في الأكشاك هذا الأسبوع
بلمختار

وزارة الداخلية مطالبة بالتدخل لدعم مذكرة بلمختار في حربه ضد الساعات الإضافية

بقلم. نور الدين الطويليع

                 قبل أن يجف مداد المذكرة الصادرة عن وزارة التربية الوطنية التي تمنع المدرسات والمدرسين من تنظيم الدروس الخصوصية المؤدى عنها لفائدة تلاميذهم، انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وتناولت وسائل الإعلام بمختلف تلاوينها الموضوع مسوقة ما جاء به الوزير بلمختار كما لو كان فتحا مبينا سيضع حدا لظاهرة نمت كنبتة شيطانية وتغلغلت، متخذة لنفسها قدما راسخة ضمن الظواهر التي تنخر جسد هذا الوطن، وتضيف أعباء إضافية إلى أسر صارت مكرهة على تقديم إتاوات شهرية تقتطعها من مصروفها اليومي لفائدة مدرسي أبنائها، مقابل ساعات إضافية أضيفت قسرا وتعسفا إلى الحصص الرسمية، وصارت ركنا من الأركان التي يؤدي التهاون عنها إلى بطلان الدراسة الرسمية، والحكم على صاحبها بالمروق، وابتكر أصحابها طرقا لا تخطر على البال لاستقطاب المارقين وإدخالهم إلى بيت الطاعة، ومن ثمة إيقاعهم في الشراك، بدءا بالمعاملة اللينة والرقيقة للتلاميذ الزبناء، والإقصاء والتهميش والنظرات الشراء لمن اختاروا أن يكونوا من الخوالف، ومرورا باستباق فروض المراقبة المستمرة بتمارين على نفس الشاكلة تمكن هؤلاء من تبوئ المراتب الأولى، وتجعل أولئك الخوالف في المؤخرة، بما يجعلهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول إلى بيت الساعات الإضافية ليتسنى لهم إطعام أنفسهم بدورهم من النقط المتضخمة التي من شأنها تحقيق الشبع وإرواء نفوسهم الجوعى، بما يؤمنهم من خوف الرسوب والتكرار، ويفتح لهم الأبواب الموصدة للعبور إلى ضفة الراضين المرضيين الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون، ولا يمسهم غضب ولا قلق ولا سخط من قبل مدرسيهم.

إننا والحالة هذه أمام حالة شاذة أرغمت الأسر إرغاما على التطبيع معها والانحناء لعاصفتها اتقاء شرها المستطير، وقد جاءت المذكرة الوزارية لتضعها في الواجهة وتحرك سواكنها، بعدما تحولت إلى ما يشبه “المسكوت عنه” الذي يدخل في نطاق المكبوت الذي يحرم تناوله على الألسنة والخوض فيه، لكن ومهما يكن، فهذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها مذكرة حول الموضوع، ولن تكون الأخيرة بدون شك، كما أن كلمة “منع” التي تمثل البؤرة الدلالية لها ليست جديدة، ولا يمكن أن توحي بأي حال من الأحوال أن ما سبقها كان يفيد الجواز والسماح، فمنع المدرسين من تنظيم الدروس الخصوصية يعرفه القاصي والداني، وهو أشهر من نار على علم، ولا يختلف اثنان داخل الحقل التربوي على لا قانونية ولا مشروعية هذا العمل، ورغم ذلك انتشرت الظاهرة بشكل مهول، وشربت من نهرها فئة عريضة من رجال التعليم بأريحية واطمئنان دون خوف أو وجل من عقاب، غير عابئة بأنها تعب من محظور، ولم تكتف باغتراف غرفة تجعل عملها في هذا المجال محدودا، بل انكبت عليه بكليتها، دون أن تعير اهتماما يذكر لتحذير النذير الذي حذر غير ما مرة من شرب مائها، ودعا إلى الصوم عنها، وهو ما يجعلنا نستنتج أن هذه المذكرة لن تقدم ولن تؤخر، وسيكون مصيرها، كسابقاتها، النسيان أو التناسي بعد حين، لتبقى، ولا أقول لتعود، حليمة إلى عادتها القديمة، ومرد هذه النظرة التي قد يعتبرها البعض مغرقة في التشاؤمية، أن المذكرة لم تكن واضحة في التنصيص على العقوبات التي تنتظر المخالفين، واعتمدت على الآباء بشكل كبير لاقتحام ردم ياجوج وماجوج الساعات الإضافية، في الوقت الذي تعجز فيه الأغلبية الساحقة منهم حتى على التفوه بعدم رضاها عليه خوفا على مستقبل أبنائها من أن يغمرهم دفقه، ويرمي بهم خارج أسوار المؤسسة التعليمية، كما أن ما يسمى باللجان النيابية والأكاديمية قد يبقى مجرد أسماء على الورق، فهؤلاء الموظفون الذين سيقترحون للقيام بمهمة تتبع المخالفين ورصدهم لكل واحد منهم شأن يغنيه، ومهامهم الثابتة تأخذ منهم كامل وقتهم الإداري، مع العلم أن “الممنوعين” ينفذون عملياتهم بالليل، وهو الوقت الذي سيكونون مضطرين فيه إلى الخلود للراحة استعدادا لمباشرة عمل الغد.

إن المنطق يقتضي ألا يقتصر أمر الحرب ضد الساعات الإضافية على وزارة التربية الوطنية وحدها، بل يجب أن تعلن حالة استنفار قصوى للدخول في معركة مكشوفة ضد “الإرهاب التربوي” المنتعش في سوق التعليم السوداء، وأن تتجند وزارة الداخلية بكل أجهزتها لتتبع أوكار الساعات الإضافية، وتهديد أصحاب روض الأطفال والمدارس الخصوصية من مغبة فتح أبواب مؤسساتهم ليلا لأصحاب الساعات الإضافية من المدرسين، وتحذير أرباب المنازل من كراء منازلهم لهؤلاء، وأظن أن وزارة الداخلية تمتلك من الكفاءات في صفوف أعوان السلطة ما يجعلها قادرة على الرصد الدقيق للظاهرة ورفع التقارير المفصلة عنها وعن ممارسيها وأوكارها، بما يسمح باجتثاثها وتجفيف منابعها والقضاء عليها نهائيا، أما الاكتفاء بمذكرة وزارية يتيمة فلا يعدو أن يكون مجرد صرخة في واد عميق، قد تثير الصدى والجلبة بعض الوقت، ثم لا تلبث إلا قليلا حتى يخبو أثرها كما خبا أثر سابقاتها لتبقى دار لقمان على حالها.

تعليق واحد

  1. لقد خبا اثرها ولم يعد يذكر وقد علق احد الاساتذة من باعة السوايع رهم غير كيهدرو وما يديرو والو ولقد صدق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!