في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | “بالصحة الصابون”

       حتى في أحلك الظروف تجدهن مبتسمات وكأنهن الوحيدات من تفهمن أن الوجود والموجودين مجرد لعبة لها نهاية كما كانت لها بداية، لعبة بقواعد وهن أكثر الملتزمات بهذه القواعد.. تفشل الحياة بقساوتها في أن تهزمهن وكأنهن تلميذات إرنست همنغواي صاحب مبدأ “الإنسان يموت ولا ينهزم”.

قد لا يذكرهن التاريخ، لأن التاريخ علمنا أن التاريخ لا يكتبه إلا الرجال، ولأن التاريخ المغربي لا يؤمن بجنس اسمه “الأنثى”، ولكنهن لا تطمحن أن تدون أسماؤهن على صفحات كتب التاريخ التي لا يقرأها أحد، بل أملهن أن تقمن بأدوارهن على أكمل وجه، دورهن وسط أسرهن، دورهن بقريتهن، دورهن الصحيح في العبور بسلام فوق الصراط المستقيم.. لسن تطمحن لمقعد تحت قبة البرلمان، ولا لقضاء عطلة الصيف بجانب برج إيفل… تعشن الحياة ببساطة ومطالبهن أبسط.

تنزوي الحياة بآهاتها المادية وأوجاعها البرغماتية بزاوية مظلمة، يجتمع حولها الرجال، بعضهم يتحرش بها وبعضهم يتوسل عطفها ورحمتها، تقذفهم بعيدا ليصيروا مجرد لعبة تتقاذفها الجدران.. تبتسم النسوة تهكما على الرجال، إشفاقا لحالهم، لبحثهم عن الوهم بين جدران الوهم.

هن نسوة كتامة، اللائي أقول عنهن مرة أخرى أنهن قوامات على الرجال، هن الحكيمات، الصابرات، الؤمنات، الملتزمات، القنوعات، والكريمات.. هن من اتخذن مكانا بسقاية محاذية للمسجد لتطهير القرية من لعنة أصابت الرجال بزمن مضى..بجانب السقاية تمر تلك الخمسينية تحمل على ظهرها المقوس حطبا للتدفئة غير قادرة على رفع رأسها، لكنها ترفعه احتراما لنسوة تقمن بعملية التطهير للعنة، تنظر إليهن وتهمس في تعب: “بالصحة الصابون”، ببسمة منشرحة تجبنها: “الله يعطيك الصحة”.. تبا لكن أيتها التقدميات!! أرأيتن كرما واحتراما وأخلاقا ونضالا كهذا، أنتن أيتها الجالسات بصالونات مكيفة لتناقشن وضعية المرأة المغربية وتدعين دفاعكن عن النساء القرويات!!

أنتن أنتن، وهن هن ولكني لا أرى إلا هن وكأن وجوهن وملامحهن موشومة فوق ذاكرتي، بل موشومة فوق ذاكرة كل رجل كتامي جذبته زوايا الوجود، فهن وقود الاستمرار بمحاولة تطهيرنا من اللعنة.

– عبد السلام المساتي –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!