في الأكشاك هذا الأسبوع
أوفقير

حين قال أوفقير: “كون كانو رجال في المغرب كون قتلوني شحال هذي”

      في هاته السلسلة “حتى لا ننسى” سنحاول سرد عدد من الذكريات التي رافقت فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني الذي استطاع أن يحكم المملكة بيد من حديد طيلة عقود ، كما سنسلط الضوء على أبرز غضبات الحسن الثاني و أشهر الطرائف و المواقف و الأحداث التي عاشها المغاربة في فترة حكمه و كذا بعض الأحداث التي شهدتها الحقبة لأبرز الشخصيات التي عاصرت الراحل الحسن الثاني.

في العدد الحادي عشر من سلسلة “حتى لا ننسى” سنتطرق للقولة الشهيرة للجنرال الدموي في ذاك الزمن أوفقير حين قال “كون كانو رجال في المغرب كون قتلوني شحال هذا” لكن قبل ذلك فلنعد قليلا لقصة هذا الرجل المليئة بالأحداث حسب ما جاء في الكتب و المؤلفات التي تحدثت عنه.

بعد عودة محمد الخامس من المنفى ، تسابق الآلاف من المغاربة إلى مطار الرباط سلا في السادس عشر من نوفمبر 1955 لاستقباله، تعالت الأصوات وتدفقت الجموع لرؤية الملك المحبوب وتكلف الشهيد المهدي بنبركة بتجنيد آلاف الشباب من حزب الاستقلال باعتباره الأمين العام التنفيذي للحزب وخصص كل طاقاته من أجل فرض النظام وحماية الملك العائد لوطنه و أحضان شعبه الوفي.

وبعد أن صعد الملك محمد الخامس إلى سيارة “دولاهاي” السوداء تبعه رجل يرتدي ملابس حمراء من السروال وصولا إلى الشاشية ليجلس في المقعد الأول إلى جانب السائق، من خلال بدلته اعتقد الكل أنه أحد ضباط الحرس السلطاني، لكن كل الأعضاء المتحلقين حول المغفور له محمد الخامس لم ينخدعوا إذ أن ملامحه ونظراته وحركاته كشفت أن الأمر يتعلق بأوفقير مساعد المقيم العام الذي نجح في التسلل إلى سيارة الملك محمد الخامس أمام وجود شباب النضال الذين كان يقودهم المهدي بنبركة، هذا الأخير كان يعتبر أوفقير صنيعة الجيش الفرنسي وأن فرنسا انسحبت بشروط و أوفقير هو خط الاتصال بين الماضي “الاستعمار” والمستقبل وهم عربون الاستمرار بين مغرب الزمن الفرنسي ومغرب المغاربة.

لقد تحدث الملك الحسن الثاني في ذاكرة ملك عن هذه المسألة: (… إن أوفقير فرض علينا، فهو لم يكن الضابط المغربي الوحيد الذي عمل في صفوف القوات المسلحة الفرنسية، وعند عودتنا من المنفى إلى المغرب في 16 نوفمبر 1955 وجدنا أن أوفقير كان تابعا آنذاك للإقامة العامة في انتظارنا لدى نزولنا من الطائرة حيث تقدم للسلام علينا ثم أخذ مكانه بجانب سائق السيارة كأحد الضباط المرافقين لنا، وغداة ذلك وجدناه في صفوف الحرس الملكي… وهكذا دواليك… وبالنسبة لي فأنا ورثته فقط عن والدي ولم تكن تربطني به علاقة شخصية ، في حين كنت أفضل ضباطا آخرين كانوا أصدقائي… غير أنني أعتقد أن ظهوره إلى جانبا هكذا لم يكن بمحض الصدفة…).

وبعد تشكيل القوات المسلحة الملكية في 14 ماي 1956، سيكون أوفقير واحدا من أبرز رموز السقف القيادي لهذا الجيش، و سيشطب عليه من صفوف الجيش الفرنسي اعتبارا من 28 فبراير 1957، حيث سيصرف له تعويض مالي إجمالي بحوالي نصف  مليون فرنك فرنسي.

ظل محمد أوفقير يتسلق هرم السلطة السياسية في المغرب على نهج أجداده “الخونة” كما كان ينعته شباب النضال أنذاك مستفيدا من الدعم الخاص والكبير المقدم له من لدن المخابرات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية والإيرانية.

لم يكن الجنرال أوفقير رجلا عاديا ، فالرجل القوي و المرعب في فترة حكم الحسن الثاني كان يستمد قوته من علاقته بالقصر الملكي و قربه الشديد من الملك الراحل ،  وجه الخيانة الأول وأب القوات المسلحة المغربية وجهاز الأمن وعراب الجلادين بالمغرب، حامل كل أخطاء النظام السياسي المغربي، علما أن من جاؤوا بعده قاموا بنفس الوظيفة مع تغييرات طفيفة جدا، هكذا كان شأن الجنرال أحمد الدليمي وإدريس البصري في العهد الحسني.

و من بين أبرز المقولات التي شكلت مادة دسمة للمؤلفات في عهده حين قال إبان اجتماع في بيته مع ضباط من الجيش: “إن المخزن يرى البلد بقرة حلوبا يراد منا أن نمسكها من قرونها بقوة حتى تتمكن طفيليات الداخل والخارج من حلبها في أمن وأمان“.

و يحكى أنه في أحد الأيام سنة 1972، عندما كان أوفقير خارجا من بيته الكائن بالسويسي على متن سيارته، تبعته زوجته فاطمة تجري لتقول له إنه نسي أخذ مسدسه معه، فأجابها فورا: “لا تخافي.. لو كان هناك رجال في المغرب لقُتلت منذ مدة طويلة”.

هي واحدة من عشرات بل مئات الأقاويل التي نسبت للرجل و التي ظلت عالقة في الأذهان ، أوفقير صاحب النظارات السوداء كان بحق واحدا من الشخصيات التي أثارت الكثير من الجدل و أسالت الكثير من المداد.

 

ياسين الضميري (هبة بريس)

error: Content is protected !!