في الأكشاك هذا الأسبوع
المهدي بن بركة يقبل يد محمد الخامس (صورة خاصة بالأسبوع)

روبورتاج | كيف تسبب أحرضان والحسن اليوسي في القضاء على شعبية علال الفاسي

      مع عودة محمد الخامس من المنفى وحصول المغرب على الاستقلال كان حزب الاستقلال في أوج قوته، واشتدت قوته مع عودة علال الفاسي (زعيم حزب الاستقلال الأكبر)، الرجل الوحيد الذي كان بإمكانه أن يقف أمام محمد الخامس من حيث الهيبة والشعبية. وقد دشن الرجل عودته القوية بخطاب مارس 1956، وأقلقت تحركاته ونشاطاته كل المكونات السياسية المغربية، حتى صار حزب الشورى والاستقلال يتحدث عن انقلاب وشيك على محمد الخامس من طرف حزب الاستقلال(..).

وتؤكد الوثائق الفرنسية أن محمد الخامس عمل على وضع خطة لمواجهة حزب الاستقلال، تقتضي بمطالبة الفرنسيين في التعجيل بتأسيس الجيش الملكي ليكون ركيزة وأداة لمواجهة نفوذ وقوة حزب الاستقلال. وفعلا “رضخ” الفرنسيون لمطالب الملك فتأسس الجيش الملكي في ماي 1956، وخاب ظن علال الفاسي وأخفقت كل محاولاته في الوقوف أمام الملكية.     

 ————————  

 بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

           توجد وثيقة من وثائق الديبلوماسية الفرنسية تحمل رقم: 431 ومؤرخة بـ26 يونيو 1956، موضوعها هو “تطور وضعية علال الفاسي السياسية بعد تأسيس الجيش الملكي”، تبرز لنا تزايد نفوذ وقوة القصر؛ فهي توضح تطورات الوضعية السياسية لعلال الفاسي الذي بدأ نجمه يخفت، وأخذ يقرب المسافات بينه وبين القصر، وذلك بعد التطورات الأخيرة التي عرفها المغرب، ولعل من أبرزها تأسيس الجيش الملكي، وإدماج جيش التحرير فيه، إذ تشير هذه الوثيقة إلى أن هذا مرتبط بأمرين، أولهما: التنافر الحاصل بين علال الفاسي والأمين العام لحزب الاستقلال أحمد بلافريج. والثاني هو أن علال الفاسي لاحظ ظاهرتين منذ توقيع اتفاقية 2 مارس 1956، تمثلت الأولى في تنامي قوة القصر شيئا فشيئا، في ما تكمن الظاهرة الثانية في كون أن جيش التحرير أكبر من أن يجعله حزب الاستقلال تابعا له.

أما الفقرة الثانية من هذه الوثيقة، فهي تتعلق بموقع القصر في الخريطة السياسية المغربية ابتداء من هذه المرحلة، حيث توضح أن كل مكونات الحكومة، وخاصة الوزراء المنتمون لحزب الاستقلال يعلمون أن سلطات القصر ما لبتت تزداد يوما بعد يوم، كما أن بلافريج قدم ضمانات الوفاء للسلطان، وتضيف أن جيش التحرير بدأ يتبع صديقي القصر، وهما: الحسن اليوسي، والمحجوبي أحرضان.

وتخبرنا الوثيقة بأمر مهم، هو أن علال الفاسي صار يحاول الحفاظ على مكانته وهيبته في الخريطة السياسية المغربية عن طريق مطالبته بموريطانيا والصحراء(..)، وهذا أمر مخالف لما هو شائع عن أن حزب الاستقلال بزعامة علال الفاسي كان يطمح إلى استكمال الوحدة الترابية للمغرب عن طريق المطالبة بالصحراء وبلاد شنقيط بمعنى موريطانيا. ومما يبين أن مطالب حزب الاستقلال لم تكن بريئة وكانت في حقيقتها مجرد أداة حاول علال الفاسي استعمالها من أجل معارضة نظام الحكم الذي كان يقوده محمد الخامس، أن الحسن الثاني ضرب مطالب حزب الاستقلال عرض الحائط عندما قال “لو كنت ملكا لحظة استقلال موريطانيا لكنت أول المعترفين بها“، وإن كان في تصريح الملك معنى فإنه كان على علم بمخطط حزب الاستقلال لاستعمال المطالبة بموريطانيا جزءا من الدعاية من أجل معارضة الحكم.

وبعدما أكد علال الفاسي خلال تأبينه للطريس في سنة 1970 أنه يتمنى الموت بسبب الخجل الذي يشعر به من جراء ضياع موريطانيا، طلب أوفقير من الحسن الثاني أن يقوم بتصفية علال الفاسي، كما أن المهدي بن بركة أصبح منذ سنة 1958 يرى بأنه لا طائل من المطالبة بإلحاق موريطانيا إلى المغرب، حيث بات يرى أن الاستمرار في هذا المطلب لا يشكل سوى تبذيرا للمال والسير بالعلاقات المغربية الفرنسية نحو الطريق المسدود، كما رأى أن فرنسا لن تسمح للمغرب بأي حال من الأحوال أن يلحقموريطانيا به. وبهذا انتهت المرحلة الأولى من معارضة حزب الاستقلال للملكية بالفشل، حيث استقلت موريطانيا فعليا سنة 1960.

“التعريب” كأسلوب للمعارضة

أما المحطة الثانية التي عارض خلالها حزب الاستقلال نظام الحكم بصفة مباشرة، فهي مرحلة انطلقت عندما خرج الحزب من الحكومة في 27 يناير 1963 إلى المعارضة، وامتدت معارضته للحكم أثناء مرحلة “حالة الاستثناء”. حيث ومنذ تحوله إلى المعارضة مارس معارضة مشاغبة داخل البرلمان الذي افتتح في 18 نونبر 1963، لتتضح مواقفه بجلاء مع مؤتمره السابع في 12 فبراير 1965 الذي بين أن الحزب أصبح معارضة ضد الملك وليس ضد الحكومة، حينما قال علال الفاسي في خطابه في المؤتمر “وجب القضاء على الإقطاعية والطبقة المسيطرة“، وأعقبه نشر جريدتي “الأمة الإفريقية” و”الاستقلال” نص لجمال الدين الأفغاني “العرش بالشعب والشعب بالعرش”، الأمر الذي بَيَّنَ نوايا الحزب من جديد وهو عجل بحملة قمع ضده، حيث تم حجز الصحيفتين بتهمة نشر نصوص تضر بالأمن العام(..).

غير أن المعطى أو الشعار الذي ارتكز عليه الحزب خلال هذه المرحلة من معارضته للحكم برز بصفة أساسية بعد أحداث 23 مارس 1965 الدموية، فالوثائق الفرنسية تشير إلى أن حزب الاستقلال بعد هذه الأحداث التي هزت عرش الحسن الثاني سيعمل على تبني بعض المطالب التي كانت تعتبر في تلك المرحلة من أهم المطالب الشعبية، وهما مطلبان: أولهما، تعريب التعليم الذي كان موضوع الساعة وكان الكل يطالب به، وثانيهما الإصلاح الزراعي واسترجاع الأراضي الفلاحية من المعمرين الفرنسيين.

وفعلا فقد تبنى حزب الاستقلال مطلب المطالبة بالتعريب، ودارت مشاورات بين جل الأطراف السياسية حول مشكلة تعريب التعليم خلال سنة تقريبا، غير أن خروج وزير التعليم يوم 6 أبريل سنة 1966 بتصريح للصحافة أكد خلاله استحالة تعريب التعليم في ظرفية قصيرة، وأقر العودة إلى تعليم المواد العلمية بالفرنسية في المرحلة الثانوية، جعل الأطراف السياسية تشن حملة ضد هذا التصريح بما في ذلك حزب الاستقلال.

وتتحدث وثائق أمريكية، ومنها تقرير أمريكي صدر بتاريخ 12 يونيو 1972 عن أن علال الفاسي خلال مرحلة “حالة الاستثناء” كان على استعداد للدخول في مناقشات مع الملك إلا أنه كان يرغب في أن يبقى “حزبه هو المهيمن“، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تقويض جهود تعاون حزبه مع باقي الأطراف السياسية. وفي إطار سعيه إلى إبقاء حزبه كقوة سياسية مهيمنة في البلاد، فقد حاول الحزب الضغط على القصر بواسطة قضية التعريب مرة أخرى، وذلك بعد المحاولتين الانقلابيتين 1971 – 1972، حيث نظم في سنة 1973 حملة كبيرة من الالتماسات المطالبة بالتعريب، في محاولة منه لمعارضة نظام الحكم. غير أن إثارة قضية الصحراء ابتداء من سنة 1973 حول الأنظار عما هو داخلي وكون إجماعا حول الملكية، لتطوى بذلك صفحة أخرى من صفحات الشعارات أو المطالب التي حاول من خلالها حزب الاستقلال معارضة الملكية، وباءت بالفشل.

ahrdan

المحجوبي أحرضان

عندما امتطى حزب الاستقلال صهوة المطالب الاجتماعية

 أما المحطة الثالثة التي عارض فيها حزب الاستقلال الملكية، فهي مرحلة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وذلك عندما شهد المغرب انتفاضتين شعبيتين تباعا كانت الأولى سنة 1981 والثانية سنة 1984. وقد أفرزت الانتفاضتان من الناحية السياسية تقاربا بين الأحزاب السياسية التي ستشكل ما سيعرف بالكتلة سنة 1992 (ضمت حزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي). وهذه المرة لم يرفع حزب الاستقلال وحده شعار المرحلة، بل رفعته كل الأحزاب التي شكلت الكتلة الديمقراطية، حيث رفعت هذه الأخيرة شعار مطالبة النظام الملكي بالقيام بإصلاحات سياسية، لاسيما منها: تعديل الدستور، وإجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية، والزيادة في الأجور.

وقد كانت هذه المطالب تعتبر تحديات المرحلة، إذ كان المغرب يعيش من الناحية الاقتصادية وضعية اقتصادية متدهورة تترجمها بعض المعطيات الرقمية، حيث بلغ عجز الميزانية نسبة 2.25٪ سنة 1989، ووصل العجز التجاري في نفس السنة نسبة 13.2٪ مليار درهم بسبب نمو الواردات ونقص الصادرات، كما بلغ عجز ميزان الأداءات نسبة 3.7٪ من الناتج الداخلي الخام، وتم تخفيض العملة عدة مرات مما ترك مضاعفات كبيرة على انخفاض الأجور وارتفاع الأسعار، وتلا ذلك أن دعت المركزيتان النقابيتان التابعتان لكل من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهما: الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وذلك يوم 14 دجنبر 1990.

 تجدر الإشارة إلى أن هذه الدعوة كانت أولا في أبريل من نفس السنة، وهذا الإضراب هو الذي كان بداية الأحداث الاجتماعية التي حصلت بالمغرب سنة 1990، والتي تسمى بأحداث فاس 1990، (للإشارة، فقد كان من المتورطين الأساسيين فيها حميد شباط نفسه وتوبع قضائيا ولم يخرج من القضية إلا بعد عفو ملكي سنة 1996).

مواقف شباط ومحاولة إرجاعه الماضي 

إن الخلاصة من استعراض مسار الحزب خلال هذه المراحل هي أننا لاحظنا أن الاستقلال طوال محطات صراعه مع الملكية لم ينل منها شيئا، حيث كان دائما هو الخاسر كما لاحظنا من خلال مرحلتي 1956 – 1960 و1965 – 1973، ولكن عندما اتحد مع الأطراف السياسية الأخرى، حصل على تنازل الحسن الثاني وتم فتح النقاش حول تعديل الدستور.

والملاحظ اليوم أن حزب الاستقلال استوعب الدرس، فقد حاول بداية إحياء الكتلة الديمقراطية عن طريق تجديد التحالف مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكي لا يعارض وحده، ثم التحالف مع العدل والإحسان، ولكن اليوم مختلف عن الأمس من عدة نواحٍ، ففي كل المراحل التي كان حزب الاستقلال يتجرأ على تحدي الملكية كان دائما ما يفعل ذلك عندما تكون الملكية في موقف ضعف، أما اليوم، فالملاحظ أن الملكية في أوج قوتها(..)، كما أن العدل والإحسان مازالت لم تقدم موقفها من محاولة تقرب شباط منها، فقد رفضت الجماعة التحالف مع العدالة والتنمية الأقرب إليها من حيث المرجعية الإيديولوجية، فكيف سيستقبل التحالف مع شباط؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!