في الأكشاك هذا الأسبوع

الرأي | هل حان وقت المحاسبة داخل حركة العنصر؟

الأسبوع – محمد بركوش

     ما يروج اليوم عن الحركة الشعبية (الحزب الذي تقويه الضربات) هو شيء عادٍ جدا، يقال عن كل الأحزاب في لحظات معينة، الأحزاب طبعا التي تسعى إلى التغيير وتتطلع إلى الخروج من دائرة التحكم (النسوية)، شيء عادٍ رغم كل الكتابات والانتقادات والتحاليل المدبجة بأيادي من يجهلون الحزب العتيد ومساره الممتد على مسافة زمنية ليست بالهينة، إذا ما قورنت مع حياة أحزاب أخرى فرضتها ظروف خاصة أو بالأحرى صنعتها لتؤدي مهمة معينة ومحددة بالمكان والزمان مسافة تمضي فيها العقود وتتكرر على طريق ضوئي جريح كما قال أحد الشعراء، دون أن يفكر أهل الحل والعقد بالحركة في تضميد تلك الجراح وإسعافها في الوقت المناسب وقبل استفحال المرض وانتشاره في كل الأوصال.

ما يقع اليوم في الحركة التي تراجع زعيمها الأبدي إلى الخلف هو وليد سياسة الاستقواء (بالعلاقات مثلا)، والرغبة في الخلود والطمع في المناصب والكراسي رغم انعدام المؤهلات التي هي كل أساس كل نجاح وكل تطور، وقلة التجربة السياسية (إن لم أقل انعدامها بالمرة) التي تكتسب بالممارسة والمشاركة في النضال داخل الصفوف الحزبية، وهو ناتج كما قلت في أحد الأعداد السابقة عن غياب التأصيل السياسي الحق الذي يذكي التنافس ويشجع على الحوار والنزول إلى القواعد (بشكل حقيقي وليس صوريا)، ويخلف الوعد (أي التأصيل) مع استعمال وسائل غير نظيفة، تنبذها السياسة، ولا يليق الاشتغال بها أو عليها في الوقت الراهن الذي يقتضي الكثير من الجدية والحزم لتكسير نمطية الماضي القابعة في زوايا الذاكرة الحركية وتشذيب المؤسسة الحزبية منها، وملء فراغاتها عن طريق فتح آفاق جديدة تملي وتحكي تاريخا منقحا عن صفحات بيضاء منسابة، في محاولة تهدف بالأساس إلى زحزحة الشلل والركود اللذين تعاني منهما الحركة، وإسقاط رؤوس يانعة إلى أبعد حد لا تنظر سوى هبة ريح، كل تلك التحركات وكل تلك الخطوات (التي تبدأ برفع القدم الأولى كما يقال من أجل إحياء لحظات قابعة في ثنايا التاريخ بكل طراوتها وحلاوتها واستعادة بشرى الزمن الآتي على أيدي مناضلين ومناضلات من الصنف الأول، تحركهم مصلحة الحزب التي يستحيل توفرها أو الاهتداء إليها بالشعارات الجوفاء وهتافات التصحيح الفارغة مع وجود استبداد سياسي.

وتحكم مفرط في توجه الحزب واستراتيجيته هذا الأخير (أي التحكم) الذي يقف حجرة عثرة في طريق الإصلاح، وما يتبعه من انفتاح المؤسسة على خزانات الحزب الشبابية والنسوية وقواها الفاعلة التي تتوخى من الانخراط تنمية قدرات المناضل على العمل الجماعي، وغرس الوطنية في نفسه وتأطيره بشكل حقيقي وتجميع كل أطره حتى الغاضبة منها، دونما اللجوء إلى العنف والتشهير ورفع لافتات “الترحيل” بطريقة تبدو ساذجة إلى أبعد حد إن لم أقل بليدة.

لقد أدرك السيد العنصر الأمين العام “بأن وقت المحاسبة قد حان داخل الحركة”، لكي يؤدي كل واحد ثمن خطئه أو تلاعبه في مال الشعب، أو تجاوزاته الرعناء التي لا تخلف في الأوساط إلا الاحتقان والفوضى وكراهية السياسة والأحزاب المعول عليها في التأطير وتحبيب العمل السياسي وخلق فضاءات في كل المدن والقرى لإنعاش الشباب والطفولة وصقل العبقرية المغربية في كل الميادين، قلت أدرك ذلك بعد أن تريث و”قلب الأمور” كما يقال بالدارجة وهو المعروف بهدوئه وتحكمه في أعصابه، وصدقه في حدسه، حيث أعلن بصريح العبارة عن أن “زمن التساهل التنظيمي ولى وانتهى العمل به” (في إشارة إلى غير المنضبطين)، لأن المرحلة تريد صرامة، وتقتضي تفعيلا لمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة كما قال العنصر أمام أعضاء المجلس الوطني الأسبوع المنصرم، وبحضور محمد أوزين الذي أثار وجوده استغرابا واندهاشا رغم نص القانون الداخلي (المحرف حسب إحدى الجرائد الوطنية) التي وضعت القارئ أمام الوثيقتين (العربية والفرنسية).

إن المرحلة المقبلة أو الموالية للمجلس الوطني، يقول السيد العنصر، ستكون حاسمة بكل ما في الكلمة من معنى؛ إذ سينكب الحزب بكل جدية على دراسة المشاكل العالقة والتي تركت لحالها خوفا من ردود أفعال أو تصلب بعض أباطرة الحركة الجدد، الذين “دخلوها بصباطهم”، كما يقال بالدارجة، في لحظة تغييب المنطق السياسي أو الاعتبار الحزبي من أجل الحصول على تزكية أو منصب أو امتياز، على اعتبار أن لهم قدرا ومكانة، يمكن أن يؤدي انصرافهم إلى دك الحركة وهدمها، علما أن هذه الأخيرة ليست قائمة سوى على أكتاف المناضلين والمناضلات المخلصين، المنتشرين في القرى البعيدة (وليست تلك التي استفادت من دعم وزارة الشبيبة والرياضة) وفي الأرياف والصحاري، وبعض المدن التي تعتز بالحركة وتخلص لمبادئها كمراكش الحمراء التي أضحت اليوم خاوية على عروشها (من الحركة) بعد أن أسندت أمورها إلى شخص مصلحي، لا يهمه من السياسة إلا الحصانة والمظلة الواقية من أشعة المتابعة القضائية، بعد تورطه في قضية تشملها عدة تهم ثقيلة، خاصة تلك التي تخص التساهل أو الترخيص بالبناء قرب الإقامة الملكية ودون اعتماد الضوابط المعمول بها.

إن المرحلة المقبلة ستكون متفردة وحاسمة يقول السيد العنصر بلغة لم نعهدها فيه منذ أن تولى الأمانة العامة في فترة غامضة، الكل يمر عليها مرور الكرام رغم أنها غنية بالمواقف والمغالطات والحب الكبير الذي كان الحركيون يكنونه للمحجوبي أحرضان، حيث سيتخذ “منهجية” في العمل، تحقق الكثير من النجاح وتوفر الكثير من الوقت والجهد اللذين أضاعتهما الحركة من قبل في أمور هامشية بعيدة عن العمق، كانت تثار لتلهية الحركيين وإشغالهم عن المهم والأهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!