في الأكشاك هذا الأسبوع
سلمان و عبد الله بن عبد العزيز

الملك سلمان بن عبد العزيز: “لو لم أكن وليا للعهد لتمنيت أن أكون صحفيا”

قال الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز: “لو لم أكن وليا للعهد لتمنيت أن أكون أمينا عاما لجامعة الدول العربية” وقال الملك سلمان بن عبد العزيز: “لو لم أكن وليا للعهد لتمنيت أن أكون صحفيا”

بقلم : رمزي صوفيا

——————–

      كانت أيام الجمعة موعدا كبيرا في حياتي شخصيا حيث كانت جلسة الغذاء مع الأمير عبد الله تنتهي بجلسة قهوة وشاي على الطريقة العربية العريقة. وكان الأمير في تلك الجلسات الرائعة يلتفت نحوي ويسألني عن آخر تطورات القضية العربية التي كنت كصحفي أتابعها وأكتب عنها. وكانت الحرب يومها تدور رحاها الطاحنة بين العراق وإيران، فكنت أسترسل في عرض آخر مستجداتها على الأمير فكان يصغي لحديثي باهتمام كبير.

—————-

نزل قضاء الله وقدره وجاء الأجل المحتوم ليرحل الملك عبد الله بن عبد العزيز في الساعات الأولى من صباح يوم 23 يناير الجاري، تاركا حسرة هائلة في قلوب الشعب الشعوب وكل البلدان العربية والإسلامية بعد حياة حافلة بالعطاء والشهامة والإخلاص لروح الوحدة العربية بين كل شعوب الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.

وكما كنت قد كتبت في مقال سابق عن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، فقد عرفته رحمه الله في منتصف ثمانينيات القرن الماضي عندما كان رئيسا للحرس الملكي السعودي ووليا لعهد المملكة العربية السعودية. وكان وقتها يتردد على المغرب عدة مرات في كل سنة في زيارات كانت تارة رسمية، وفي أغلب الأحيان زيارات شخصية بسبب عشقه الكبير للمغرب وتقديره لعاهل المغرب الراحل العظيم الحسن الثاني طيب الله ثراه، ومحبته الخالصة لشعب المغرب. وكنت مدعوا في كل يوم جمعة لمائدة الغذاء بقصره العامر في منطقة عين الذئاب، حيث كنت أجلس في المقعد المقابل لمقعده من فرط تقديره للصحافة والصحفيين. وكانت تدور عدة أحاديث بين الحاضرين على موائده الكريمة وكانت في معظمها تتناول قضايا الأمة العربية والملفات الشائكة التي تعيشها هذه البلدان، والتي كنت أشعر باستمرار بأنها كانت عليه حياته من فرط تفاعله معها واهتمامه بكل تفاصيلها وسعيه المتواصل لإيجاد الحلول السلمية والمثالية لها.

وكانت أيام الجمعة موعدا كبيرا في حياتي شخصيا حيث كانت جلسة الغذاء مع الأمير عبد الله تنتهي بجلسة قهوة وشاي على الطريقة العربية العريقة. وكان الأمير في تلك الجلسات الرائعة يلتفت نحوي ويسألني عن آخر تطورات القضية العربية التي كنت كصحفي أتابعها وأكتب عنها. وكانت الحرب يومها تدور رحاها الطاحنة بين العراق وإيران، فكنت أسترسل في عرض آخر مستجداتها على الأمير فكان يصغي لحديثي باهتمام كبير، ثم يتنهد معقبا على تلك الأخبار ويقول: “حرام وألف حرام على ذهاب كل هذه الأرواح الشابة بسبب تناحر وتنافر في الرؤى بين حكامها، وبسبب سياسة لَيِّ الأذرع في ما بينهم. فأقول له: “يا سمو الأمير، إن الحروب موجودة وكما تعلمون منذ فجر الحياة على الأرض، وهي قدر بعض الشعوب”. فيقول لي بحسرة: “كل شيء هو قضاء وقدر يا رمزي، وبطبيعة الحال فإن الحروب هي أيضا قضاء مقدر على بعض الشعوب. ولكن الحكمة والكياسة والدفع بالتي هي أحسن يجب أن تكون من صفات الحكام الذين يحكمون هذه الشعوب فيدفعون بخيرة شبابها إلى الموت الزؤام تحت نيران الحروب التي يشعلون فتيلها، فالحكام يعيشون في قصورهم والشعوب هي التي تتجرع مرارة الحروب وعواقبها الوخيمة على كل مقومات العيش”.

وفي أحد الأيام، وبعد تناول الغذاء، انتقلنا للجلوس في الصالون المخصص لاحتساء كؤوس القهوة العربية، فقال لي الأمير: “رمزي، لم نكمل حديثنا عن الحرب بين بلدك وبين إيران، فهل تعتقد بأن هذه الحرب كانت ضرورية بين بلدين جارين كالعراق وإيران. فقد تحدثت كثيرا مع الرئيس صدام حسين ليوقف هذه الحرب التي استنزفت الكثير والكثير من خيرات البلدين وتسببت في وجود آلاف الأرامل والأيتام بالجانبين، فقال لي الرئيس صدام حسين بأن إيران هي التي اعتدت على العراق، حيث أخذت تفجر القنابل وتقتل الأبرياء من أبناء العراق، فوجد الشعب العراقي نفسه مضطرا للدفاع عن نفسه ورد الصاع بالصاع لإيران وعندما تقرر إيران وقف الحرب فإن العراق سيفعل المثل وستنتهي المواجهات الدامية بين الطرفين، فقلت له: “لقد قال لكم الرئيس صدام حسين الحقيقة، فإيران هي المعنية ولم يكن لها الحق في مهاجمة العراق. والعراق لم يفعل شيئا سوى الدفاع عن نفسه ضد الغزو الإيراني”. فقال لي متحسرا: “والله حرام، فلو أن كل هذه الأموال الطائلة التي يتم بها صرفها وتبديدها على الحرب تم استغلالها لبناء المصانع والمعامل والمستشفيات والمعاهد العلي، لحد تطور هائل في هذه البلدان، ولكن ماذا عسانا نقول في قرارات الحكام البعيدة كل البعد عن مصالح الشعوب”.

وكما ذكرت في مقال سابق لي، فقد كان الأمير عبد الله بن عبد العزيز معروفا بجرأته وشجاعته في النطق بالحق، وهكذا دعا ذات يوم كل سفراء الدول العربية المعتدين بالرباط على مائدة الغذاء بقصره بعين الذئاب، وبعد تناول الغذاء وكالعادة، انتقل الجميع نحو صالون الشاي والقهوة، وإذا بالأمير عبد الله يقف أمام الحضور قائلا: “لدي سؤال كبير يهم العرب: لماذا تشتري دولة قطر الأسلحة بكل هذه الكميات الهائلة؟ هل السبب هو عزمها على إعلان الحرب ضد البحرين؟ كما أن الدول الخليجية الأخرى تشتري الأسلحة ببذخ كبير وبكميات ضخمة، حيث تتعرض هذه الأسلحة للتلاشي والصدإ والتقادم في المستودعات التي يتم تكديسها فيها. ولو أن كل الأموال الطائلة تم توجيهها لتنمية المناطق العربية ونهضة الشعوب العربية لكان الوضع مختلفا اختلافا كبيرا لصالح الشعوب العربية، ولانتهت كلمة فقر وكلمة بطالة وكلمة أمراض خارجة عن التغطية الصحية من قاموس المعاملات العربية”. ويومها نقل السفراء العرب تصريحات ولي عهد المملكة العربية السعودية إلى حكام بلدانهم، وبدوري قمت بنشرها في جريدة “السياسة الكويتية” الطبعة الدولية، فقامت ضجة كبيرة في بعض الدول العربية الخليجية نتيجة هذه التصريحات الشجاعة، فشكرني الأمير بحرارة.

وقد كان الملك عبد الله يقول لي، وهذه شهادة للحقيقة والتاريخ، وذلك عندما كان وليا للعهد: “إن الشعب المغربي محظوظ بالنظام الملكي، وأنت تعرف أفضل من غيرك يا رمزي ماذا يعني الأمان والاستقرار الذي يضمنه النظام الملكي للشعوب بعد كل الخسارات والتقهقر الذي جلبه الثوريون الذين تعاقبوا على كرسي الحكم بالعراق بعد كل الازدهار الذي عاشه الشعب العراقي تحت كنف النظام الملكي والملك القتيل فيصل الثاني”.

وذات يوم كنت جالسا مع الأمير في بيته الكريم بكورنيش عي الذئاب مع المدعوين للغذاء والقهوة العربية المنكهة، فسألته: “سمو الأمير لم تكن وليا لعهد المملكة العربية السعودية، ماذا كنت تتمنى أن تكون؟”، فقال لي: “سؤالك وجيه وقد حركت به عدة تطلعات كنت أتمنى تحقيقها، وأنا لو لم يجعلنِ الله في هذا المنصب لكنت أتمنى أن أكون أمينا للجامعة العربية حتى أسعى بكل ما في وسعي لتحقيق وحدة الصفوف بين الشعوب العربية، وألم شتيت الأهداف بين العرب وأجعلها هدفا واحدا ووحيدا هو خلق قوة عربية هائلة ونادرة على صد أطماع وتسللات الأجنبي لعروبتنا”.

وقد كان الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز يحب المغرب ويقدر الخطوات الكبيرة التي قطعها تحت ظل الملك الحسن الثاني والنهضة الهائلة تحت دوحة الملك محمد السادس. وكان من فرط محبته للمغرب والمغاربة قد شيد عدة إقامات للمغرب وكان يعشق النزول بإقامته في منطقة بوسكورة الخضراء، حيث كان يلقى حفاوة من طرف سكان الدواوير المجاورة لإقامته وكان يغدق عليهم الهدايا عند حلوله بينهم، ومن فرط عشقه لمنطقة بوسكورة بضواحي الدار البيضاء، فقد أشرف بنفسه على استصلاح وتزيين قصره هناك.

كما كان يحب النزول بإقامته بكورنيش عين الذئاب والتي شيد فيها مكتبة كبيرة هي مكتبة الملك سعود التي تعتبر محجا لطلاب العلم والمعرفة بالمغرب لأنه زودها بآلاف الكتب والمجلدات التي تستجيب لكل حاجيات البحث والتحصيل في مختلف شعب العلم والمعرفة.

وعندما كنت أسأله: “لماذا تفضل قضاء عطلك في المغرب ولا تتوجه نحو أمريكا وأوروبا”، كان يجيبني: “أنا أحب المغرب والمغاربة وأعتبر نفسي بين أهلي وإخواني هنا في المغرب، ولي صداقة عميقة كلها احترام وأخوة مع جلالة الملك الحسن الثاني، وأنا شديد الإعجاب بولي العهد الأمير سيدي محمد الذي أعتبره مثالا وقدوة لشباب البلدان العربية في التربية البيتية الأصلية والثقافة العالية ودماثة الأخلاق والتواضع، حتى أن عددا كبيرا من الملوك العرب يقولون باستمرار: نحن نتمنى أن يكون أبناؤنا في مثل أخلاق وثقافة ولي عهد المغرب الأمير سيدي محمد”.

أما خادم الحرمين الشريفين الجديد الملك سلمان بن عبد العزيز وحتى قبل وفاة الملك عبد الله، كان يتمتع سلمان بن عبد العزيز، 77 سنة، بأقوى الحظوظ للجلوس على عرش المملكة السعودية، إذ تضاعفت عدد الأنشطة الرسمية التي كان يقوم بها محل الملك الراحل، فكل يوم يمتلئ حساب “التويتر” التابع للملك الجديد بأهم الأنشطة الرسمية ومهامه التمثيلية خارج أرض الوطن.

وقد كان الملك سلمان حاكما للعاصمة الرياض، حيث قام بعدة منجزات منحت العاصمة موقعا عالميا مرموقا قبل أن ينصبه الملك عبد الله وليا للعهد سنة 2012، كما شغل كذلك منصب وزير الدفاع.

ويتمتع الملك سلمان بن عبد العزيز بعلاقات قوية مع المغرب، إذ سبق وقام الملك الحسن الثاني ملك المغرب بتقليده وسام الكفاءة الفكرية في الدار البيضاء عام 1989.

وخادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز الذي تصادف أن كتبت عنه مقالا مفصلا منذ بضعة أسابيع فقط، معروف بحبه وتقديره للمجال الإعلامي وله صداقات عديدة ومتينة مع أهم رجالات الإعلام في العالم العربي كما أنه يملك جريدة “الشرق الأوسط” وما يصدر عنها من مطبوعات أخرى، وهي الجريدة العربية الواسعة الانتشار والمعروفة بخطها الإعلامي القوي والمرتكز على مبادئ المصداقية الصحفية، كما يمتلك بيتا رائعا في مصيف ماربيا الإسباني، حيث كانت لي شقة بجواره.

هكذا كنت ألتقيه وهو يمارس رياضة المشي التي أزاول بدوري كل صباح، وذات يوم التقيته هناك فوقف وقال لي: “لماذا لا تزورني ونحن جيران؟” فتأثرت مسامعي ومشاعري تحت تأثير كل التواضع من شخصية سياسية كبيرة، فقلت له: “شكرا يا سمو الأمير، هذا كرم منكم”، وسألته يوما: “لو لم تكن وليا للعهد ماذا كنت تتمنى أن تكون”، فأجابني على الفور: “كنت أتنمى أن أكون صحفيا حتى أطلق العنان لقلمي في الحق والتواصل بين الشعوب العربية، فإني أعشق الصحافة منذ صغري ولي الكثير من الأصدقاء الصحفيين”.

وهكذا كان أول تصريح نطق به هذا الملك الحكيم مباشرة بعد مبايعته خلفا لأخيه الملك الراحل: “إن أمتنا العربية والإسلامية أحوج ما تكون اليوم إلى وحدتها وتضامنها، وسنواصل في هذه البلاد – التي شرفنا الله بأن اختارها منطلقا لرسالته وقبلة للمسلمين – مسيرتنا في الأخذ بكل ما من شأنه وحدة الصف وجمع الكلمة والدفاع عن قضايا أمتنا، مهتدين بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي ارتضاه المولى لنا، وهو دين السلام والرحمة والوسطية والاعتدال”.

وأنا ومن هذا المنبر واثق كل الثقة بأن مستقبل الشعب السعودي ونهضته ومواصلة تطوره ونمائه مضمون بعد أن مَنَّ عليه الله بخير خلف لخير سلف.

فرحم الله الملك عبد الله بن عبد العزيز، وجعل الله الخير والسؤدد للشعب السعودي الشقيق تحت كنف خادم الحرمين الشريفين الملك المثقف والفائق الذكاء والبعيد الرؤى خادم الحرمين الشرفين سلمان بن عبد العزيز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!