في الأكشاك هذا الأسبوع
محيي أمزازي قطب الاستعلامات المغربية: "عندما استيقظنا سنة 2011 وجدنا الخصاص كبيرا"

الحـقــيقة الضــــائعة | حتمية مراجعة المغرب لسياسته الأمنية مع فرنسا

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

    لكل دولة شبابها المتبوع بهرمها.. وأخطر ما في هرم الدولة، ما كتبه عن هذه الظاهرة، مفكر هرم(…) عاش مع الكثير من السلاطين والأحداث، هو المؤرخ الكبير، عبد الرحمن بن زيدان، صاحب كتاب “اتحاف أعلام الناس”، وقد خلف لنا(…) من تجربته، هذا الوصف الدرس(…) عن هرم الدولة: ((يظهر الهرم على الدولة، إذا تكاثر المصطنعون “بفتح الطاء طبعا”، واشتغل السلطان ووزراؤه بأنفسهم عن الدولة، وفسدت أمورها، ويزيدها فسادا، اضطرار الملك ورجاله، إلى النفقات الباهظة على أنفسهم في سبيل الملذات، وبناء القصور، واقتناء الجواري، والاستكثار من أسباب الترف، ويكثرون الضرائب، فتنتشر المظالم، ويتشاورون عن فساد الدولة، ويتمنون الخلاص منها، أما الملك فلا يهمه يومئذ غير حفظ نفسه واستبقاء نفوذه، فينفق الأموال في التجسس(…) واصطناع الجند لحمايته، وكثيرا ما تنشب الفتن بين رجالات النفوذ، أو بينهم وبين الملك، وتكثر الأحزاب(…) ويصبح الأمر فوضى، فيعجز الملك عن تدبيره)) (اتحاف الأعلام. عبد الرحمن بن زيدان).

استنتاج هرم الدولة، يلخص الوضعية كما كانت أيام السلطان مولاي عبد الله، ولد الصحراوية المشهورة، خناتة بنت بكار والذي حكم المغرب ما بين سنتي 1729 و1757، وما كان يمكن للدولة أن تهرم بين يديه على مدى ثلاثين عاما من حكمه، ولكنه ومن خلال وصف المؤرخ بن زيدان، يظهر أنه لجأ إلى سلاح من الأسلحة التي لازالت مشحوذة في عصرنا الحاضر وهو سلاح المخابرات، بعد أن أكد الكاتب، أن الملك عندما يبدأ هرم الدولة، ويصبح هذا الهرم، خطرا عليه، فإنه يلجأ إلى “إنفاق المال في التجسس” تماما كما تفعل اليوم كل دول العالم، بما فيها المغرب طبعا.

ولقد كان الملك الحسن الثاني وفي عز شباب الاستقلال المغربي، لا ينتظر هرم الدولة، ليحصر اهتمامه في إقامة الهياكل المخابراتية، التي كان الجنرال أوفقير يعتبرها أساسا للاستقرار، عبر التعامل بعنف، مع المعارضين الذين لهم وجهة نظر مخالفة له في مجال التنظيم الداخلي، وعصرنة أسلوب الحكم، لكن الحسن الثاني، غرق في مسايرة الأسلوب العنيف الذي تمارسه أجهزة الاستخبارات، وسلم المفاتيح الملطخة بالدماء، إلى الخلف الجنرال الدليمي، الذي استعان بصديقه القطب المخابراتي الأمريكي “كوغان” لإقامة أسس جبارة لأجهزة المخابرات المغربية. وهو الذي ارتأى إقامة هياكل متعددة للمخابرات تنطلق من تنوع أطرافها: جهاز المخابرات للاهتمام بالاتصالات الخارجية، والديسطي، التي كانت أصلا، فرعا من فروع وزارة الداخلية، وأسند المهمة الأكبر، التي تراقب التحركات السياسية الداخلية إلى جهاز يسمى الاستعلامات العامة، وقد أسند إدارة هذه المؤسسة الأخيرة إلى قطب استعلاماتي كبير، محيي الدين أمزازي الذي وصفه مؤخرا، الصحفي يونس مسكين، بأنه كان: ((المنظر للعقاب صاحب القبضة الأمنية، أقوى رجالات الداخلية، الذي دخل في غيبة لأسباب غامضة(…))).

وكان الوزير القوي، البوليسي سابقا، إدريس البصري قد تفرد وحده، إضافة إلى مهامه، بإدارة جهاز الديسطي، إدارة حماية التراب الوطني، التي لا دخل لها إطلاقا، مبدئيا، في شؤون الاستخبارات الخارجية، ليسجل البصري أول هزيمة لجهازه، مرة، عندما أقيمت ضجة عالمية حول قضية اعتقال زوجة الجنرال أوفقير وأولادها، قادتها زوجة السياسي الفرنسي ميتران، دانييل التي فوجئ رئيس الديسطي البصري وهو يبحث عن الأماكن التي اختبأت فيها عائلة أوفقير، بطنجة: ((ليتضح فيما بعد، أن الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية، أرسلت بدون علم الديسطي، ضابطا فرنسيا يسمى “هيرفي كاريان” ليجتمع في مرآب للسيارات، بأفراد عائلة أوفقير، وكان هذا المكلف بهذه المهمة البوليسية، في طنجة هو مذيع سابق في قناة ميدي آن، ضابط إذن في المخابرات الفرنسية، جاء ليتفق مع عائلة أوفقير، على طريقة تبليغ رسائلهم إلى الجهات الفرنسية، الشيء الذي بلغ إلى علم مدير الديسطي البصري مؤخرا، ليتصل بعامل طنجة ويكلفه هو أيضا بزوجة أوفقير وأولادها، ليستدعيهم للعشاء)) (ستيفان سميت. كتاب أوفقير).

ويبقى السرد المطول للصحفي الفرنسي ستيفان سميت عن هذه الحادثة، مؤشرا على أن الأجهزة الفرنسية، متضلعة في القضايا الداخلية للمغرب، في غيبة الأجهزة المغربية طبعا.

ورغم أن المراحل الأولى في حياة الديسطي المغربية، كانت مطبوعة، وخاصة في عهد إدريس البصري، بهيمنة ضابط أمني كان يسمى قدور اليوسفي، وقد تغول هو أيضا في مجال التنكيل بأقطاب المعارضة المغربية، فإن المدير العام للاستعلامات وقتها محيي الدين أمزازي، وبعد أن بلغ من العمر عتيا، وأصبح مؤخرا، يفضل الكتابة المتخصصة في القانون الجنائي، ويعترف على ضوء تجربته السابقة بأن: ((المجال الجنائي المغربي يتسم بالضعف والنقص الكبير لأننا عندما كان الآخرون يتقدمون كنا نتراجع باسم الخصوصية تارة، والتقليد تارة أخرى، لهذا عندما استيقظنا(…) سنة 2011 وجدنا الخصاص كبيرا)) (ندوة معهد التعليم العالي. 30 يناير 2014).

المجال الجنائي طبعا، هو أساس الشرطة، سواء كانت مكلفة بالقضايا السياسية، أو قضايا حوادث السير.

أكيد، أن ما يصفه هذا الخبير الأمزازي، بالضعف والنقص الكبير، في المجال الجنائي، إذن الأمني، استفحل ربما هذه الأيام، نتيجة الجمود في التحركات، والتعيينات، حيث هيمنت ظاهرة الاستمرار الصامت، مقارنة مع ما جرى سنة 2006، حين تم توقيف مدير الاستعلامات العامة، عبد الجليل عبدون، الذي اتهم بتسريب معلومات إلى إحدى الأسبوعيات(…) رغم تجربته المطبوعة بالحس الاستخباراتي المرتفع، ومواكبته لمدير المخابرات والأمن العام الجنرال العنيكري، ولكن مصاهرته لواحد من أقطاب المتابعين أمنيا بطنجة، لم تؤثر على مهمة مدير الاستعلامات، بقدر ما تأثرت بها أوساط الأمن على كل مستوياتها، حيث أصبحت زوجة مدير الاستعلامات بين ثروة أبيها، ومكانة زوجها، تجعلها تتطلع إلى سماء العجرفة، متحدية كل أقطاب الأمن، ومتحدية حتى المدير العام العنيكري، الذي لم يقبل تجبرها(…) ليظهر التأثير الكبير لدور النساء، الزوجات على الخصوص، على حياة المسؤولين الأمنيين الكبار. ورغم تهافت الصحف في ذلك الوقت من صيف 2006، على البحث عن أسباب توقيف مدير الاستعلامات عبدون، فإنها – من الناحية الأخلاقية فقط – رفضت الإشارة إلى العلاقة بين زوجته وبين قرار توقيفه، لتتضخم القضية – ومرة أخرى – بتدخل الأجهزة الفرنسية للاستخبارات التي استدعت الجنرال العنيكري لباريس، رفقة المدير الجديد للاستعلامات المغربية، عبد الحق باسو، الشيء الذي يترك الاحتمال قائما، بكون إبعاد “عبدون” كان برغبة من الأجهزة الفرنسية، وهي التي كشفت للمدير العام العنيكري ولمدير الاستعلامات الجديد، باسو عن خبايا التهديدات الأمنية والإرهابية وتنامي الحركات الإسلامية المتطرفة في مناطق عدة من التراب الفرنسي، وكشف الفرنسيون للعنيكري، عن أسماء أقطاب إسلاميين مغاربة، يشكلون في نظر الأجهزة الفرنسية، خطرا على المغرب وفرنسا، وهي الجزئية التي يظهر أنه في سنة 2014، تم تناسيها، في خضم القطيعة التي أصابت العلاقات الأمنية الفرنسية المغربية هذه الأيام ((وقد فوجئ الجنرال العنيكري أثناء زيارته لفرنسا، بتسلم تسجيلات للمكالمات الهاتفية التي تم التصنت عليها، مع اكتشاف أكبر، خارج عن إرادة فرنسا نفسها، وهو استقطاب الأجهزة الأمريكية، لجيل من الإسلاميين المغاربة، الذين تستعين بهم منظمة السيا الأمريكية، في مواجهة ظاهرة الانتحاريين، التي ارتبطت وقتها بالحرب الأمريكية ضد منظمة القاعدة في أفغانستان)) (سعيد منتسب. الاتحاد الاشتراكي 22/7/2006).

العمل الاستخباراتي، وقد بلغ أوجه في عهد الحسن الثاني، جعل هذا الملك العظيم، يلخصه للتاريخ(…) بقوله: ((إن أجهزة المخابرات، لها دور كبير في صناعة الأحداث، فعندما نتعامل في قضية ما مع رؤساء الدول، ونحتاج لهم(…)، فإنه يتحتم تجاوز السبل الدبلوماسية التقليدية وحتى القنوات الاستخباراتية، لنكلف بتبليغ الرسالة رجل ثقة، حتى يتم تبليغها مباشرة وبدون أي انحراف(…) ولكي تصلنا الأجوبة، في ظرف أربعة وعشرين ساعة، ذلك أن التعامل في مجال المخابرات، لا مجال فيه للتلاعب فلا تلاعب مع هذه الأشياء)) (مذكرات الحسن الثاني. إيريك لوران).

ليفهم من تجربة الحسن الثاني، أن التعامل في مجال المخابرات، لا يرتبط بالأشخاص، مهما كان علو مهامهم الرسمية، لأن التعامل يكون على مستوى الدولة، لا على مستوى الأشخاص.

ليبقى التساؤل عما إذا كانت الهزة التي عرفتها أجهزة المخابرات المغربية هذه الأيام، والتي نسبت إلى الهاكرز الإلكتروني، كريس كولمان، وتكلفت الصحافة بنسبها إلى الجزائر، هي في الواقع ردة فعل للأجهزة الفرنسية القوية، كنتيجة لحادث استقبال مدير مخابرات المغرب، حين استدعى السفير الفرنسي ليحتج لديه على هجوم الضابط المتمرد، أديب على المستشفى الذي كان يقيم به الجنرال بناني في باريس، بينما التقليد الدبلوماسي، الذي تحدث عنه الحسن الثاني يقضي بأن يكون استدعاء السفراء، من اختصاص وزير الخارجية، لأن مهمة المسؤول الأول عن المخابرات إذا كان مقربا لرئيس الدولة، هي تجاوز التقاليد الدبلوماسية، والتكلف بالمهام السرية(…) لدى رؤساء الدول الأجنبية، حتى لا تتأثر علاقات الدولتين، بالمشاكل الداخلية للاستعلامات الوطنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!