في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبــــــوع | كيف فقدت الملكية ثقتها في رؤساء فرنسا؟

الرباط – سعيد الريحاني

         هل سألتم أنفسكم يوما: ماهي أبشع صفة يتميز بها بعض الفرنسيين؟ الجواب على لسان المحامي موريس بوتان: “لا أريد أن أعمم ولكن أبشع صفة يتسم بها مواطنونا هي العنصرية، وإن كان أغلبهم غير واع بذلك.. فإذا كان من الطبيعي أن يخاطب الفرنسي مغربيا باستعمال ضمير المخاطب المفرد، فالعكس غير مقبول، بل إن نقيبا للمحامين بالرباط عاتبني يوما لأن كاتب ضبط اعتدت أن أخاطبه بضمير المفرد، أجابني مستعملا نفس الصيغة.. فبالنسبة إلى الفرنسيين بالمغرب، كل خادماتهن يسمين فاطمة، وكل مغربي يسمى محمد”.

هكذا باختصار يلخص المحامي ذي الأصول الفرنسية “بوتان” في كتابه الصادر تحت عنوان:”الحسن الثاني..دغول.. بن بركة.. ما أعرفه عنهم”، مشكلة بعض الفرنسيين، وهو يتفق تماما مع ما كان يعتقده الحسن الثاني الذي سأله الصحفي “لوران” ذات يوم عن أقبح صفة لدى الفرنسيين المقيمين في المغرب، فقال: “العنصرية في كل شيء”.

وربما لا يعرف كثير من المواطنين أن الفرنسيين ينقسمون في تعاملهم مع الحالة المغربية إلى قسمين مختلفين ويمكن الوقوف على ذلك بجلاء من خلال العودة للتاريخ، فقد سبق أن “أن نظم فرنسيو المغرب من دعاة الاستعمار عن طريق المعركة حسب تعبير أسبوعية “فرانس أوبسيرفاتور”، أنفسهم للدفاع عن امتيازاتهم، وكان هدفهم الأساس الذي يتقاسمونه مع أغلب المسؤولين الفرنسيين بالمغرب، بل وحتى المسؤولين بفرنسا، الإبقاء على المغرب تابعا لبلدهم.. وفي سنة 1953 نشأت حركة “الحضور الفرنسي” المفتوحة في وجه كل الأوروبيين، وكان لها نفس التوجه، ويترأسها الدكتور فرناند كوس.. وفي مواجهة هذه الحركة التي تستقطب الأغلبية، لم يتردد بضع مئات من الأحرار في تأسيس حركة الوعي الفرنسي برئاسة الدكتور غوي ديلانوي..”، (المصدر نفسه).

الفرنسيون إذن ليسوا وحدة متجانسة ولعله من سوء حظ المغرب هذه الأيام هو أن من يسهرون اليوم على تسيير شؤون فرنسا يتمتعون بنفس الحس “الاستعماري” الذي سبقهم إليه إخوانهم الذين كانوا هنا في المغرب، قبل أن يتم “طردهم” في معركة التحرير، بخلاف بعض الفرنسيين “أصدقاء المغرب” المعروفين بمعاداتهم للاستعمار، ومنهم الكاتب “موريس بوتان” الذي ولد في مكناس وكان صديقا للعديد من الزعماء الوطنيين(..).

الفرنسيون إذن نوعان؛ نوع مساند للملكية، ونوع معروف بتآمره على الملكية؟ نوع يميل نحو مساعدة المغرب، ونوع يميل نحو إسقاط النظام والاستعمار، في هذا الصدد يمكن قراءة فقرة تاريخية مهمة كما وردت في كتاب “موريس بوتان” ويقول فيها: “انخرط الجنرال غيوم بإيعاز من الحزب الاستعماري لـ”جورج بيدو” وأمثاله من الاستعماريين، في أسوإ المعارك التي خاضها في حياته المهنية، سعيا لخلع السلطان.. وفي ربيع 1953 أفلح بعض الموظفين السامين في الإقامة العامة في تحريض كل من الباشا الكلاوي والشريف الكتاني ودفعهما إلى تحريك القبائل، تماما كما حدث سنة 1951 ضد العاهل المغربي، اتهموه بالخروج عن التعاليم الإسلامية وطالبوا بعزله، وفي 31 ماي أصدر الكلاوي حكمه القاطع بالإدانة:”بالنسبة إلي وإلى الباشوات والقياد، فإن السلطان بوصفه أمير المؤمنين فقد شرعيته الدينية”.

أمام هذا الوضع، لم يكن بإمكان السلطان أن يبقى مكتوف الأيدي، فقد حاول التصدي لهذا الوضع، باقتراح خطة شمولية، درءا لخطر هذا الانشقاق المنظم، ولكن مسعاه لم ينجح: ((ففي غضون ذلك ارتفعت أسهم الكلاوي في البلد، بتشجيع من بونيفاص وبلوسون وأذيالهما، وواصلت الرباط سياسة التحدي رغم تحذيرات باريس، واضعة حكومة لانييل الضعيفة أمام الأمر الواقع، ومع ذلك قبل السلطان في 13 غشت توقيع الظهائر المعروضة عليه، كي ينقذ عرشه، وهي ظهائر تقيم نوعا من السيادة المتقاسمة، إن لم نقل سيادة فرنسية مطلقة دون قيود أو حدود.. ولكن  نظرا للأحداث المتلاحقة، فإن تلك الظهائر ستظل حبرا على ورق، ففي نفس اليوم، اجتمع 350 قائدا بمجموعة من الأعيان في مراكش في منزل الكلاوي، بحضور الكتاني قصد التداول في الإجراءات اللازمة لتنحية السلطان.. وفي اليوم الموالي التحق بهم مدير الداخليات فالات، وبونيفاص وبلوسون، وانتهى الأمر بالانصياع لابتزاز المتآمرين المغاربة وهم يوهموننا بأن السلطان إذا بقي على العرش فإن الدماء ستسيل.. هكذا حاصرت قوات من الجيش قصر الرباط في 20 غشت، وأمر السلطان غيوم السلطان بالاستقالة ولكنه رفض، فقرر حينها المسؤولون السامون في الرباط، نفيه.. إلى جزيرة كورسيكا، ثم مدغشقر للحفاظ على الأمن العام.. وكان الفرنسيون في المغرب ينعتونه وقتها نعتا ينم عن الاحتقار وهو “سلطان الكاريان سنطرال”)).  (كتاب:الحسن الثاني..دغول.. بن بركة.. ما أعرفه عنهم).

يمكن للمواطن أن يتفهم “عجرفة” فرنسا في وقت من الأوقات باعتبارها قوة استعمارية، وقوة اقتصادية كبيرة، لكن ما مدى قوة فرنسا سنة 2015، بعد أن صارت عاجزة عن حماية أمنها الداخلي(..)، وهو مشكل ليس أقل خطورة من الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها، والتي ازدادت عمقا مع وصول أضعف رئيس في تاريخ فرنسا إلى سدة الحكم ويتعلق الأمر بفرنسوا هولاند، حسب ما تؤكده استطلاعات الرأي التي تقول: “أنه الأقل شعبية”.

باعتراف الفرنسيين أنفسهم، كتبت صحيفة “تشالنج” الفرنسية نهاية شهر دجنبر الماضي،  نقلاعنتقاريرداخليةلمصلحةالجمارك،أنالاقتصادالفرنسي،مهددابموجةتراجعكبيرةفيالسنواتالمقبلة..والسبب هو أن الاقتصاد الفرنسي أصبح يعاني مثل أي “اقتصاد متخلف” من تراجع كبير في الصادرات مقابل زيادات مهولة في الواردات، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام ارتفاع نسب العجز.

يمكن القول إن مثل هذه التقارير الصحفية التي تؤكدها التقارير الرسمية الصادر عن البنك المركزي الفرنسي، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الاقتصاد الفرنسي مؤهل أكثر من غيره للسقوط، لا سيما بعد أن سجل الاقتصاديون فقدان الآلة الفرنسية لمكانتها التاريخية لصالح دول أخرى، بسببانحسارحصةفرنسامنالأسواقالدولية،وتراجعالصناعاتالفرنسيةفيمنافسةنظيرتهاالإسبانيةوالصينية،وأيضاالألمانيةالأمريكية..

هذا من حيث الشكل أما من حيث المضمون، فإن البلدان الفاشلة اقتصاديا، هي البلدان التي لا يمكن “التعويل” عليها سياسيا، هل يمكن أن نتصور فرنسا حليفا قويا للمغرب في قضية الصحراء مثلا؟ كيف يمكن الاتكال على بلد “يبحث عن قوته اليومي” في قضية استراتيجية؟ كيف يمكن لفرنسا أن تساند المغرب دون أن تخضع للضغوطات؟..

بالواقع الملموس، يتأكد أن قوة بلد مثل فرنسا، تأتي من استفادتها من الصفقات التي تبرمها على حساب دول مثل المغرب، ما يضمن لها مدخولا قارا (صفقات الاتصالات، والتدبير المفوض..)، لكن متطلباتها ارتفعت بشكل كبير مقابل صحوة الدول الصاعدة، التي لم تعد تقبل استمرار الاستغلال البشع لثرواتها وإمكانياتها دون مقابل(..).

وقد صدرت إشارة ملكية واضحة في هذا الاتجاه عندما قال الملك محمد السادس في شهر غشت الماضي: “إنالمغربلديهجميعالمؤهلاتالتيتمكنهمناللحاقبركبالدولالصاعدة،وإنماحققهفيمختلفالمجالاتالاقتصاديةوالاجتماعيةوالحقوقية،سيساعدهعلىذلك”.

المغرب حسب الملك محمد السادس “إماأنيكونصاعدا،بفضلمؤهلاته،وتظافرجهودمكوناته،وإماأنهسيخلفموعدهمعالتاريخ”، والوصفة معروفة لا يختلف حولها اثنان وتكمن في “تطوير الموارد البشرية وزيادة قدرتها التنافسية و التركيزعلى إصلاح القضاء والإدارة ومحاربة الفساد”.

خطابات من هذا النوع لا يمكنها إلا أن تزيد من حدة “الخوف الفرنسي” من بلد صاعد كانت تعتبره مستعمرة لها، وربما لن ينسى أعداء المغرب من الفرنسيين، ذلك الخطاب الشهير الذي ألقاه الملك محمد السادس في اجتماع الدورة 69 للأمم المتحدة، (ألقاه بن كيران بالنيابة)، وقال فيه: “لقد خلف الاستعمار أضرارا كبيرة للدول التي كانت تخضع لحكمه، فقد عرقل مسار التنمية بها، لسنوات طويلة، واستغل خيراتها وطاقات أبنائها، وكرس تغييرا عميقا في عادات وثقافات شعوبها. كما رسخ أسباب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع أسباب النزاع والفتنة بين دول الجوار… إن بعض الدول الغربية، التي لم تطلب الإذن من أحد، لاستعمار بلدان الجنوب، بدل تقديم الدعم اللازم لشعوبها، تتمادى في فرض شروط صارمة عليها، تعرقل مسارها الطبيعي نحو التقدم.. بل إن الدول الغربية، والمؤسسات التابعة لها، لا تعرف سوى تقديم الكثير من الدروس، وفي أحسن الأحوال بعض النصائح. أما الدعم فهو ضعيف جدا ودائما ما يكون مشروطا”، (مقتطفات من خطاب الملك محمد السادس في الجمعية العامة للأمم المتحدة).

هكذا إذن اختار الملك محمد السادس، تصعيد لغته إزاء دولة مستعمرة، وهو بذلك يؤكد بالملموس سعيه نحو إنهاء عصر التبعية العمياء(..)، طالما أن الفرنسيين وأمثالهم يجهلون الواقع الإفريقي، ألم يتسلم الرئيس الفرنسي هولاند هدية من سلطات مالي وهي عبارة عن “جمل مسروق” في بداية شهر فبراير من سنة 2013، قبل أن يكتشف هو ومرافقوه أن جملا صحراويا يستحيل أن يعيش في مناخ بارد بفرنسا، فاضطروا لإعادته إلى موطنه الأصلي، ليعيش رفقة أحد المزارعين الذين فقدوا بيوتهم في قصف الدبابات الفرنسية.

هكذا هم بعض الفرنسيون، يسيل لعابهم للثروات الإفريقية، لكن لا يقدرون الهدايا، ألم يقدم المغرب هدية سمينة لفرنسا في عز الربيع العربي وهو يشتري القطار الفائق السرعة من شركة “ألستوم الفرنسية”، وهو القطار الذي لا يقبل أحد بشرائه(..)، قبل أن يأتي كاتب فرنسي اسمه “مارك فريسوز” ليسخر من المغرب ويقول: “في هذه الدولة ذات الكثافة السكانية التي تصل إلى 30 مليون نسمة (المغرب)، حيث مازالت الحمير تجر العربات في مركز المدينة سيقدم قطار “قطار التي جي في” خدماته من خلال عربات مكونة من طابقين، على مثن سكة تقطع المسافة بين طنجة والدار البيضاء، على امتداد 340 كلم.. التي جي في يمر تحت أشجار النخيل، منظر لم يسبق أن رآه أي أحد، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل إن الخطوط سيتم تمديدها نحو الجنوب.. أمر لا يصدق عندما نعرف أن نسبة 15 في المئة من سكان المملكة المغربية يعيشون تحت عتبة الفقر..”.

هكذا يتحدث كاتب فرنسي، ليؤكد بالملموس أن الصورة الذهنية لدى بعض الفرنسيين عن المغرب لم تتغير عما كانت عليه إبان الاستعمار، ألم يكن حريا بصاحب كتاب “الإفلاس فائق السرعة” أن يشكر المغرب على إنقاذ إحدى أكبر الشركات في بلده من الإفلاس، إنها الحالة التي ينطبق عليها المثل المغربي القائل: “أنا باللقمة لفمو وهو بالعود لعيني”.

يمكن أن ينضاف التطاول الفرنسي على المغرب والذي وصل أوجه مع إعلان مسؤول فرنسي عن كون المغرب هو “عشيقة فرنسا”، إلى سلسلة الجرائم التي ارتكبتها فرنسا في المغرب، وقد لا يعلم كثير من المتتبعين أن استمرار “الصحوة المغربية” قد تنتهي بمقاضاة فرنسا على الجرائم التي ارتكبتها إبان الاستعمار في المغرب، ولم لا المطالبة بتعويض لجبر الضرر  أمام المنتظم الدولي(..).

دارت الأيام دورتها، وعاد مزوار الذي خضع في وقت سابق لإجراءات تفتيش مهينة في مطارات فرنسا، ليمثل المغرب في مسيرة “شارلي إيبدو” ضد الإرهاب، غير أنه اكتفى بتقديم التعازي وقاطع المغرب المسيرة بسبب وجود رسوم مسيئة للرسول(..)، لماذا لم يتم تفتيشه هذه المرة؟ هل عرفوه هذه المرة ولم يعرفوه في المرة السابقة؟ ثم أي دولة هاته، يسافر إليها المسؤولون المغاربة وهم قاب قوسين أو أدنى من “الاعتقال”، كيف يمكن الوثوق في دولة مثل هذا النوع.. ماذا لو أن المغرب تعامل بالمثل، عندما كان الرئيس الفرنسي هنا في المغرب؟ ماذا لو تم إلقاء القبض عليه رفقته صديقته السابقة فاليري بدعوى عدم وجود عقد زواج بينهما؟ ألا يفترض في الدول العاقلة أن تتجنب التطبيق “الأعمى” للمساطر.

يلخص صلاح الدين مزوار وزير الخارجية المغربي كل شيء حول الأزمة مع فرنسا عندما يقول: “إن سبب استمرار الأزمة الدبلوماسية مع فرنسا يعود إلى غياب الإرادة السياسية لدى باريس، واهتزاز “الثقة”، قالها في آخر حوار له مع مجلة “جون أفريك”، “عندما تهتز الثقة فإن هناك مشكلة”، مضيفا للمجلة أن “عامل الثقة أمر أساسي”.

يضيف مزوار “لنكن واضحين: شعورنا تجاه الشريك الفرنسي هو أنه لا توجد إرادة سياسية حقيقية لوضع حد للتضليل المعادي للمغرب، والصادر عن جهات معروفة بعدائها للمملكة”.

عدم الثقة الحكومية والملكية في فرنسا له ما يبرره من الناحية العملية، ففضلا عن نشاط “أبواق فرنسا في المغرب” في كل ما من شأنه الإساءة للملكية(..) تأتي بعض الحوادث لتوكد أن فرنسا لا يمكن الوثوق بها “ألم يحضر وزير الصناعة والتقليدية الفرنسي ستيفان ليفول، لنشاط نظمته جبهة البوليساريو مؤخرا بفرنسا..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!