في الأكشاك هذا الأسبوع
المرحوم الملك عبد الله رفقة ملك السعودية الجديد بن عبد العزيز

الحـقــيقة الضــــائعة | بنات الرياض

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

         كان الصالون الفخم في بيت السفير المغربي بحي السفراء المغلق بالرياض، مثقلا بحجم الجواهر واللآلئ والأزياء الواصلة لتوها من نيويورك ولندن وباريس، وسيدات المجتمع السعودي الراقي تتبادلن الإعجاب بالقفطان المزركش الذي كانت ترتديه السيدة فايزة.. زوجة السفير السمار.. والتي أقامت ليلة ذلك الخميس 16 فبراير.. هذا.. واحدة من أكبر الحفلات التي عرفتها العاصمة السعودية.

وبغتة.. ساد سكون ابتلعت فيه كل السيدات ألسنتهن.. حين أشرقت بمدخل الصالون طلعة الأميرة حصة الشعلان، حرم الملك عبد الله، والتي حضرت شخصيا، لرئاسة الحفل الذي أقامته صديقتها، السفيرة المغربية من أجل جمع التبرعات الخيرية.. لفائدة المؤسسة السعودية للرعاية الصحية المنزلية، والتي ترأسها السيدة الأولى في المملكة السعودية. وكان طبيعيا جدا.. أن يتراكم على مائدة التبرعات أكوام من الحلي والإسورة والتي جاءت بها المتبرعات.. اللواتي تمثلن النصف الآخر لحكام وأثرياء أثرى دولة في العالم، وكما كان منتظرا.. فإن أغنى الشركات العالمية التي تربح الملايير من معاملاتها في السعودية بعثت مندوباتها للحفل، محملة بالشيكات المثقلة بما خلف كل رقم من أصفار.

وقد تهافت على تقديم الشيكات، كل الشركات الكبرى في السعودية، أمثال شركة باخشوين، وفتيحي، والمخملي، وباتشي، وعالم حواء، ونوكيا، ولتتصوروا المقادير الخيالية التي استطاعت سفيرة المغرب جمعها.. وتقديمها للجمعية الخيرية السعودية.

الشيء الذي يؤهلها لأن تصبح مستشارة في إحدى المؤسسات المغربية للأعمال الخيرية.. لمساعدتها على البحث عن مصادر مالية لدعم هذا الشعب المغربي الذي تقول الإحصائيات الدولية، بأن أغلب سكانه فقراء.. بينما تقول إحصائيات أخرى بأن أغلبية الأقلية(…) هم من أصحاب الملايير، وإنما يحتاج الأمر إلى فائزة السمار لتدعو أصحاب الملايير، عندنا، إلى التبرع بأموالهم لفائدة فقرائنا.

وخطرت لي فكرة أخرى، أكثر إفادة للمغرب، وهي تعيين السيدة السمار، سفيرة محل زوجها.. علها تحرك العلاقات المغربية السعودية وتوقظها من سباتها(…) وهي التي توفقت في استعمال صداقاتها في السعودية، للإبقاء على زوجها سفيرا، رغم تعيين المغرب لسفير جديد أرسلت أوراق اعتماده ليظهر فيما بعد ((أن لوبي السمار كان أقوى من اختيار الدولة المغربية)) (الأسبوع عدد 2 شتنبر 2005).

فعلى هامش المهرجان الثقافي الكبير الجنادرية 21، الذي دعيت له وسط مجموعة من المثقفين والإعلاميين العرب والمسلمين، وزع المسؤولون عن منظمة المؤتمر الإسلامي، مطبوعا راقيا عن مؤتمر مكة الإسلامي في رمضان الأخير، فتشت بين صفحاته عن إشارة إلى حضور الملك المغربي، الذي كان بالمؤتمر، فلم أجد له خبرا.. ولا صورة.. وكأنه لم يكن، لأبحث عن دور السفير المغربي هناك، وعن حتمية تتبعه لأنشطة الأمين العام لتلك المنظمة، أوغلو، الذي لم يستقبله العاهل المغربي، عقابا على تصريحات له غير دبلوماسية في حق المغرب، وهي أزمة كان على السفير المغربي هناك أن يطوق مخلفاتها، إلا أنه يظهر أن سعادة السفير لم يفعل شيئا.. مثلما أنه لم يسأل عن الوفد المغربي الذي استدعي لمهرجان الجنادرية، ولا بعث أحدا من ديوانه، ولا حتى مندوب وكالة المغرب العربي، الذي لم يهتم بالموضوع.. رغم أن السفير نقل مكاتب هذه الوكالة من جدة إلى الرياض لتواكب نشاط سيادته.. وحده، كما يبدو.

وخجلنا نحن المغاربة الذين كنا هناك.. حينما جاء السفير التونسي وأقام حفلا على شرف أعضاء الوفد التونسي.

ولكن حمدا لله، على أن كل السعوديين، يكنون للمغرب احتراما.. وحبا.. بلغ أوجه عندما جاء عندنا مسؤول من التشريفات السعودية، وقال لنا: إن الملك يستدعيكم لاستقبالكم غدا.. وسيقيم لكم حفل عشاء.

واستغرب لهذا التعبير.. الملك.. حافية هكذا.. وفعلا سلمنا على الملك عبد الله.. بدون بروتوكول.. ولا تشريفات.. حيث قال لي مدير تشريفاته فيما بعد: إن الملك كان حريصا على معرفة أسماء كل الذين يسلمون عليه.

فقد انتقل الملك عبد الله فعلا بالسعودية كلها من عهد إلى عهد.. وأعلن انفتاحا سياسيا بتأسيس “مركز للحوار الوطني” تحت شعار: “نحن والآخر” جعل مقره داخل القصر الملكي، ونصب على رأسه مستشارا من الديوان الملكي فيصل بن عبد الرحمن بن معمر الذي قال لنا: ((إن الحوار عندنا يستهدف جمع الأطراف المتناقضة))، وفعلا بدأ الحوار بين العقائد المتباعدة في المجالات العقائدية، مثل المذهب الحنبلي والشافعي والمالكية، والإسماعيلية، والسنة والشيعة، بينما قال أحد العلماء الشيعة الصفار، إن استجوابي من طرف الصحافة، كان أول انفتاح على الشيعة في السعودية، والذي يعرف السعودية جيدا، يفهم أهمية بدإ الحوار بهذه الجوانب التي كانت من الممنوعات، مثلما كان الحديث عن حقوق الإنسان من الممنوعات، حتى أصبح عنوانا ضخما في شارع التحلية لعمارة عالية كتب عليها بحروف غليظة “مكتب حقوق الإنسان”.

ولم أفهم سر تخصيص سفيري الولايات المتحدة وبريطانيا بالدعوة للحفل الساهر الذي أقيم بالجنادرية، إلا عندما نزل مئات من الشباب لباحة الحفل، حاملين السيوف، وهم يهتفون: “السعودية للسما”، في شبه مظاهرة وطنية.. تترجم للملاحظين الغربيين، أن لملك السعودية شعب، ولعلمائه رأي، وهو ما لخصه الملك عبد الله عندما استقبل وزيرة الخارجية الأمريكية رايس وقال لها: لا.. لن نوقف دعمنا للشعب الفلسطيني.

ورغم أن السفير السعودي السابق في لندن، الشاعر غازي القصيبي، أبعد من منصبه كما قيل وقتها لأفكاره التحررية ولأنه نشر في لندن رواية بعنوان “شقة الحرية” فإن السعوديين بهروا عندما استدعاه الملك عبد الله، وعينه وزيرا للعمل.

كما طبعت حفلات الجنادرية هذه السنة، بتكريم الملك عبد الله شخصيا، وتقديمه لأكبر وسام لشيخ الصحفيين المعارضين، عبد الله عبد الجبار، الذي قضى عمره في المعارضة، وأدخل السجن، ولجأ إلى مصر، وكتب ضد الطغيان الإمبريالي، وضد نهب البترول السعودي من طرف اللوبيات الأمريكية، وكتب في القاهرة مسرحيته المشهورة: “الشياطين الخرس”، وتم تكريمه هذا العام، وهو في الثمانين من عمره بصفته “الرجل الذي في صمته كلام وفي كلامه حكمة” لأن الكاتب الفيلسوف محمود العقاد، قال عنه مرة للسعوديين ((أديبكم وشاعركم حمزة شحاتة، وناقدكم عبد الله عبد الجبار)).

وتجرأ ضابط من الجيش السعودي، ليلقي قصيدة باللهجة النبطية الدارجة، كشف فيها هذا التحول الذي أحدثكم عنه، وهذا الفرق الذي يسكت السعوديون عنه وهم فرحون بممارسته(…) فقال الضابط الشاعر، خلف العتيبي:

تحملنا ولا عاد نتحمل والمغطي بان.

في خضم هذا التحول يبقى موضوع المرأة معرضا لمعارضة الفئات المتزمتة في المجتمع السعودي، والتي ترفض للمرأة حقوقا عدة، من بينها عدم الحق في سياقة السيارة، فأحرى حق المرأة في ممارسة العمل الإداري، فإذا بنا نفاجأ في حفل أقامه وزير الثقافة والإعلام، إياد مدني، بمجموعة من الفتيات السافرات، المكلفات بمهمة تلميع آفاق دخول المرأة السعودية، عهد الإصلاح الذي يمهد له الملك الجديد. وزير الاتصال(…) السعودي الذي يتحدث عن الانفتاح ويؤشر لقرب صدور جرائد حرة، ويقول: ((إن الثقافة يصنعها الشعب ولا تصنعها الحكومات)).

وتتجرأ كاتبة سعودية “رجاء الصايغ” لتصدر في لندن روايتها “بنات الرياض” تكشف فيها من خبايا المرأة في الرياض، ما جعل الصحف السعودية الثرية(…) تتحدث عنها بإعجاب شديد.. وتقول كلها بأن عهد الأنترنيت، فتح أمام المرأة السعودية بوابة عريضة للاتصال بالعالم لا يمكن لأية قوة في الدنيا أن تقفلها: ((إن رواية بنات الرياض لتعبر عن مجتمع الحرية الذي لابد أن يسود العالم حتى في أكثر البلاد محافظة)) (جريدة البلاد السعودية عدد 18 فبراير 2006)، بينما أكثر البلاد محافظة هي السعودية.

ونعود إلى الأخوين(…) المغرب والسعودية، رغم أن تعبير الأخوين أطلق على جامعة إفران، تخليدا للأخوين الملك فهد والملك الحسن الثاني رحمهما الله.. وكانا في زمن يتكامل فيه المغرب والسعودية، وقد أصبحا اليوم شبه بلدين صديقين.. وكفى.

وبينما عناصر التكامل متوفرة.. فإذا بشركة الزيوت الأروبية(…) لوسيور ترفع دعوى أمام محكمة الدار البيضاء ضد شركة فاصولا السعودية، والتي استقدمت للمغرب زيوت الطبخ عافية، بدعوى أن الزيت السعودية تنافس زيت لوسيور.

وأصبحنا نقرأ في الصحف السعودية، إعلانات مكثفة لاستقدام اليد العاملة من الفلبين وأندونيسيا وبنجلاديش، وشوارعنا ملئى بالعاطلين، وبينما الفواكه في الأسواق السعودية، مستقدمة من اليابان والطايلاند والصين، وهي رديئة بالمقارنة مع الحوامض والخضر المغربية، وبينما السعوديون يسألون عن وسائل لاستقدام عائلاتهم لقضاء العطل في المغرب، فلا يجدون مجيبا، حتى الخطوط الملكية، ألغت الدرجة الأولى من طائراتها وهي تعرف أن السعوديين معتادون على الركوب في الدرجة الأولى، ويشهد موظف في الخطوط الملكية أن المئات من السعوديين يلغون حجوزاتهم عندما يعرفون أن الدرجة الأولى غير متواجدة في الخطوط المغربية.

ونماذج أخرى من الخصاص والإهمال في مجال التبادل والتعاون المغربي السعودي، ربما كانت ناتجة عن انعدام رجل في الديوان الملكي، مثل الأستاذ أحمد بن سودة، الذي كان يقضي حياته في التنقل بين المغرب والسعودية كخيط رابط بين الأخوين.

مرى أخرى.. لا مفر من أن يعين المغرب في الرياض، سفيرا نشيطا متحركا عارفا بأهمية التكامل بين مملكتين موحدتي المواقف، يشهد تاريخ علاقاتهما بأن الملكين الحاليين محمد السادس وعبد الله، مطالبان بأن يقوما بدورهما الريادي في إعادة المياه إلى مجاريها.

نشر في عدد 3 مارس 2006

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!