمد الخامس ويقولون: إنه لو اطلع الملك على ما اتفقنا عليه، لانسحب من تلقاء نفسه وترك العرش)) (مذكرات مسار حياة. عبد الكريم الخطيب).

وهو استنتاج كان هو أيضا، قيمة مضافة، في رصيد حكومة بن كيران، التي لم يكن لها سابق حساب مع القصر الملكي ولا مع النظام، وهو ما فسره عبد الإله بن كيران ولخصه بتصريح حافل بالمعاني: ((تجربة فريدة شاركنا في صناعتها، ولم نقايضها بمنصب وزير أو سفير، لكن حصلنا على المنصب رغم اتهامات ظالمة بناء على معايير الكفاءة لا غير، وكان توشيح الملك محمد السادس لنا على نفس المعايير دون تدخل أية جهة(…) بل حاولت جهة(…) لا مجال لذكرها، عرقلة مسارنا، بحجة عطفنا(…) على الإسلاميين لكنها فشلت، لأن أبواب القصر الملكي كثيرة، نسأل الله أن تبقى مفتوحة لسماع الأذان)).

error: Content is protected !!