في الأكشاك هذا الأسبوع
سليم عبد الله السعيدي اشتهر بحراسة ضيوف الملك محمد السادس

ملف | أين وصل التحقيق في قضية “قتل” الحارس الشخصي للملك بالرصاص ؟

أعد الملف: سعيد الريحاني

——————-

      كان المغني يجتهد في إظهار خامة صوته، وهو يغني أغنية “الصينية” لناس الغيوان، مثله مثل أي مغنٍ يحتكر الغناء في مطعم ترفيهي، يعتقد أنه بمثابة “العندليب” ذلك المساء، فجأة يطلق أحد الحاضرين العنان لصوته لكي يشارك في أداء هذه الأغنية.. المفاجأة هي أن هذا الزائر، ورغم أنه لا يتوفر على ميكروفون إلا أن قوة صوته، وإتقانه لفن الغيوان جعل الجميع يلتفتون إليه وينسون أمر المغني الأصلي.

حصل ذلك ذات مساء من بداية شهر يوليوز سنة 2011، غير بعيد عن شارع محمد الخامس في الرباط، حيث كان صدى مظاهرات 20 فبراير مازال يتردد في الآذان(..)، وقتها كان العميد “السعيدي سليم عبد الله”، أحد أعضاء فريق الحراسة الشخصية للملك، قد استجاب لدعوة بعض أصدقائه من أجل قضاء بعض الوقت، فقد كان الأصدقاء يتهافتون على الجلوس مع “عبد الله” لأنه كان صاحب نكتة، لا تفارقه الابتسامة، والجلوس إلى جانبه كان كفيلا بطرد كل أنواع الملل، بشهادة جل أصدقائه.

انفض اللقاء بعد حوالي ساعتين، وضرب السعيدي وهو ابن ماجدة ابنة محماد الكلاوي شقيق التهامي الكلاوي أشهر باشا عرفته مدينة مراكش موعدا مع أصدقائه، وفيهم سياسيون وأمنيون(..)، غير أنه لم يحدد كما جرت العادة موعدا من أجل اللقاء المقبل، فغادروا المكان وعيون الحاضرين، ترمق “خلسة” هذا المتألق في الغناء، بينما وجد المغني “المغرور” صعوبة كبيرة في “الاندماج من جديد”.

كان ذلك آخر لقاء لسليم عبد الله في شهر يوليوز مع أصدقائه الرباطيين، بعد أن تحدثت الصحف والمواقع الإخبارية، عن إصابة الحارس الشخصي للملك، بطلق ناري بعد مداهمة منزله من طرف شخصين بدافع السرقة، وقتها قالت الصحافة:”إن العميد السعيدي سليم عبد الله، الحارس الشخصي للملك، تعرض لاعتداء، يوم الجمعة داخل شقته، وهو يرقد بين الحياة والموت بمصلحة الإنعاش الجراحي بقسم المستعجلات بمستشفى ابن سينا في الرباط.. وذكر مصدر طبي أن السعيدي أجرى عملية جراحية ليلة نقله إلى المستشفى، حيث تبين أنه مصاب بطلقات نارية في بطنه.. وهو يوجد حاليا في غيبوبة كاملة”، (جريدة المساء، عدد: 13 يوليوز 2011).

الجريدة نفسها، تداولت مثل غيرها فرضيات مريبة، فبالإضافة إلى رواية المصادر الأمنية التي تحدثت عن هجوم نفذه شخصان بدافع السرقة، “لا تستبعد بعض المصادر وجود فرضيات أخرى وراء هذا الاعتداء، خاصة بعد تردد أنباء غير مؤكدة في كواليس المستشفى تؤكد بأن السعيدي أطلق الرصاص على نفسه..”، (جريدة المساء، عدد: 13 يوليوز 2011، الكاتب: مصطفى الفن).

رفض القدر أن يمنح للسعيدي فرصة أخرى من أجل الحياة، كي يكشف للمحققين أسرار هذا الهجوم الهوليوودي الذي تعرض له، في شقته، الموجودة خلف بناية إمبراطورية “بلاص بيتري” (صندوق الإيداع والتدبير)، بعد أن أدركه الموت سريعا وهو غارق في غيبوبة لم يستفق منها إلا في لحظة من اللحظات ذكر فيها اسمه فقط، وقتها أصدرت المديرية العامة للأمن الوطني بلاغا نعت فيه الراحل، وأكدت من خلاله أن الوفاة نتجت عن إصابته برصاصة “خلال تعرض منزله لمحاولة سرقة”.

قالت الصحافة وقتها: “إن الحالة الصحية للحارس الخاص للملك تدهورت بشكل خطير، مما استدعى إجراء عملية جراحية ثانية له، إثر حدوث نزيف حاد تطلب إجراء العملية الجراحية التي لم تكن لتخرج السعيدي من دائرة الخطر”.

لم يكن السعيدي هو الوحيد المصاب نتيجة هذا الاعتداء، بل إن الجناح نفسه في ذات المستشفى استقبل أيضا أحد المعتدين على الحارس الشخصي للملك، هو الآخر أصيب بطلق ناري، غير أن حالته الصحية لم تكن تسمح باستجوابه من طرف الشرطة القضائية، التي تباشر التحقيق تحت إشراف النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالرباط، هكذا تحدث المواقع.

كل المعطيات متشابكة، ومسار التحقيق لم يخرج إلى حيز الوجود، لتكتب إحدى الجرائد التي لم يكذبها أحد معطيات في غاية الخطورة، في مقال تحت عنوان: “وفاة الحارس الشخصي للملك، وأنباء عن وقوف مافيا المخدرات وراء الرصاصة القاتلة”، كيف ذلك؟ يقول صاحب المقال المنشور في جريدة “المساء” في عدد: 14 يوليوز 2011، (( رجحت مصادر مقربة من الضحية، تحدثت إليها “المساء” أن يكون الاعتداء قد تم بدافع “الانتقام” من قِبَل “مافيا” تعمل في مجال المخدرات في شمال المغرب. وكشف المصدر ذاته (فضل عدم ذكر اسمه) في هذا الصدد عملية توقيف أحد أكبر “بارونات” المخدرات في مدينة تطوان، نفذها العميد سليم عبد الله السعيدي عندما كان عميد شرطة في المدينة، وأوضح المتحدث أن سليم عبد الله بن عبد الحي السعيدي، الذي كان يعمل معلما في مدينة الرباط، قبل أن يقدم استقالته ويعمل “عدول” في مدينة أكادير، صعد إلى سطح منزل أحد التجار الكبار في مجال المخدرات وقام بالقبض عليه، ليتم الحكم على “البارون” بعشر سنوات، ومن المفترض أن يكون اليوم خارج أسوار السجن.. ومما زاد من فرضية أن عملية اقتحام منزل الحارس الخاص للملك محمد السادس من قبل شخصين – صوب السعيدي لأحدهما رصاصة من سلاحه الناري الخاص – أن المعتديين اختارا غياب “سميرة”، شقيقة سليم عبد الله عن المنزل، والتي تقطن معه في حي حسان في العاصمة الرباط، إضافة إلى أن المقتحمَيْن كانا يحملان مسدسا ولم يقوما بسرقة أي شيء من المنزل، مما يرجح فرضية تعرض العميد المركزي للاعتداء بدافع الانتقام)).

هل يعقل أن يصل تطاول تاجر مخدرات إلى الحد الذي يجعله يستهدف حارسا شخصيا للملك بالقتل، ألا تكفي الإشارة إلى هذه الجزئية لتحريك كافة الأجهزة؟ لماذا لم تخرج نتائج التحقيق إلى حدود اليوم ونحن في سنة 2015، علما أن الحادثة يعود تاريخها إلى سنة 2011؟

يمكن القول إن شهر يوليوز هو شهر النحس بالنسبة للحراس الخاصين للملك محمد السادس، ففي نفس الشهر الذي أصيب فيه السعيدي بطلق ناري أودى بحياته، تعرض عميد شرطة آخر، اسمه محمد بنبكري، أحد الحراس الخاصين للملك محمد السادس لحادثة سير.. بينما كان رفقة ابنيه الصغيرين وزوجته على متن سيارة من نوع “مرسيديس”…”الحادث وقع زوال اليوم الجمعة 29 يوليوز 2011 بقنطرة قريبة من العرائش على الطريق الجهوية، وكان الحارس الشخصي في اتجاه تطوان لحضور حفل الولاء واحتفالات عيد العرش يومي السبت والأحد”. هكذا تحدثت المواقع التي أشارت إلى أن أحد بنات العميد توفيت بعد انقلاب السيارة، وقد نقل هو وزوجته في حالة خطر إلى إحدى المصحات بمدينة طنجة.

      نحن اليوم في سنة 2015، وأصدقاء الراحل مازالوا يتساءلون عن سبب وفاة صديقهم، ونتائج التحقيق لم تنشر، والصحافة قالت ما قالته ولم يحاسبها أحد، رغم العناية الملكية التي حظيت بها عائلة السعيدي، والجنازة المهيبة بمقبرة الشهداء والتي تقدمها كل من الشرقي اضريس عندما كان مديرا عاما للأمن الوطني، ووالي الرباط الراحل حسن العمراني، والعامل ركراكة..

“الأسبوع” غطت بدورها قضية السعيدي، التي تعود لإثارتها اليوم على هامش عدم نشر نتائج التحقيق وكتبت: “إن الوجه الآخر للسعيدي يجعل من الصعب تصنيفه كرجل أمن فهذا الرجل المعيل لأسرته بعد وفاة أبيه ينتمي إلى مدينة أسفي، لكنه دفن في مقبرة الشهداء بالرباط.. ذلك اليوم الذي وقع فيه الحادث شوهد عبد الله السعيدي، في نفس المقهى التي يحبها، التابعة لمسرح محمد الخامس في الرباط وتناول وجبة الغداء مع اثنين من إخوته واعتذر عن لقاء أحد أصدقائه ذلك المساء لأنه كان متعبا.. الحكاية الأقرب إلى الحقيقة بالنسبة لأصدقائه في انتظار التحقيق هي أن عبد الله السعيدي كان نائما في شقته المتواضعة، السهلة الولوج، توجد في الطابق العلوي، ويضع إلى جانبه مسدسه، قبل أن يفاجأ بمجهولين يقفان على رأسه؛ أحدهما يحمل المسدس، في حالة غير طبيعية، وعندما حاول بخفته الانقضاض على المسدس خرجت الرصاصة، نحو بطنه، ولكنه مع ذلك تمكن منه، وأصاب أحد مهاجميه في ما لاذ الثاني بالفرار.. أمسك السعيدي هاتفه النقال، واستدعى على الفور زميله في العمل، وانطلق إلى خارج الشقة يمشي على أطرافه الأربعة وما إن وصل إلى أسفل العمارة حتى كانت الشرطة تحاصر المكان، في تلك اللحظة سيظهر المصاب الذي اقتحم الشقة ويطلق رصاصة إنذارية لإخافة الشرطة.. بعدها استسلم”، (تفاصيل أكثر في الأسبوع، عدد: 21 يوليوز 2011).

من يكون هذا القاتل المتمكن من تقنيات استعمال السلاح؟ وماذا كان مصير المشارك في الجريمة الهارب؟ وما مصير القاتل الذي كان يرقد في مستشفى ابن سينا تحت حراسة مشددة؟ ولماذا لم تظهر نتائج التحقيق إلى حدود اليوم؟ ولماذا سكتت الصحافة؟ وهل فعلا سبق للقاتل أن عمل في القصر الملكي، كما قالت بعض المواقع؟ إنها الأسئلة المطروحة منذ 2011 ونحن اليوم في سنة 2015 وليس هناك جواب.

تعليق واحد

  1. ayna wasal tah9i9 ma3a lmotaham

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!