في الأكشاك هذا الأسبوع
صورة من الماضي القريب جدا: شباب حركة 20 فبراير كانوا يطالبون بالتغيير لكنهم لم يصلوا إلى البرلمان

الخديعة الكبرى.. وجود البرلمانيين الشباب داخل مجلس النواب غير دستوري

الرباط ـ سعيد الريحاني

كان الشاب المنسي “أسامة الخليفي”، وهو واحد من “زعماء” حركة 20 فبراير، على موعد ذات مساء، سنة 2011، قبيل الانتخابات التشريعية، مع أحد أعضاء المكتب الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، وكان الغرض من اللقاء هو إقناع أسامة بالترشح للبرلمان في إطار اللائحة الوطنية للشباب ضمن حزب التجمع الوطني للأحرار، لكن الشاب الخليفي الذي كان منتشيا بلقاءاته مع كبار رجال الدولة، الذين عقدوا معه بعض اللقاءات تلك الأيام(..)، لم يقبل العرض، وقال لمحاوره: “لا يمكنني أن أخون دماء الشهداء”، وقتها كان الخليفي يعتقد أنه ملك الشارع، وأن مجرد ظهوره على “اليوتوب” من جديد قد يقلب الموازين(..).

دار الزمان دورته، وفقدت حركة 20 فبراير بريقها، وبدل أن يلتحق الخليفي بالبرلمان، وجد نفسه في السجن(..)، بعد ضبطه متلبسا في قضية شذوذ جنسي، ورغم أنه كان قد التحق بحزب يدافع عن “الشواذ” و”الحريات الفردية”(..)، إلا أنه لم يجد من يتبنى قضيته، وهو الآن يحصي عدد النجوم، في سجن الرماني، بمنطقة زعير..

غير بعيد عن المكان الذي التقى فيه أسامة، والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، بالرباط، كان بعض الشباب قد عقدوا لقاء صحفيا سيكون له ما بعده في شهر شتنبر 2010، أي قبل ظهور حركة 20 فبراير، من هم هؤلاء الشباب؟ وماذا يريدون؟ يجيب أحد الأشخاص الذي كان حاضرا في الفندق الفاخر ذلك المساء: “معظمهم شباب تبدو عليهم أثار النعمة.. كانوا يطالبون بما يسمونه حقهم في التواجد داخل البرلمان، من خلال كوطا خاصة”.

تم تغليف هذا المطلب بمبادرة أطلق عليها اسم مبادرة “شباب 2012″، لتكتب الصحافة الصادرة وقتها إنها: “تعد بالنسبة لحامليها مسألة وجودية، حيث أكد ياسين الإخشيدي عضو رابطة الشباب الديمقراطي: أن الأمر يتعلق بإعادة السياسة إلى الشباب، وإعادة الشباب إلى السياسة، وذلك عبر منح فرص أكبر لهذه الفئة في مجال الممارسة الحزبية بضمان تواجدهم في الهيئات التقريرية للأحزاب السياسية، ودعمهم من خلال منحهم التزكية لخوض غمار الانتخابات التشريعية، وأضاف بأن كل خطابات التخليق والعقلنة حول إصلاح وتأهيل الحقل الحزبي والسياسي المغربي سوف تبقى دون قيمة إذا لم تضع في حساباتها الدفاع عن تمثيلية الشباب في المؤسسات المنتخبة”.
كلام يبدو معقولا، لكن من تكون “رابطة الشباب الديمقراطي”؟ وقتها كانوا يقولون إنها تمثل ذراعا جمعويا لحركة “لكل الديمقراطيين”، بينما يقول البعض الآخر إنها تمثل شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة.. لا هذا ولا ذاك، فـ”رابطة الشباب الديمقراطي” جمعية فرنسية يرجح أنها تملك وصل إيداع في فرنسا وليس في المغرب، زد على ذلك فرئيسها المهدي بنسعيد حامل للجنسية الفرنسية، وهو بخلاف الشباب الآخرين، وقد كان حاضرا في اللقاء، معروف بتحركاته على الصعيد الدولي وهو واحد من الشباب الذين تم استقبالهم على مستوى عال في أمريكا(..).

وقد كان “المهدي” غير المنتظر(..)، قد تلقى في وقت سابق على ذلك اللقاء، دعوة من المؤتمر الوطني للشباب الديمقراطي الأمريكي، للمشاركة في اللقاء الذي انعقد من يوم 16 إلى 18 يوليوز الجاري بواشنطن، ليقول بنسعيد للصحافة إنه كان يدافع عن قضية الصحراء(..)، علما أن وفد “رابطة الشباب الديمقراطيين المغاربة” هو الوحيد من القارة الإفريقية الذي تمت دعوته لحضور هذا المؤتمر، حسب ما أكده رئيس لجنة الشؤون الدولية للشباب الديمقراطي الأمريكي “تيون نيانغ”، (المصدر: موقع مجلس الجالية المغربية بالخارج، الجمعة 16 يوليوز 2010).

الوفد كان يتكون علاوة على المهدي بنسعيد من: رضا بشير النائب الأول للرئيس، وأيمن العلج النائب الثاني للرئيس، والمهدي بلحاج عضو المكتب الوطني، وسلمى طلحة جبريل مسؤولة بمكتب واشنطن لرابطة الشباب الديمقراطيين المغاربة، نفس المصدر)، وهم شباب ناشطون جدا داخل المغرب وخارجه، معظمهم لهم تكوين جامعي عال، لكن لا أحد يعلم لحد الآن، سر تحركاتهم(..).

مطلب الكوطا للشباب إذن هو أحد مطالب “رابطة الشباب الديمقراطيين” التي تم تأسيسها في فرنسا، لكن ما علاقة ذلك بالأحزاب المغربية؟ الجواب بسيط، في غفلة من الجميع، انتقل المطلب من “مطلب جمعوي” تتزعمه جمعية إلى مطلب سياسي تتزعمه “الشبيبات الحزبية”، وقتها كتبت الصحف: “إن منظمات شبابية حزبية دعت إلى تخصيص حصة للشباب على اللوائح الانتخابية في الاقتراع التشريعي المبكر الذي سيجرى في 25 نونبر للمساهمة في تجديد الطبقة السياسية في المغرب.. وأطلقت هذه الدعوة 14 مجموعة شبابية تنتمي إلى أحزاب سياسية في الأغلبية أو المعارضة، في اجتماع عقد في الرباط.. وقالت وثيقة سلمت إلى الصحافيين باسم حركة الشباب المغربي من أجل تمثيل سياسي الآن، إن تجديد النخب يشكل أحد أسس العملية الديموقراطية”، (المصدر: وكالات).

وقتها توارى المهدي بنسعيد على الخلف وظهرت بالمقابل بعض الوجوه الحزبية، مثل عبد القادر الكيحل الكاتب العام للشبيبة الاستقلالية، وعزيز الدرمومي الكاتب الوطني للشبيبة الحركية، وبينما كان الكيحل يقول: “نريد لائحة لتسعين مقعدا لا تضم سوى الشباب من نساء ورجال”، كان الدرمومي يقول: “إن المبادرة سنحملها وندافع عنها كفاعلين سياسيين شباب، وسيتم فتح نقاش وطني موسع حولها يمتد إلى مختلف أقاليم المملكة عبر إشراك مختلف الهيئات السياسية والفاعلين داخل المجتمع المدني من أجل إيجاد الصيغة الناجعة لإنجاح المبادرة”.

أكثر من ذلك، سيخيل للشباب ولعموم المواطنين أن أصحاب المبادرة، إنما يقومون بتنزيل الخطاب الملكي لـ20 غشت 2011، ألم يعبر الملك محمد السادس عن أمله في إشراك “الطاقات الشابة” في الانتخابات التشريعية المقبلة “لضخ دماء جديدة” في الحياة السياسية، ألم يقل إنه “يجدر بالأحزاب السياسية أن تفسح المجال للطاقات الشابة والنسوية بما يفرز نخبا مؤهلة كفيلة بضخ دماء جديدة في الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية.. ألم يقل إن “شباب المغرب الواعي والمسؤول يوجد اليوم في صلب مشروع التحديث الدستوري والسياسي(…) لتعزيز انخراطه في مختلف الإصلاحات الديموقراطية والأوراش التنموية..”.

هكذا تحدث الملك، لكن الذين فسروا الخطاب، ومنهم المشرعون، فسروه بأنه دعوة لاعتماد مبدإ الكوطا، والحال أن التفسير العملي لإشراك الشباب هو ترشيحهم من خلال لوائح شعبية، وتقديم المساعدة لهم حتى يكونوا ممثلين للشعب، وليسوا ممثلين للريع السياسي.

نأخذ كمثال عبد القادر الكيحل البرلماني عن حزب الاستقلال، هذا الأخير وصل إلى البرلمان عن طريق مناورة محبوكة وإلا لما كان له ذلك، فهو واحد من أبناء مدينة سلا، وكان حريا به الترشح في سلا ومنازلة العدالة والتنمية (عبد الإله بن كيران/ جامع المعتصم)، لكنه اختار الترشح في اللائحة الوطنية للحزب باسم دائرة بني ملال، وبما أنه هو صاحب المبادرة بصفته كاتبا عاما للشبيبة فقد لعب دورا كبيرا في نجاح زميله في الحزب، عادل بنحمزة، ليضمن هو الآخر مقعدا برلمانيا باسم دائرة فاس، والحال أنه ينتمي للخميسات، (المصدر: أحد أعضاء الشبيبة الاستقلالية، كان حاضرا في كواليس اختيار أعضاء اللائحة الوطنية).

لا يمثل أي واحد من الشباب الذين يوجدون في البرلمان بصيغته الحالية أي صدى لحركة 20 فبراير، وهذا أمر طبيعي، طالما أنهم نجحوا بطرق خاصة ولم يتم الاحتكام للشعب(..)، هل يتعلق الأمر بريع سياسي؟ الجواب على لسان الكاتب محمد العبيدي: “.. في حديثنا عما بات يعرف تحت مسمى البرلمانيين الشباب في المغرب، لابد أن نقر بالحقيقة المرة التي تختفي وراءها جبال الجليد اللعينة، إنه ما من شباب ضمن هؤلاء حصد هذا اللقب عن جدارة واستحقاق، بعيدا عن الولاءات ودرجة القرب إلى قيادة، ومنهم من يوجد رفقة ذويهم داخل قبة البرلمان (حزب الاتحاد الدستوري المغربي)، وكأن هذا الوطن الممتد من مضيق جبل طارق إلى صحاري بير كندوز (منطقة على الحدود الجنوبية للمغرب مع موريطانيا)، لا يتوفر على من هم أهل لدخول البرلمان، على أية حال إن وجد بعض الشباب الذين أفرزت أسماؤهم داخل اللوائح الوطنية لأحزابهم بطرق ديمقراطية، تتجسد في تجربة واحدة، يعرف الجميع من هم أصحابها، ولأنها واحدة، فلا يقاس عليها ولا تمتل معيارا، لأن المعايير السائدة هي معايير الانتقاء العشوائي وفقا لرغبات القيادة وللاعتبارات الحسب والنسب”.

الكاتب نفسه يضيف: “إن ما يشكل وسمة عار على جبين هؤلاء البرلمانيين الشباب، هو أنهم تكريس لمفهوم الريع السياسي، الذي يسيء إلى سمعة شباب اليوم، ممن يتشبعون بقيم الديمقراطية والنزاهة والشفافية، الشباب الذي دفع بإخراج دستور جديد”، وطالب بالقطع مع كل الممارسات الريعية.. كما لا تفوتنا الإشارة إلى عامل السن الذي تم تجاهله خلال اختيار أو انتخاب هؤلاء الشباب على رأس اللوائح الوطنية لأحزابهم، فمعظم الشباب البرلمانيين قد تجاوزوا عتبة الخمسة وثلاثين التي نص عليها قانون اللائحة الوطنية، وإن حاولنا جاهدين إقناع أو تقبل حقيقة هذا الواقع المرير الذي تعرفه هذه اللوائح، فلابد أن نطرح سؤال بسيطا، ما هي إنجازات هؤلاء البرلمانيين على أرض الواقع؟..

قد تكون هناك بعض الاستثناءات في لائحة البرلمانيين الشباب، وهي بالمناسبة لائحة ذكورية بامتياز، وكأن الشباب هم الذكور فقط(..)، لكن الواقع يؤكد ارتباطهم بالفضائح أكثر من ارتباطهم بالعمل التشريعي، لنأخذ كمثال البرلمانية أمينة ماء العينين: “فرغم أنها أصبحت من أشهر البرلمانيين والبرلمانيات إلا أن شهرتها ارتبطت بالفضائح أكثر ما ارتبطت بخدمة مصالح المواطنين والمواطنات.. فهذه البرلمانية والقيادية بنقابة الاتحاد الوطني للشغل الذراع النقابي لحزب العدالة والتنمية، خلقت الحدث بعدما سطع نجمها تحت قبة البرلمان، بعد فضيحة قرصنة حسابها الإلكتروني من طرف زوجها أحمد اكتيف، رجل التعليم، الذي تدخلت له لإلحاقه من إحدى المؤسسات التعليمية بتيزنيت للعمل بديوان الوزير الحبيب الشوباني، قبل أن يعينه هذا الأخير رئيسا لقسم المجتمع المدني بالوزارة.. ماء العينين معروفة بكونها تلهث وراء الشهرة ولها تدوينات مثيرة في “الفيس بوك”، كما هو الشأن عندما قالت إنها تحب أكل الشوباني لأنه لذيذ”، (جريدة الأخبار، عدد: 10 نونبر 2014).

ياسين أحجام، الممثل والبرلماني الشاب، الذي قاده الحظ للترشح باسم حزب العدالة والتنمية، من أكثر البرلمانيين غيابا عن الجلسات البرلمانية، لا يظهر إلا نادرا وكلما حضر ينشغل أغلب الوقت بأخذ الصور التذكارية مع موظفي وزوار مجلس النواب.. ياسين الراضي برلماني شاب ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، أبوه متهم بنهب المئات من الهكتارات من الأراضي السلالية.. هذه فقط نماذج لهؤلاء الشباب (جريدة الأخبار، عدد: 10 نونبر 2014).

يمكن القول إن وجود الشباب داخل البرلمان، تجسيد لرغبة ملكية، لكن أكبر ضربة تلقتها الطقوس الملكية كانت على يد البرلماني الشاب عادل تشيكيطو عن حزب الاستقلال عندما أعلن مقاطعته لحفل الولاء، لتكتب جريدة “القدس العربي” أن: “.. الاهتمام الذي حظي به موقف عادل تشيكيطو كونه أول برلماني في تاريخ المغرب المستقل يعلن رفضه الحضور لحفل الولاء والركوع للملك، وكتب على صفحته التواصلية بـ”الفيس بوك”: “قررت صباح يوم العيد قرارا نهائيا وأقدمت على اتخاذه لما حان الموعد… فلامني البعض لأنني لم أرتد الجلباب والسلهام والطربوش المخزني الأحمر، وأضع رأسي بين الرؤوس الراكعة خمس مرات… فكان جوابي إنما الركوع والسجود لله تعالى…”.

أن يعبر تشيكيطو عن رأيه من حقه، لكن أي انتهازية هاته، فالذي يرفض حضور حفل الولاء، بدعوى رفضه ارتداء السلهام والطربوش، عليه أن يرفض حضور حفل افتتاح البرلمان لأن الطقوس تفرض ارتداء السلهام والطربوش المغربي، أثناء استقبال الملك؟ ومن تم فالمنطق يقتضي تقديم الاستقالة من البرلمان والتنازل عن الأجرة الشهرية، إذا كان الأمر يتعلق بموقف نضالي.. علما أن عادل واحد من البرلمانيين المدعومين من طرف إحدى المنظمات الدولية، المتهمة بالضلوع في أحداث الربيع العربي(..)، والتي وفرت له التمويل لفتح مكتب للتواصل مع المواطنين.

أما من حيث المضمون الدستوري، فوجود الشباب في إطار الكوطا داخل البرلمان يقتضي التساؤل، عن السند الذي استند عليه المشرع ليعطيهم هذا الحق، لكن المفاجأة كبيرة، فوجود هؤلاء الشباب داخل البرلمان ليس له سند دستوري، وحتى إن وجدت بعض القوانين المنظمة للعملية، فإن ذلك لا يعني سوى فضيحة دستورية، لأنه لا يمكن الاجتهاد في غياب نص دستوري، ومن تم يتعين على المحكمة الدستورية الفصل في هذا الإشكال في القريب العاجل(..).

يمكن القول إن هناك عدة إشكالات دستورية سبق أن طرحت لكنها لم تحسم، يكفي أن نقرأ في هذا الصدد ما نبه إليه البعض: “إن مخاطر هذا النوع من التشريعات الذي يسير نحو لائحة وطنية كانت بالأمس مخصصة للنساء وأصبحت اليوم للشباب والنساء وقد تضاف فيها غدا أي فئة تحتج في المجتمع مثل أعوان وموظفي الجماعات المحلية أو موظفي كتابة الضبط أو رجال التعليم …، يبين أن منتجي القوانين لا يقيسون الكلفة والمخاطر في وضع النصوص.. أكثر من ذلك أن مشاتل الأحزاب تحتضن نخبا ذات عقلية بسيطة لها سوء تقدير للغليان الاجتماعي الذي يعيشه المغربي، وسوف تدفع بقوة بزوجاتها وأبنائها وبناتها إلى البرلمان من خارج قواعد التداول ومعايير الترشيح”، عندما كتبت هذه الفقرة كان ذلك مجرد توقع لكنه اليوم صار حقيقة، فهل ستتدخل المحكمة الدستور لتصحيح الخديعة؟(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!