في الأكشاك هذا الأسبوع

الـــــــــــرأي | مراكش تنادي بعودة الحرارة المفقودة لجسم المحاماة

الأسبوع – محمد بركوش

       جاءت نتائج انتخابات نقيب المحامين بمراكش الحمراء وباقي أعضاء المجلس بأكثر مما توقع المعنيون بالأمر، كانت مفاجئة في حدود لدى الذين لا يتقنون فن المقاربة، لأنها سحبت البساط من تحت أقدام البعض وطوحت بكل شيء كما الحذاء من تعب، بعد أن تذكر المصوتون كل ما انثوى في خزائن الدائرة، كانت في آخر لحظة من اللحظات التي عاشها المهنيون في فترة الحملات “بلهفة لا متناهية” مثل المطر كما قيل يسقي الزرع والعشب ويفضح في نفس الوقت المستور (المهني وليس الرياضي)، أعطت تلك النتائج الغلبة للشباب “المحامين” الذين تكتلوا في عملية متفردة وراء الأستاذ محمد الصباري “النقيب الجديد”، الرجل الذي ظل لفترة طويلة يبحث له عن حضور فعلي متميز داخل الهيئة أو خارجها، حيث استطاع في صمت وبدون جلبة ولا سيول جارفة أن يخترق غلالات “التخندق” (وهي كلمة يرفضها أستاذنا وفقيهنا محمد بولمان لأنها عنده مرادفة للتبعية)، مدفوعا بإرادة أقوى من قبضات أيديهم التي “تعيا قدام” لحظات الجسم التي يتحدد معها المسار الطويل.. تكتلوا دون أن يبالوا بما ينسجه الآخرون أو تردده ألسنتهم، اهتداء بقولة “فوكو”꞉ “كونوا من أنتم حتى لو كره الكارهون، لا تبالوا بالقيل والقال وأحكام المجتمع الامتثالي الضيق الصغير، فإذا ما خضعتهم له في كل شاردة وواردة فإنكم لن تبدعوا شيئا، ولن تصلوا إلى شيء”، قلت رجل لم يكن مولعا بالهتاف للفراغ وفي الفراغ، ولا مسرفا في طاعة الضلال، لا يعرف طريقا للإساءة، يترك دوما مسافة رفيعة إلى حد التلاشي بينه وبينها، وهذا بلا شك سيزوده شحنة قوية للتعمق في مدارات الإشكالات القائمة، وهي إشكالات عميقة جدا تحتاج إلى جلد ومهنية، ونكران ذات للعثور على نصيب ولو قليل من غنيمة الحقيقة، لأن سقف هذه الأخيرة لا يدرك بشكل كامل، وحدودها لا تسطر إلا نقيبا إلى جانب الأعضاء الذين سيؤازرونه في تحمل مسؤولية لها ارتباط بشكل أو بآخر بحجم معاناة المحامين الشباب بالخصوص، يترجم انشغالهم بالراهن المهني، وهو راهن يفرض تساؤلات بعلامة كبرى تبدو مشروعة إلى أبعد حد، تهم وضع المهنة النبيلة التي تخصها كل تشريعات العالم بالقداسة، ووضعية أصحابها الذين أضحوا يتأسفون في العمق للصراعات المتوالية والوقفات المتكررة والقامة (أو المحرض عليها كما قال أحد الزملاء) من طرف “كبار القوم”، الذين يجدون فيه الفرصة لاستعراض العضلات ولو على حساب الآخرين، ولذلك كان اختيار نقيب من عمر متوسط هو جواب عن سؤال المراهنة على الشباب. نعم الشباب الذين سعوا عبر لقاءات واجتماعات إلى معارضة تسييس المهنة “بالشكل المبتدل”، ورفض مخزنتها على نحو مائع يخدم أجندة معينة لم تعد لها اختيارات داخل المهنة أو المجتمع، لأنهم أحسوا بقطعها “أي مهنة” تتهاوى على رؤوسهم، وشعروا بالجراح التي لا تعالج بعسر الحقن وكثرة الوصايا الهوائية إن صح التعبير، أو بجبر هزيل يخفي رغبة الوزارة المانحة في التحكم من بعيد وجعل المحاماة أحد روافدها التي تخدم مصالح معينة وتوفر هدنة غير لازمة في الوقت الحالي.

لقد كان للشباب موعد في ليلة باردة لم يمر الوقت فيها سريعا كما قيل، ليلة كان بها نجم مشع انفلت منه ومض قوي أضاء كل العتمات، دخلوا منه إلى مرحلة “رفع القدم” للقيام بخطوات حاسمة من أجل بناء حائط للتوازنات الدقيقة بين ما يتطلع إليه المحامي وما تنشده القوانين، دون أن يجيدوا عن استحضار مصلحة الأفراد والمجتمع وشرعية والأعراف والأخلاق المهنية التي لم تعد في الحقيقة مصدر إلهام للعلاقات سواء الداخلية أو الخارجية، قلت دخلوا بقوة وإيمان وبقناعة كاملة من أجل ردم الهوة الساحقة التي تفضل بين أجيال تعيش عوالم مختلفة متفرقة السبل، وتنقية الأجواء التي ترسبت بها بعض الشوائب، ومواصلة نقر أبواب الفضائح (إن كانت)، ومراجعة مالية الهيئة وكيفية صرف أضلاع مهمة منها، تماشيا مع السنة التي عمل بها الفريق السابق (وإن من باب ها حنا هنا)، وفصل المهنة عن الحزبية البئيسة إكمالا وإتماما لما فعله النقيب الأسبق الأستاذ معطي الله الذي خلصها كما قيل من الشعبوية المهنية المتغلغلة.

لم يات فوز الأستاذ الصباري هكذا، ولم يكن مجانيا꞉ “للعلم الأشياء المجانية هي الأكثر كلفة” كما قال “شيزار”، لأنها تساوي مهمتين꞉ فهم الأشياء وفهم أنها مجانية)، فالرجل منذ أن انخرط في الصفوف وهو يتقدم في مساره المهني بهندسة واضحة تتفادى السقوط أو التراجع إلى الوراء، نسج معها علائق منتشرة “وبدون ترتيب” يحيى بها ويضاعف الذات كما قيل “فولتير”، كانت تنتظر الفرصة لتكبر وتكشف عن قيمتها الرمزية.. علائق استثمر كثافتها بطاقة انتخابية في كسب الود والاحترام، حتى صار نموذجا للرجل “القديس” الذي يعوض المريض ويمد يد المساعدة للمحتاج ويساهم في كل المبادرات الإنسانية، وكأنه كتلة سخاء بثقوب لا تحصى، أكسبته السنوات التي قضاها بمكتب الأستاذين العملاقين شافاه الله والمرحوم البقيوي أكسبته خبرة ومراسا ولقنته فقها وبلاغة، وغرست فيه القيم وهالة الخجل، وعلمته كيف يستريح لظل التواضع دون أن تكون المسألة منجذبة للتظاهر، وهو يعرف جيدا ما يريد، ويعرف أن تنغمس الجدوى المبللة بمياه العقل الصافية، ولذلك تنبأ زملاؤه الذين يدركون مقدرته وصموده وإخلاصه للوعود، بمستقبل أفضل، يمكن أن تتحقق فيه الكثير من الأحلام (النادي، الاستشفاء، التقاعد)، زيادة على الكرامة والاعتبار، وأن تتركز وتترسخ العديد من المكتسبات، وتعود الحرارة المفقودة إلى الجسم المعني، طبعا إذا ما تجمع الكل وراء نقيب هو للمجتمع وليس لفئة مطبوعة دون أخرى، وأخذوا بمبدإ “الوحدة المهنية” التي أصبحت اليوم مفروضة، بفعل الظروف المتكالبة على المحاماة، وتخلوا عن النظرة الضيقة التي تحشر المهنة في زوايا لم تعد مقبولة، بعد أن فضح الأستاذ طبيح عبد الكبير المهزلة، وانسحب بكرامة وبروح عالية محتجا كما أوردت ذلك بعض المنابر (جريدة الصباح، عدد: 4565)، على “المناورات التي استغلها بعض المسؤولين والنقباء من أجل استعماله ورقة ضغط ضد النقيب حسي ليفرضوا عليه بعض الأشخاص في المجلس”، وهو سلوك لم يقبل به الأستاذ طبيح لأنه يتعارض مع الأخلاق المهنية وأعرافها السامية، ويدخل المهنة في نفق مظلم، ويدفع بأفرادها إلى التمزق والتشتت، رغم أن الفترة في حاجة “إلى تجميع كل المرشحين من أجل تقديم الدعم للمهنة وليس المناورات التي لم تعد مقبولة حتى في انتخابات أبسط جمعيات الأحياء”، يقول طبيح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!