في الأكشاك هذا الأسبوع
صورة تاريخية يظهر فيها الملك الحسن الثاني وبجانبه المرحوم علال الفاسي وأمامهم الرئيس المؤقت للحكومة الجزائرية فرحات عباس، وبجانبه أحد أعضاء جبهة التحرير محمد يزيد

روبورتاج | التاريخ المنسي.. عندما أسس الأمازيغيون “حزب الاستقلال السوسي”

 

تؤكد مجموعة من الوثائق الفرنسية وجود محاولات ممهنجة من لدن حزب الاستقلال للقضاء على “الفكر الأمازيغي” وطمسه، وبالتالي صهر الأمازيغ في الحزب حسب أجندة حزب الاستقلال.

ويشكل الخطاب الشهير والناري لعلال الفاسي المعروف بخطاب طنجة يوم 15 مارس 1956، دليل ملموس وصريح على أجندة حزب الاستقلال غداة استقلال المغرب بخصوص الأمازيغ.

———————

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

 

يظهر من خلال وثائق الدبلوماسية الفرنسية أن تغيرا وقع في العلاقة بين القوى السياسية في المغرب، بعد خطاب علال الفاسي بطنجة يوم 15 مارس 1956، ويبدو أن هذا الخطاب شكل منعطفا في العلاقة بين القصر وحزب الاستقلال وباقي القوى السياسية. إذ يتبين من خلال وثيقة فرنسية مؤرخة بـ19 مارس 1956، بأن علاقة جديدة بين القصر وحزب الاستقلال قد ظهرت مباشرة بعد خطاب علال الفاسي بطنجة، حيث يشير المفوض العام للجمهورية الفرنسية بالمغرب إلى أن هذا الخطاب يشكل برنامج الحزب الداخلي في هذه المرحلة، فعبارة علال الفاسي “الشعب هو الذي ينصب الحكومة على مسؤولياته” أثارت مخاوف وتعليقات محيط القصر(..). كما أشار إلى أن علال الفاسي يعتبر أنه على الرغم من إعلان الاستقلال من طرف فرنسا، فإن عمل الحزب مازال لم ينتهِ لأنه على المغرب أن يحقق الاستقلال في شتى الميادين منها: العدالة في الميدان الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي(..).

كما شدد على أن الحزب سيسعى للقضاء على “الخصوصية القبلية أو الأمازيغية“، وتشيف الوثيقة أن هذه العبارة وكذلك إشارته لبعض الأحداث التي همت المغرب جعلتا وزير الداخلية الحسن اليوسي، وهو الذي كان بمثابة زعيم الأمازيغ في تلك المرحلة، و”الأوساط القريبة منه” يتخوفون من الدور الذي قد يلعبه الحزب وخاصة بعد أحداث القنيطرة في 17 مارس 1956 في حق المناضلين التابعين لحزب الاستقلال.

 

رد فعل القبائل الأمازيغية

 

في هذا السياق، تتضمن وثيقة أخرى رد فعل القبائل الأمازيغية على مشروع حزب الاستقلال الجديد، وتحمل هذه الوثيقة رقم: 236، وهي مؤرخة بـ12 أبريل 1956. ونجد من خلالها شرح لوضعية القبائل المغربية بعد خطاب علال الفاسي بطنجة، حيث تؤكد أن قبائل بني وراين، ومرموشة، وزيان، وأيت سغروشن، صارت تفسر معنى الاستقلال بطريقتها الخاصة، ذلك أن هذه القبائل عادت لديها بقوة فكرة “التضامن الأمازيغي“، كما صارت لديها نزعة قوية لاتخاذ موقف دفاعي تجاه الحكومة التي كان يقودها حزب الاستقلال، وكأن الأمر يتعلق عندهم “بعودة الخصوصية الأمازيغية“. وفي رد مباشر على مشروع حزب الاستقلال، وكأن الأمازيغ أرادوا أن يقولوا له بأنك إن فهمت الاستقلال على طريقتك فنحن أيضا نفهمه على طريقتنا(..).

وتشير الوثيقة إلى أمر مهم جدا، وهو أنه ليس من المستبعد أن يقوم القصر أو محيط وزير الداخلية الحسن اليوسي بجمعهم في حزب واحد، وذلك بغية إثارتهم ضد طموحات حزب الاستقلال، هذا الأخير الذي اتضحت مساعيه في توحيد القبائل وتجنيدها لصالحه.

 

تحالف القبائل الأمازيغية مع الملكية

"حزب الاستقلال السوسي" كما أشارت إليه الوثيقة الفرنسية

“حزب الاستقلال السوسي” كما أشارت إليه الوثيقة الفرنسية

وإذا تقدمنا خطوة أخرى في التاريخ نجد أن الأمازيغ توجهوا توجها آخر، حيث لم يكتفوا فقط بإظهار عدائهم لمشروع حزب الاستقلال، بل إنهم اتخذوا خطوة أخرى تمثلت في التحالف مع الملكية. وقد كانت الملكية في هذه المرحلة تعاني من “خرق” حزب الاستقلال، وكانت تبحث عن طريقة للتعامل مع مطامع حزب الاستقلال خصوصا بعد سيطرته على وزارة الداخلية بعد إقالة الحسن اليوسي منها، وكذلك السيطرة على وزارة الخارجية(..).

ونجد من خلال وثيقة من الأرشيف الفرنسي تحمل رقم: 395، وهي مؤرخة بـ13 يونيو 1956، جوابا حول كيفية تعامل الملكية مع تحرك حزب الاستقلال للسيطرة على الحياة السياسية، إذ تبين أن الصحف العالمية تكتب عن حالة الاستقرار الذي يعيشه المغرب، وفي المقابل يظهر أن القصر حقق نتائج جيدة منها: الاستقلال، وتوحيد الجنوب والشمال، وتأسيس الجيش ودخول المغرب إلى المنظمات الدولية بينها هيئة الأمم المتحدة، بيد أنه حسب هذه الوثيقة فإن الحالة الداخلية للبلاد هشة، إذ يظهر أن النظام المركزي منقسم داخليا، والفوضى تعم كل جهات المغرب، والحزبين الكبيرين (حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال) دخلا في صراع ثنائي.

ولكن المهم في هذه الوثيقة هو أنها تشير إلى السياسة التي سيتبعها القصر لمواجهة هذه الوضعية الداخلية، وتؤكد أن السلطان يريد أن يظهر رصانة حكمه أمام كل وزرائه، وبأن الكل على ما يرام، بيد أنه يبقى قلقا في نهاية الأمر من خطورة الأوضاع الداخلية.

كما توضح أنه أمام هذه الوضعية، بدأ القصر في تطبيق سياسة “فرق تسد” ضد طموحات حزب الاستقلال وجيش التحرير، “وذلك بإثارة حركة معارضة ضد حكومته، بينما يبقى هو في موقع الحكم”، حيث وسع القائد الحسن اليوسي اتصالاته مع القبائل الأمازيغية بسبب تذمرهم من ديكتاتورية الأحزاب بهدف صناعة تكتل ضد حزب الاستقلال، وهي التحركات التي تقول الوثيقة إنها أقلقت إدريس المحمدي وزير الداخلية الذي كان يعلم علاقة الحسن اليوسي بالقصر جيدا.

ونتج عن تحالف القصر مع القبائل الأمازيغية في تلك المرحة تمرد عامل إقليم تافيلالت عدي وبيهي في يناير 1957، وقد تمرد ضد حزب الاستقلال وتعاطف مع القصر، وليس كما يظن الغالب الأعم بأن ما قام به كان حركة انفصالية ضد الملكية، حيث خصص الباحث عبد اللطيف جبرو كتابا بعنوان “عدي وبيهي حكاية عصيان تافيلالت” ظل من خلاله يؤكد أن الرجل تمرد ضد الملكية.

وكان من نتائج تمرد عدي وبيهي كما نجد من خلال تقرير لـC.A.I مؤرخ بـ6 فبراير 1957 أن الحكومة المغربية بقيادة حزب الاستقلال من المحتمل أن تظل قادرة على الحفاظ على قدر مهم من السلطة الداخلية، وذلك بالاعتماد على الجيش الملكي وكذلك تحويل الأنظار إلى ما هو خارجي، من قبيل الانسحاب الفرنسي والمطالبة ببعض المناطق التي ما تزال محتلة. ولكن الأهم هو أن التقرير رأى أن أكبر خطر صار يتهدد الحكومة الاستقلالية هو حدوث اضطرابات سياسية قبلية في الأوساط الأمازيغية، ومن الممكن أن ينشب عنها تمرد، كما أن عدم قدرة الحكومة المغربية على السيطرة على هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى انهيار السلطة.

ونرى أن ما أشار إليه التقرير كان صحيحا، حيث قادت الحركة الشعبية حركة أمازيغية مضادة لحزب الاستقلال انتهت بأحداث الريف التي حكمت على حزب الاستقلال بالانقسام، وأنهت مساعي الحزب في فرض أمر الحزب الوحيد على غرار ما عاشته تونس في تلك المرحلة، وإلى الأمس القريب.

 

حزب الاستقلال “الأمازيغي”

 

إن الغريب في الأمر الذي نجده هو أنه حتى الأمازيغ الذين آمنوا بفكر حزب الاستقلال وانخرطوا فيه، وهنا نذكر أهل سوس بالخصوص، حيث عرفت منطقة أكادير ونواحيها نشاطا وتعاطفا كبيرين مع حزب الاستقلال. فنجد أنهم كما أشار “جون واتربوري” لم يحسوا بالانتماء لعنصر آخر غيرهم، وبقي وعيهم بأمازيغتيهم حاضرا بقوة، حيث توجد إحدى وثيقة تعود للمخابرات الفرنسية، وهي عبارة عن رسالة تتضمن رسالتين بعثتا من الإدارة الجهوية للأمن الوطني بأكادير إلى إدارة الأمن الوطني المركزية بالرباط، ومضمونهما أن أهل سوس يعملون على تأسيس “حزب الاستقلال السوسي“، وتعود وقائع هذه الأحداث إلى تاريخ 25 غشت 1958 أي قبل ظهور النزاع بين جناحي حزب الاستقلال، حيث تصرح أن المفتش الجهوي لحزب الاستقلال بجهة أكادير أحمد أو الحاج اجتمع يوم 25 غشت 1958 بحوالي 20 عضوا من أعضاء الحزب وسلم لهم بطاقات الانخراط تحمل اسم حزب الاستقلال السوسي.

كما تشير أن الرجل عقد اجتماعا آخر يوم 26 غشت حضره حوالي 70 عضوا من أعضاء حزب الاستقلال وكان الاجتماع هذه المرة في منزل أحمد بلحاج، مضيفة أن هذا الأخير أخذ الكلمة، وأكد أنه قام بجولة في مدينتي الرباط والدار البيضاء، واجتمع مع العديد من الأعضاء البارزين في حزب الاستقلال وقدموا دعمهم للفكرة وشجعوه على الحفاظ على هذا الموقف الجديد، غير أن الزعيمين الكبيرين علال الفاسي وأحمد بلافريج عارضا الفكرة ولم يوافقا أبدا عند “مطالب السوسيين“.

وتبين أنه خلال هذا الاجتماع “السري” تم تدارس بعض القضايا السياسية، حيث أن الرجل قام خلال جولته بالرباط والدار البيضاء بلقاء عبد الله إبراهيم في العديد من المناسبات. وتدل الوقائع والأحداث أن مسعى الأمازيغ في تأسيسي حزب استقلال خاص بهم قد تبخر بفعل معارضة علال الفاسي وأحمد بلافريج للفكرة لهذا نجد كل الأمازيغ الذين آمنوا بفكر حزب الاستقلال في البداية انخرطوا في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية(..).

 

بين الأمس واليوم

 

ما سبق ذكره، يؤكد أن الأمازيغ تحالفوا مع الملكية ضد حزب الاستقلال في مرحلة 1956 – 1961 على الأقل، وقد تلتها مرحلة أخرى تميزت بمحاولة انقلاب الأمازيغ على الملكية في انقلابي 1971 و1972، وقبلها تحالفوا مع الفرنسيين 1934 – 1956 والآن صار الحديث عن تدخل خارجي أو تحالف الحركة الأمازيغية مع بعض الجهات الخارجية، وقد بين أحد رجال المخابرات البريطانية كيف أن أمريكا وبريطانيا كانتا تسعيان لجعل منطقة القبايل الجزائرية والمناطق الأمازيغية المغربية كيانا واحدا.

والملاحظ الآن هو أن هذا المخطط مازال ساري المفعول، حيث تعاظم دور الحركات الأمازيغية في المغرب، وكذلك في الجزائر ولعل آخرها أحداث القبايل الجزائرية التي جرت قبل أشهر قليلة من الآن إذ خرج الناشطون الأمازيغيون مطالبين بالانفصال. ويبدو الآن التنسيق مع باقي الحركات في دول أخرى واضحا وضوح الوشم في اليد، حيث أصبحنا نلاحظ في كل تظاهرة أمازيغية في المغرب ترفع أعلام من قبيل علم الأكراد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!