في الأكشاك هذا الأسبوع
بنعبد السلام عبد الله الكاتب العام لودادية العمال والتجار المغاربة في باريس

بنعبد السلام: “صرامة محمد السادس هي سبب غضبة الفرنسيين على المغاربة”

العلاقة بين المغرب وفرنسا، يطبعها الفتور خلال الفترة الأخيرة، وقضية صحيفة “شارلي إيبدو”، التي تعرضت لهجوم مسلح، مازالت ترخي بظلالها على المستقبل.. جماهير كرة القدم هنا في المغرب رددت هتافا غير مسبوق: “الشعب يقول إلا الرسول”، وأغلبية مرتادي المواقع الاجتماعية صفقوا للقرار المغربي بمقاطعة مسيرة باريس ضد الإرهاب، بسبب وجود رسوم مسيئة للرسول(..).

لكن، أي تأثير لهذه الأحداث في الجالية المغربية فرنسا؟ وهل يقتسمون نفس القناعات مع من يوجدون داخل التراب الوطني؟ وما هو رأيهم؟ في ما يلي تحاور “الأسبوع” الكاتب العام لودادية العمال والتجار المغاربة في باريس، بنعبد السلام عبد الله وهو أحد المهاجرين الذي مازال يعيش متنقلا بين فرنسا والمغرب منذ سنوات السبعينيات، ومطلع بحكم مهنته كبنكي، وبحكم ارتباطاته(..)، على أسرار كثيرة تخص التواجد المغربي في فرنسا، وهو بذلك قد يكون مؤهلا للإجابة على الأسئلة السالفة الذكر.

يعتقد بنعبد السلام عبد الله، أن عدم مشاركة وزير الخارجية صلاح الدين مزوار في مسيرة باريس ضد الإرهاب بمثابة خطإ دبلوماسي، قد يؤثر في مستقبل الجالية المغربية في فرنسا، ويعتبر أن الاشتراكيين الذين ينتمي إليهم فرانسوا هولاند “أصدقاء للمغرب” ويفضلونه بسبب الاستقرار الذي ينعم به، كما يقلل من أهمية الحوادث التي أثارت ضجة كبرى في الفترة الأخيرة، (قضية الحموشي، وقضية تفتيش مزوار)، ويعتبر أن الحكومة الفرنسية الجديدة ذات توجه لصالح العمال الأجانب، كما كان يحدث في عهد الرئيس السابق فرانسوا ميتران، حسب قوله.

يمكن القول إن بنعبد السلام لخص كل شيء عن الأزمة مع فرنسا في جملة واحدة: “الفرنسيون كانت علاقتهم مع الحسن الثاني طيبة، ولكن ربما يكون التوجه الصارم للملك محمد السادس، وعدم رضائه ببعض القرارات، ومنجزاته، هي السبب الذي يغضب البعض”.

—————

حاوره: سعيد الريحاني

***بصفتك الكاتب العام لودادية العمال والتجار المغاربة في باريس، وواحدا من المهاجرين الذين قضوا سنوات طويلة في فرنسا، كيف تنظر إلى توتر العلاقات المغربية الفرنسية؟

 

  • في الحقيقة ليس هناك توتر، نحن نعيش في فرنسا ونعرف الأجواء التي نعيش فيها، أؤكد لكم أن الجالية المغربية أكثر قبولا من الجاليات الأخرى، نحن رقم واحد بالنسبة للفرنسيين.. هناك أشياء تقال عن الحزب الذي ينتمي إليه فرانسوا هولاند، وهو نفسه الحزب الذي كان ينتمي إليه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، هذا الأخير تنفست الطبقة العاملة في عهده الصعداء.. كنت متدربا في مصنع “سيتروين”، وعايشت لأول مرة، صعود الكونفدرالية العامة، وهي النقابة التي تضم عددا كبيرا من العمال المهاجرين، وكيف تم السماح للأجانب بالتصويت، بينما كانوا ملزمين في وقت سابق بالتصويت لنقابة المشغل.. وقتها كان الحسن قد أعطى للجالية المغربية حق التمثيلية في البرلمان، وكان يمثلنا “عقا الغالي” في أول تجربة، قبل أن تتوقف بعد تعيين وزير للهجرة.

 

 

*** (مقاطعا) نبقى في إطار الحديث عن توتر العلاقات، هناك من يعتقد بأن الرئيس الحالي فرانسوا هولاند مقرب أكثر من الجزائر.. كما أن هناك فرنسيون يعتبرون أن المغرب عشيقة لفرنسا.

 

 

  • أنا لا أظن أن حزب هولاند ضد المغرب، لا يجب أن ننسى أن الرئيس ميتران عندما جاء إلى المغرب في زيارة خاصة ذات يوم، ووجه إليه سؤال حول العمال المغاربة في فرنسا، فقال نحن مسؤولون عن العمال المغاربة في فرنسا، ولايجب طردهم من العمل، بل هم ساهموا في اقتصاد الدولة الفرنسية، ويجب أن نعتني بهم.. هذا الكلام قاله رئيس محسوب على اليسار، ولم نسمع هذا الكلام من طرف المحسوبين على اليوم.

 

*** ولكن هناك وقائع تكذب هذا “الهدوء المزعوم”، ومن بينها التفتيش المهين لوزير الخارجية صلاح الدين مزوار في المطار؟

 

  • الله يهديكم، الإجراءات الأمنية معقولة، وأمريكا مثلا متشددة أكثر من ذلك.. أنا لا أظن أن التفتيش الذي خضع له الوزير، كان لكونه وزيرا في حكومة المغرب، لأنني أعرف أناسا مقربين، وأنا شخصيا أعرف الوزير الحالي المكلف بالعلاقات مع البرلمان (في فرنسا)، جاء إلى المغرب وأعرف عشقهم لهذا البلاد.. أنظروا لعدد الأجانب في البرلمان الفرنسي وفي الحكومة الفرنسية، هذه الأمور لم تكن ممكنة في عهد الحكومات اليمينية..

 

*** ماذا عن محاولة اعتقال مدير المخابرات “الحموشي” في فرنسا؟

 

 

  • أنتم كصحفيين تعرفون، أن القضاء الفرنسي يسير في اتجاه والحكومة الفرنسية تسير في اتجاه آخر، هل تستطيع الحكومة الفرنسية التحكم في القضاء؟ كلا.. هم أنفسهم غير راضين عما يحدث، ووزراؤهم يعتبرون أنه لا يمكن قطع العلاقات مع المغرب.. وسواء تعلق الأمر بأحزاب اليسار الفرنسي أمباليمين فكلهم مع الملك، وليس هناك أي مشكل..

 

*** هناك من يقول بأن خطاب المغرب تغير في الفترة الأخيرة، بدليل أن بعض المسؤولين يقولون إن عهد التبعية لفرنسا انتهى، وهذا الأمر موثق على لسان وزير الخارجية صلاح الدين مزوار في آخر خروج إعلامي له (جون أفريك).

 

  • الإنسان لابد أن يقلق، ونحن نجلس مع رجال الأعمال الفرنسيين، وهم يفضلون المغرب عن غيره بسبب الاستقرار، والحمد لله على وجود الملك.. رغم وجود نقاش، الفرنسيون يعرفون أن المغرب بلد الاستقرار وحكومتهم الحالية تولي اهتماما خاصا للعمال..

 

*** ألا يمكن القول إن التراجع الاقتصادي الفرنسي في المغرب هو سبب التوتر؟

 

 

  • التوتر دائما توتر اقتصادي، أما بالنسبة إلى السياسة فهي دائما محترمة، وسأحكي لكم قصة، جعلتني أشعر بالبكاء: في التسعينيات حضرت اجتماعا كبيرا رفقة المدير العام فؤاد بنزاكور، المدير السابق للبنك المغربي للتجارة الخارجية بباريس، وقتها كنا نحاول إيجاد تمويل لأزمة “القمح” بالمغرب، وفي لحظة من لحظات الاجتماع قال لنا المجتمعون، بأننا يجب أن ننتظر خارج القاعة حتى يتم اتخاذ القرار إما بدعم المغرب أو عدمه، وعندما رجعنا قالوا لنا:”نحن نحترم المغرب ونحترمه كثيرا ونحن مستعدون للتمويل”، والمشكلة لم تقف عند هذا الحد حيث كان يلزمنا الحصول على موافقة الرئيس الفرنسي، وقتها كان رئيس فرنسا هو فرانسوا ميتران، وأنقذنا وزير المالية الفرنسي في الوقت الذي رفضت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تقديم هذا “القرض للمغرب”، لا يجب أن ننسى أن من ساعدنا في وقت من الأوقات هم الاشتراكيون.

 

*** نفهم من كلامك أن الدعم الفرنسي أهم من الدعم الأمريكي؟

 

  • نعم الدعم الفرنسي، لأن الأمريكيين لم يقفوا إلى جانبنا وقت الأزمة..

 

*** هل يمكن أن تلعب فرنسا دورا إيجابيا في قضية الصحراء حسب وجهة نظرك؟

 

  • يجب أن نرجع إلى تصريحات فرانسوا هولاند في البرلمان المغربي.. محيط الرئيس الفرنسي لا يعترف بـ”جبهة البوليساريو”، نحن كودادية للعمال والتجار المغاربة في فرنسا، لو كنا وقفنا على ذلك، لكنا من أول المعترضين على التصويت لصالحهم، ما يلاحظ هو أنهم يحافظون على علاقتهم بالجزائر لأسباب اقتصادية..

 

*** ألا يمكن القول بأن فرنسا أصبحت تعتبر المغرب منافسا لها، في إفريقيا؟

 

 

  • هذا غير صحيح نحن نلتقي بالفرنسيين دائما، نحن نعيش هناك ومثل هذا الكلام لا يوجد سوى في المغرب، وعلاقنا كمغاربة مع فرنسا أحسن من علاقتهم مع الجزائر..

 

*** هناك من يقول بأن العلاقات الطيبة للفرنسيين كانت مع الحسن الثاني وليس مع الملك محمد السادس؟

 

  • فعلا كانت علاقتهم مع الحسن الثاني طيبة، ولكن ربما يكون التوجه الصارم للملك محمد السادس، وعدم رضاه على بعض القرارات هو السبب.. في عهد الحسن الثاني كنا في بداية الديمقراطية وكان من الطبيعي أن يصفقوا لنا.. لكن ما يقوم به الملك محمد السادس هو إكمال هذا المشوار وهي العملية التي قد تغضب البعض، وربما تكون المنجزات التي يحققها محمد السادس هي ما يغضب الفرنسيين.. غير أننا يجب أن ننتبه حيث لا يمكن أن نجمع كل الفرنسيين في سلة واحدة، هناك اليسار وهناك اليمين ولكنهم يتفقون جميعهم عندما يتعلق الأمر بمصلحة بلادهم، كما وقع مؤخرا في قضية “شارلي إيبدو”..

المغرب بلد “فرانكفوني”، ولا يمكن أن نتصور خصاما بينه وبين فرنسا، فما ندرسه هو العربية والفرنسية، وكل من اليسار واليمين في فرنسا يتفقون حول المغرب، كما يتفقون حول سياستهم الخارجية..

 

 

*** هل من تأثير لتفجير صحيفة “شارلي إيبدو” في المغاربة؟

 

  • هناك تأثير، وهذا حادث لا يمكن قبوله، لا يمكن أن نقتل من يسب الله والرسول، عن طريق الإرهاب، أنا أعرف أحد الأشخاص الذين لقوا مصرعهم في هذا الحادث وهو أستاذ اقتصاد درست عنده، تزامن وجوده هناك مع الهجوم على “شارلي إيبدو”..

 

**** ولكن الملاحظ أن “شارلي إيبدو” استمرت في هجومها على شخص الرسول..

 

  • الغلط الذي ارتكبته “شارلي إيبدو”، هو استمرارها على نفس الخط التحريري، وحقا هناك متضررون من ذلك، كانوا في البداية يطبعون ثلاثة ملايين وهاهم اليوم طبعوا سبعة ملايين نسخة؟

 

*** ما رأيك في الموقف الذي اتخذه المغرب بمقاطعة مسيرة باريس، ضد الإرهاب؟

 

  • المغرب من حقه أن يتخذ القرار الذي يراه مناسبا.. ولكن، يجب أن نعرف أن هناك فرقا بين من يعيشون هنا وبين من يعيشون في عين المكان، نحن لنا رأي آخر ونعتقد أن المغرب كان عليه أن يشارك في المسيرة مثله مثل الآخرين، لأننا نحن أيضا مستهدفين، ومقاطعة المسيرة قد تخلق مشكلا للجالية المغربية في فرنسا، وليس هنا في المغرب.. هذا خطأ دبلوماسي بكل صراحة، رغم أنه خطأ مفهوم.. نحن في فرنسا كنا نتمنى مشاركة الوزير كي نبقى محميين، خاصة مع وجود عدد كبير من المغاربة هناك.. فلسطين كانت مشاركة، رغم مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذن لماذا لم نحدو نفس الحدو؟..

 

أول من اقترح على الحسن الثاني تعيين وزير للهجرة

 

*** كنت أول من طلب من الملك الحسن الثاني تعيين وزير للجالية، فكيف حصل ذلك؟

  • كنا مجتمعين ذات يوم في مقر فيدرالية العمال والتجار في باريس، وقتها اتصلت بشخص عزيز علي كان مديرا في الإذاعة والتلفزيون، واسمه عبد الرحمن عاشور، كان قد حدد لي موعد وصول الملك الحسن الثاني إلى منطقة “لابول” الفرنسية، للمشاركة في المؤتمر الفرانكفوني، واقترح علينا زيارة الملك، فقلت له بشكل ضاحك: الفرق بين لابول وباريس هو 600 كلم، فقال لي: “واش عزيتو 600 كلم فسيدنا”، فقلت له “عندك الحق، سأستشير مكتب فيدرالية العمال، وفعلا وجدنا أن أغلب العمال متحمسين لملاقاة الملك، ولكننا اتخذنا قرارا قبل الخروج من العمارة، وهو أننا يجب أن نقدم للملك طلبا، وهو تعيين كاتب دولة في شؤون الجالية والهجرة.

وصلنا إلى “لابول” ونزلنا بشكل عادي في أحد الفنادق، واجتهدت من تلقاء نفسي، وقلت للمسؤولة عن الفندق، إننا تابعون للوفد المرافق للملك(..)، فوصل العدد إلى أكثر من 400 شخص، فاتصلت بالسفير يوسف بلعباس، رحمه الله، وطلبت منه تنسيق اللقاء مع الملك وفعلا قدمنا الأسماء المقترحة، واتفقنا على كلمة موحدة.. قبل أن يستقبلنا الملك على متن باخرته.. كنت أول من دخل إلى المكان حيث يوجد الملك، وبعد أن قدمنا كلمتنا، عرض علينا الملك شرب الشاي.. قبل أن تسنح لي الفرصة للقاء الملك وجها لوجه، عندها قلت للحسن الثاني: “سيدنا عندنا طلب.. نريدك أن تعين لنا كاتب الدولة في الهجرة”، جمع يديه وقال لنا: “هي من الآن عندكم، انتظروا فقط دخولي للمغرب كي أنفذ ذلك”، وفعلا لم تمض سوى بضعة أيام على تعيين “وزير” للهجرة، ويتعلق الأمر برفيق الحداوي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!