في الأكشاك هذا الأسبوع
اليوسفي وولعلو في مراسم تشييع جنازة الراحل أحمد بنجلون

بين أحمد وعمر.. المواعيد المأساوية لأحمد بنجلون مع شهر فبراير

الرباط – سعيد الريحاني

      سواء تعلق الأمر بمحيط مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الرباط، أو بحي المحيط في الرباط غير بعيد عن مقبرة الشهداء، أو بحي التقدم أو بـ”دوار الحاجة”.. فإن الشباب الذين بدأوا يتقاطرون منذ الساعات الأولى للصباح، على أشهر أحياء الرباط وأقدمها كانوا حريصين على تلحف أعلام 20 فبراير، في ما حجز البعض الآخر مقاعدهم في مقاهي شعبية من أجل شرب القهوة السوداء، في انتظار انطلاق مراسم تشييع جنازة أحمد بنجلون.

——————

      الشباب والشبابات ومعظمهم تبدو عليهم علامات “التحرر” من الشكليات، كانوا قد ضربوا موعدا من أجل الالتحاق بحي النهضة حيث يوجد منزل الراحل أحمد بنجلون، الكاتب الوطني السابق لحزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي، حيث كان من المفترض تشييع جنازة الراحل بعد ظهر يوم الثلاثاء، بعد أن وافته المنية قبلها بيوم واحد يوم الإثنين 2 فبراير بالمستشفى العسكري بالرباط، بعد مرض لم ينفع معه علاج، حسب ما أكدته المواقع الإخبارية.

والحقيقة أن صحة “السي أحمد” كما يناديه رفقاؤه، لم تكن على ما يرام منذ اليوم الذي تعمقت فيه جراحه التي انضافت إلى جراح سنوات الرصاص(..) عندما تعرض لكسور بليغة في كتفه وفي باقي أنحاء جسمه، بعد سقوطه من إحدى عربات القطار، عندما كان يهم بالنزول في محطة الرباط المدينة قادما من مدينة الدار البيضاء، لتقول الصحافة وقتها إن عمر بنجلون قد تم نقله إلى المستشفى العسكري، إثر تردي حالته الصحية بعدما قضى أسبوعا كاملا بإحدى المصحات.. لحسن الحظ، أن القطار الذي وضع حدا لحياة وزير الدولة عبد الله باها لم يكن ليضع حدا لحياة أحد أشهر مناضلي اليسار المغربي.

في شهر فبراير 2008 تعرض أحمد بنجلون لحادثة قطار، وكاد يلقى نفس مصير وزير الدولة عبد الله باها الذي “ضربه القطار”، وفي شهر فبراير 2015 انتقل إلى جوار ربه، وكأن القدر كان يصر على ربط حياة أحمد بنجلون في شهر فبراير، بمواعيد مأساوية، فقد كان الناشطون في حزب الطليعة من أبرز الوجوه التي ساندت حراك الشارع سنة 2011 تحت يافطة “حركة 20 فبراير”، لأجل ذلك لم يكن غريبا أن يرفع بعض الحاضرين في جنازته شعارات حركة 20 فبراير، ولم يكن غريبا ذلك الحضور المثير لصور “تشي غيفارا”..

أحمد بنجلون واحد من الذين كانوا يحلمون دائما بالتغيير، وأحد أبرز الوجوه اليسارية التي بصمت تاريخ الحركة اليسارية في المغرب، شأنه شأن أخيه عمر بنجلون الذي تم اغتياله في يناير ، على أيدي عناصر مرتبطة بالشبيبة الإسلامية، في نفس السنة التي أصبح فيها عضوا في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، في نسخته “الثورية”.

أحمد ليس هو عمر، ولكن الاثنين ينتميان لنفس العائلة اليسارية، غير أن للتاريخ دروسه، فعمر بنجلون مات مغضوبا عليه من طرف نظام الحسن الثاني(..)، بالمقابل دار الزمان دورته، ليحتل أحمد مكانة خاصة عند الملك محمد السادس تؤكدها برقية التعزية التي بعثها إلى عائلته، “.. هذا المناضل الملتزم، الذي نذر حياته للدفاع عن القضايا العادلة للوطن والمواطنين، بما هو معهود فيه من ثبات على المبادئ، ومن خصال إنسانية وفكرية ومهنية عالية..” هكذا تحدث الملك محمد السادس من خلال برقية عزاء قبل أن يضيف: “نسأل الله تعالى أن يتغمد الراحل بواسع رحمته ومغفرته، ويتقبله في عداد الصالحين من عباده، ويسكنه فسيح جنانه، جزاء على ما قدم بين يديه، من أعمال مبرورة، في خدمة وطنه، وأن يعوضكم عن فقدانه جميل الصبر وحسن العزاء، والرضى بقضاء الله”.

بين الأمس واليوم، الملكية تحيط أحمد بنجلون بعنايتها بينما رفض الملك الراحل الحسن الثاني تنظيم جنازة رسمية لعمر بنجلون، أكدتها شهادة الاتحادي عبد اللطيف جبرو الذي قال: إن الحسن الثاني رفض تنظيم جنازة رسمية لعمر كان قد اقترحها عامل الدار البيضاء، شتان بين الأمس واليوم، حيث تميزت جنازة الراحل أحمد بنجلون بحضور مستشار ملكي هو عبد اللطيف المنوني باعتباره واحدا من رفقاء الراحل داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وداخل الاتحاد الاشتراكي..

تاريخ عمر هو تاريخ نضالي انتهى بمأساة، مازال الاتحاديون، وعمر واحد منهم يتحدثون عنها بمرارة كبيرة، في الصدد يمكن أن نقرأ ما كتبه عبد الرزاق السنوسي معنى: “يوم 18 دجنبر 1975، وعلى الساعة الثالثة وعشر دقيقة بعد الزوال، امتدت أيادي الإجرام والظلام ونفذت الجريمة الشنعاء، باغتيال الشهيد عمر بنجلون أمام باب سيارته الواقفة بباب منزله، حيث فاجأته الأيادي الآثمة بضربة قوية بقضيب حديدي، تلتها طعنة في الصدر ثم طعنة في الظهر. كان اغتيال عمر بن جلون عملا إرهابيا خططت له عدة أجهزة، ونفذه تلاميذ الظلام ومحترفو العماء الإيدلوجي، ينتمون لحركة الشبيبة الإسلامية المغربية، التي كان ينتمي إليها بعض قادة العدالة والتنمية.. كان اغتيال بنجلون يستهدف قتل الفكر الاتحادي وإطفاء الشعلة النضالية التي فجرها الوضوح الفكري والسياسي كما رسمه عمر ورفاقه في الحزب، وكان قرار القتل جاهزا، وفي كل مرة كان الإخراج يتغير. ولما لم يفلح الإعدام القضائي والطرد الملغوم، جاء الإعدام بيد الإرهاب الفكري المتلبس بالدوغمائية العقائدية”، (نشر في الاتحاد الاشتراكي، يوم 17/ 12/ 2011).

هذه الشهادة مثل غيرها تمثل تأصيلا تاريخيا للعداوة الثابتة بين أنصار حزب العدالة وأنصار عمر بنجلون التي راح ضحية جريمة لم تكشف ألغازها بعد رغم أن أحد المنفذين واسمه مصطفى خزار قال في تصريحات صحفية: “لم أكن أخطط لقتل عمر بنجلون”، حيث حاول أن يعطي طابع الصدفة للجريمة وهو يقول: “انتظرنا بنجلون أمام منزله قبل غروب الشمس، وما هي إلا لحظات حتى وصل بسيارته التي كان يقودها بنفسه، وقبل أن نتحاور معه سألنا عن هويتنا وعن أفكارنا، وحين بدأنا ننتقد أفكاره أبدى شيئا من الغضب فاحتدم النقاش، وقال لنا: “منن أنتما حتى تتكلما باسم الدين؟ “فتشابكنا بالأيدي، وسط المارة، فالمكان كان يعج بالناس بل لقد كان هناك شرطي مرور غير بعيد عنا. وهنا أقول لو كان الأمر منظما لما قمنا بالعملية في مكان عام بالقرب من محطة وقود وأمام الناس.. وهي حجة تؤكد صدقية أن الأمر غير منظم، وأن ما وقع لعمر بنجلون في ذلك اليوم كان مجرد صدفة… لم يكن معنا سلاح، لكن حين احتدم النقاش وتحول إلى مشاجرة رأيت أن هناك مفك براغي بالقرب من مقعد السائق في سيارته، أخذته في حالة من الانفعال بعد أن استفزني فوجهت له طعنة قاتلة بينما كان يتعارك بالأيدي مع سعد”، (مجلة أوال، دجنبر 2011).

كان عمر بنجلون يردد: “النضال مسألة أخلاق وكل من انحطت أخلاقه واستسلم للملذات فلا يحق له أن يكون مناضلا”، وعلى نفس المنوال قال أحمد في المؤتمر الوطني السابع لحزبه، وهو المؤتمر الذي لم يحضره بسبب تدهور حالته الصحية: “لابد من مواصلة النضال لتحقيق الأهداف النبيلة، والمطامح المشروعة من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية وبناء مجتمع حر من كل أنواع الاستبداد..”.

يمكن القول إن كلا من عمر وأحمد، الشقيقين، شربا من نفس كأس المأساة النضالية، لذلك لا غرابة أن يكون تاريخ “السي أحمد” تاريخا من الاعتقالات، تحدث عنها طارق السباعي رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، مؤكد أن أحمد بنجلون: “عانى ما لم يعانيه غيره من الذين يدعون الانتماء، فقد كان شوكة في حلق المخزن فأول لقاء له مع الاعتقال التعسفي يرجع إلى سنة 1962 بمناسبة أول دستور ممنوح، وسيختطف من مدريد بإسبانيا بتاريخ 29 يناير 1970، ويسلم إلى السلطات المغربية بتاريخ 15 فبراير و1970، وسيحتجز لمدة تسعة أشهر بدار المقري ثم نقل إلى السجن العسكري بالقنيطرة بعد المرور بالعديد من المراكز السرية، حيث تعرض لمختلف أنواع التعذيب الرهيبة.. وسيعتقل من جديد بتاريخ 27 يناير 1980 و10 يوليوز 1981 على إثر الإضراب العام ليوم 20 يونيو 1981 ، وسيحكم بالبراءة؛ ولقد كان رئيس غرفة الجنايات بالرباط آنذاك هو القاضي إدريس طارق السباعي رغم التعليمات التي جاءته بالجلسة في ورقة وضعها تحت الملفات وأبطلت الغرفة محاضر الشرطة ومذكرة البحث، لكونه سجل بجدول المحامين في تلك السنة ولابد أن نذكر شهادة نائب الوكيل العام الأستاذ بنجلون الذي استقبله بمكتبه عند إدائه اليمين القانونية للولوج لمهنة المحاماة.. ثم اعتقل بتاريخ 10 مايو 1983 بعد أحداث 8 مايو 1983 وحكم عليه بسنة حبسا نافذا. لقد كنت معجبا بتدخلاته الرائعة والتي تنم عن ذكاء وقاد، فقد شاع خلال سنة 1978 استقبال عبد الرحيم بوعبيد لـ”شيمون بيريس” بطنجة واستقبال محمد اليازغي ببيته لإدريس البصري، مما خلق جلبة داخل مقرات الحزب بالرباط فتدخلت إحدى المناضلات وأذكر أنها كانت من سلا متسائلة في حيرة في إحدى اللقاءات الحزبية بحضور السيد المكتب السياسي كما كان يسميه أحمد بنجلون سألت ببراءة: إذا انحرفت القيادة وارتكبت أخطاء، فماذا عسى القاعدة فعله؟ فرد عليها الفقيد أحمد بنجلون على المكتب السياسي أن ينتخب قاعدة جديدة”، (مقتطف من مقال طارق السباعي).

اختار أحمد بنجلون مقاطعة الانتخابات لمدة طويلة، وكان له موقف من “المشاورات الدستورية سنة 2011، غير أن موقفا كهذا لم يكن ليقنع البعض مما جعل يقول: “لقد اختص حزب الطليعة في مقاطعة الانتخابات معتقدا بثورية ذلك الموقف، لكنها مقاطعة لا تتجاوز دعوة الجماهير إلى الاستنكاف السلبي، استنادا إلى اعتبارات غير ماركسية بأي وجه، فمتى كان مبرر التزوير حجة لدى الماركسيين الثوريين لمقاطعة الانتخابات؟ ألم يشارك البلاشفة في أشد البرلمانات رجعية وتزويرا؟ أيجهل الطليعيون أن الانتخاب إلى دوما القيصر كان يتم بتزوير مكرس بالقانون دون أن يمنع ذلك الثوريين من المشاركة فيها عندما يشهد نضال الجماهير جزرا.. بدل تحليل الشروط التاريخية، وبالأخص شروط النضال، يحلو للناطق الرسمي باسم حزب الطليعة أن يردد: “الأحداث ما فتئت تؤكد صحة تحاليل حزب الطليعة وسلامة مواقفه الداعية إلى مقاطعة مسلسل التزوير جملة وتفصيلا”. ويصر على مقاطعتها مستقبلا موضحا أن “سبب المقاطعة هو الاقتناع بأن الانتخابات ستكون مزورة (أحمد بنجلون لجريدة العمل الديمقراطي، بتاريخ 14 نونبر 2001 )، عن الكاتب رفيق الرامي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!