في الأكشاك هذا الأسبوع

مراكش.. مدينة أكثر من “سبعة رجال”

الأسبوع – محمد بركوش

      مراكش (وكم هي جميلة هذه الكلمة) واحدة “من أهم مراكز التصوف في المغرب العربي”، مدينة “متعددة الخصائص والمميزات والعناوين في أذهان العالم ووجدانه، حملت عبر تاريخها الطويل أسماء عدة وما تزال، ونقشت على أسوارها مجموعة عناوين يستديل بها الزائر”، هي “عاصمة إمبراطورية عظيمة مدينة النخيل والبهجة، مدينة السر والأسرار، الربح دون الخسران” هكذا قالت الأستاذة مالكة العاصمي في ندوة ولا أروع نظمها المجلس العلمي بمراكش تحت عنوان ملفت هو: “أبو العباس السبتي ومشروعه الإحساني” بمناسبة ذكرى مولد أشرف الخلق محمد عليه الصلاة والسلام، هكذا تكلمت، بلغة ساحرة خارجة عن مألوف اللسان، لغة بمعايير جميلة دقيقة (كما قال صلاح أبو شريف)، لم تخن معها تحفظ العبارة، رغم أن ما نقلته يعزف لأول مرة على وتر حساس، من شأن الضرب عليه إيقاظ حدة النقاش حسب رأي الكثيرين، ويحقق قناعة جديدة بها نوع من التمرد على النوع الذكوري الذي طالما أخفى عن قصد أو عن غير قصد همة المرأة، ومنع نون النسوة من الظهور ضمن اللائحة الطويلة للمصلحين والأولياء بمراكش.

شيء ما كان يكبر وينمو وسط فتنة المساء، يصعد رويدا من ذاكرة الليل البعيد (محمد الشيخي)، يمشي بكل الخطوات في رحلة إلى الماضي، بل إلى تخوم الماضي الذي نجهل عنه كل شيء، ولا نعرف عنه إلا العناوين والأسماء المجردة عن الفعل والذات والنسك، أسماء كثيرا ما كانت تتوارى قوتها وفناؤها في حب الله تعالى خلف ستائر الجهل واللامبالاة، رحلة أعادت من خلالها شريط المساحات الأرضية المقطوعة والمسافات التاريخية المجهورة لأسباب كثيرة، كل ذلك من أجل اكتشاف أشياء جديدة وحصر مفاهيم مشتبكة واعتقال فضاءات تكفي للفناء فيها والذوبان عن طريق التعرف بين أحضانها، وسط رياضات حافظت رغم مرور عقود وعقود على طقوسها وما تولده من خشوع وإيمان عميق.

ولجت الأستاذة مالكة العاصمي المدخل المخصص لها في المحاضرة بهالة من الاشتغال وقامة من الزهو وضعتنا قبالة عمل تفننت صاحبته في منحه الرونق والجاذبية الأخاذين، وإعطائه الخاصية الفريدة التي ظلت الأستاذة تناضل من أجل بلورتها وترسيخها، مُسَخِّرَةً في ذلك إمكانات هائلة وغير محدودة للتعبير عن تصوراتها وعن عشقها للمدينة التي تربت على صبوتها وأخذت منها الشموخ والأنفة والحياة المتواضعة التي تسمو فيها الأخلاق والقيم والمبادئ، وتغيب عنها السخرية (من البشر) والرعونة (وقلة الحياء)؛ دخلت كما عهدناها وكما عودتنا على رؤيتها منارة ذات الأفق المشع، دائمة الإبداع والوهج سباقة قبل غيرها إلى إخراج المدينة الحمراء من ظل الهامش “لأنها لا تؤمن بالفكرة القائلة بأن لهذا الأخير سحره وبهاؤه كما يرى نجيب خداري، بل ترى فيه الجحيم وكل الجحيم”، دخلت بعد أن اختارت في اللقاء “المحاضرة” مسارا غير مأمون المأخذ، لا تكفي فيه السطحية واللمس من بعيد، لأنه يتطلب درجة عالية من البحث، ومن التفكير والدراسة المعمقة، حملتنا إلى عين تفجر ماؤها السلسبيل على كواعب لم يطأن إلا المسك والكافور كما قال أحد الشعراء.. طوحت بنا إلى نبع خفي انطلق من أنهار سندسية اهتزت العقول من سيلها وربت ثم أخرجت ما بها.

تحدثت الأستاذة الأديبة بكلام كمذاق الحلم أحسسنا معه بلذة قصوى.. لذة المعرفة في امتدادها نحو اللانهائي عن مراكش المدينة، التي سحرتها منذ أن رأت النور داخل بيئة علمية ملائمة ومناخ اجتماعي حاضن ومحفز على الإبداع والعطاء، وعن رجالاتها الذين ليسوا سبعة كما هو مشاع (شاي الله آ سبعة رجال)، هم أكثر من ذلك بكثير، إذ في كل شبر من أراضي المدينة الخالدة والنائمة في ظل البركات يتمدد اسم من الأسماء العظيمة الذي خلفت تراثا وتأثرا وتركت أثارا كثيرة، والاقتصار على سبعة هو مجرد تيمن برقم مقدس كما قالت الأستاذة العاصمي في التراث الإسلامي، ولكون الاقتصار عليه يفيد “لتسهيل مأمورية الزائر والتقليل من متاعبه وجهده”، وتوقفت السيدة المحاضرة عند ظاهرة المواسم (مواسم الصلحاء)، وهي كثيرة جدا، يتقي في برامجها بالمناسبات الدينية خاصة، حتى تكون الفرحة فرحتين كما قيل، وأفاضت في ذكر دور أولئك “الصلحاء والمهام التي نهضوا بها والوظائف التي اشتغلوا فيها أو مارسوها إلى جانب نساء صالحات خالدات، مذكرة بالدراسة التي أنجزتها في الثمانينيات عن (المرأة في الجغرافية شهادة على الثقافة والتاريخ)، وقدمتها إلى الأمم المتحدة كوثيقة شاهدة على عظمة المرأة المغربية بالخصوص وعلى قوتها وتفهمها للدور الذي يجب أن تلعبه إلى جانب الرجل، قوة أهلتها “لتخلد في المجال” وتترك اسمها موشوما في الذاكرة، ولتسجل حضورها في “الحياة العمومية” ومساهماتها في السياسية، والعلوم، والفنون، والآداب، وفي البطولات والحروب، وغيرها”، ووضعتها (أي الوثيقة/ المؤلف) رهن الإشارة بكل الدلائل الدامغة والداحضة “لما يروج عن المجتمعات الإسلامية من تهميش للمرأة وتبخيس لها”.

لم تنس السيدة مالكة الشاعرة والباحثة أن تعرج على المجالات التي “استعملها المصلحون والمصلحات، والفضاءات التي استغلوها لأنشطتهم الدينية”، منها “الحضار والمسيد والجامع” وكذلك الأماكن الملحقة بها، ومنها المطاهر وتعني فضاءات الطهارة والوضوء من مراحيض ومغاسل وغيرها، وهي أماكن تقول الأستاذة (ضربوا عليها الطم)، بعد أن كانت المدينة تتوفر على عدد لا يحصى منها (خاصة العمومية)، سواء في الدروب أو في الشوارع أو في الأسواق أو في الفنادق (بسكون الفاء)، وفي المصانع ومختلف المواقع للتجاوب مع متطلبات “وحاجيات العابرين والعاملين والمسافرين وغيرهم، وتقريبها من رواد بيوت الله (المساجد)، على اعتبار أن المطاهر جزء “أساسي في البنيات المعمارية للمساجد في كل بقاع العالم”.. بنيات اختفت كلها في عصرنا الحاضر، ولم يعد لها أثر رغم الحاجة الماسة إليها، وهي شكوى لله تقول الأستاذة “ظللت أجأر بها دون أن تجد آذانا تسمعها” منذ العامل طارق رحمة الله عليه والوالي بلماحي ورؤساء كل المجالس البلدية.

(الوفا الروحي الجزولي…).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!