في الأكشاك هذا الأسبوع

الحـقــيقة الضــــائعة | كتابات سياسية على تابوت الفقيد باها

      

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

في رسالة تواصل، كتبها الوزير السابق في العدل، الأستاذ الجامعي، محمد الإدريسي العلمي، المشيشي، إلى المحامي الكاتب المراكشي الأستاذ محمد بركوش، من أسرة “الأسبوع” وردت عبارة فرض التذكير بها، في حادث الموت المأساوي، للأستاذ وزير الدولة، عبد الله باها.

وقال الأستاذ الإدريسي في رسالته، مذكرا بفترة من حياته كوزير: ((إنني كنت على مرمى حجر، من أنياب ومخالب أسود ضارية، لولا لطف الله، لفتكت بي)).

الوزراء هم أيضا في خطر.. وهل هناك أخطر على حياة الوزير المستقيم، من أنياب ومخالب الأسود الضارية، إلا إذا كانت القاطرات التي تسير بسرعة 140 كلم في الساعة، هي أخطر من أنياب الأسود، التي أفلت منها الوزير العلمي بالألطاف الخفية، ولم يفلت منها الوزير باها.

والمتتبع لتفاصيل وظروف وفاة الفقيد عبد الله باها، ولاشك أنه كان يمثل تيارا استثنائيا في مسار حزبه، حزب العدالة والتنمية، وفيهم من قال إنه كان العقل المفكر، فإذا به بعد موته المأساوي، أو السينمائي(…)، يتحول بالنسبة للمتتبعين إلى لغز يفرض التعمق في الواقعة التي لخصها القرآن بقوله: “إذا وقعت الواقعة”، وحتى القرآن لم يفسرها.. فكيف نجرؤ على تفسيرها.

وها هي الاحتمالات والتفسيرات تترى من خلال كتابات وتصريحات المتبارين في تفادي إنكار أي شيء وأي احتمال(…) يكون قد أصاب هذا الرفيق الرفوق، للقطب عبد الإله بن كيران، الذي عندما استقبله الملك محمد السادس، لتكليفه برئاسة الحكومة تذكر سورة “طه” وقال للملك: ((اجعل لي من أهلي هارون أخي، أشدد به أزري وأشركه في أمري)) ثم صحح “من أهلي باها أخي”.

فهل دفع الدهاء السياسي بن كيران، إلى أن يضمر ويخفي، نموذج القطب النقابي، المحجوب بن الصديق، عندما اتفق يوما مع الملك الحسن الثاني على التعامل مع نقابة المحجوب كأكبر قوة في البلاد، وأن يكون محمد عبد الرزاق، هو الشريك في الأمر، وعندما خرجا معا من حضرة الحسن الثاني، قال المحجوب لعبد الرزاق، أنا أكسر، وأنت تصلح، وهو المخطط الذي جعل نقابة المحجوب وعبد الرزاق، الاتحاد المغربي للشغل، تبقى طوال حكم الحسن الثاني، ولم تنته إلا بموت المحجوب الذي كان يسمى الأقرع. فكان المحجوب يعلن معارضته وحتى رفضه للملكية ويسب ويلعن ويكلف عبد الرزاق، بأن يحضر في السهرات ويشارك رجال الأبناك كبورجوازي متناقض تماما مع المحجوب، وهما معا في منظمة سياسية واحدة. حتى إذا كان الأمر هكذا مع بن كيران وباها، فإن بن كيران، تولى دور عبد الرزاق، وباها، لم يكن قد بدأ بعد(…) في التعبير عن وجهة نظره(…) المتنافية بالتأكيد مع مجاملات بن كيران. كل شيء ممكن، ولكن هذا لن يبعدنا عن زيارة موقع موت باها، مثلما رجع هو إلى موقع موت الزايدي، ولعنة الله على هذه السكة(…) التي لم تكتف بقتل القطب الاتحادي الزايدي، وإنما قتلت أو ربما تسببت(…) في مقتل القطب عبد الله باها، علما بأن جنبات الحوادث والأفلام، مليئة بنماذج قتل الكثيرين، ورميهم على سكة القطار حتى يقال بأن القطار صدمهم.

كل الاحتمالات والتصورات، سبقني إلى شرحها الكثير من الكتاب والمعلقين:

البرلمانية خديجة أبلاضي، رأت باها بعد موته، في المنام وروت أنه قال لها: لست أنا الذي صدمني القطار، وربما شخص آخر.

وقام وزير العدل الرميد، بزيارة الموقع الاصطدامي نفسه، وركن سيارته بالقرب من قنطرة واد الشراط وقطع السكة، وانتظر مرور القطار، ولم يحصل شيء.

فاطمة معنان، زوجة الفقيد باها، والزوجة عادة أول من يعلم(…) مادام الزوج هو آخر من يعلم، قالت بأن زوجها الفقيد، لم يخبرها بنيته في زيارة الموقع الذي مات فيه الزايدي.

العثماني سعد الدين، أكد – مثلنا – أنه استمع بكل اهتمام، وروية(…) لعدد ممن تؤرقهم(…) أسئلة كثيرة، في شأن موت عبد الله باها.

أنس، من كتاب الفيسبوك كتب “رواية لا يصدقها حتى الأحمق”. وطه فيسبوكي آخر كتب: “كيف لرجل مثقف وواعي أن يقف مكان مرور القطار، كيف أن يكون وحده بدون مرافقين، وكيف تأكدوا أنه لم يتم رميه أصلا، جثة هامدة”.

كاتب آخر المهيلولى تساءل: هل كان للمرحوم موعد مع أحد آخر في هذا المكان.

كاتب أمضى “مغربي حر”، ذهب أبعد.. وكتب يجب استدعاء الشرطة الدولية، فمن قال للدرك إنه نزل من سيارته وتمشى على السكة..

موقعة بإمضاء “حافية القدمين” كتبت: أكيد، أن هناك لغزا وراء وفاة باها، لغز لابد أن ينفضح لأن الروح عزيزة عند الله.

خديجة، قالت: هل يعقل أن باها بحدود السادسة مساء جاء لوحده في الظلام ليتفقد القنطرة التي توفي تحتها الزايدي.

صحفي كان يركب القطار، أسامة بنجلون، كتب أن القطار بعد إقلاعه من بوزنيقة توقف بعد خمس دقائق(…) إذن فسرعته لم تكن تمنعه من التوقف، وهو الذي كان لم يقطع إلا مسافة كيلومتر ونصف حيث مكان الحادث.

الأمانة العامة لحزب العدالة الذي افتقد باها، عجلت(…) بإصدار بيان يوم 10 دجنبر، دعت فيه من أسمتهم ((المتقولون في الأسباب والدوافع مدعوون إلى الكف عن الخوض المبني على الظنون(…) والإشاعات(…)، وانتظار النتائج النهائية للتحقيق)). نرجو الصبر لمسؤولي حزب العدالة، خمسين عاما مثلا، حتى تظهر نتيجة التحقيق، وهو رقم مرتبط بالتحقيق في موت الزعيم المهدي بنبركة.

وربما انطلق هذا التحذير المتعقل(…) من فرض الاحترام المفروض(…) للطقوس المحيطة بكل الأحداث المغربية(…) رغم أننا لم نسمع، أن وزير الداخلية الطيب الشرقاوي اجتمع بالوزير الأول الجديد عبد الإله بن كيران ليطلعه على الملفات(…) مثلما عمل الوزير الأسبق في الداخلية إدريس البصري، عندما اجتمع بالوزير الأول في عهده، عبد الرحمن اليوسفي، وعلم الجميع، أنه أبلغه بالملفات والقضايا(…) وحتى بالتعويضات التي يأخذها الوزراء.

وها نحن نعود قليلا في الزمن، إلى الوراء، لنقترب من الظروف، التي جعلت حزب العدالة والتنمية، يفوز في الانتخابات، بنسبة ضئيلة(…) فيحصل على رئاسة الحكومة، وهو موضوع آخر، ربما يرجع لظروف الربيع العربي التي جعلت الملك محمد السادس يختار الطريق الأسلم(…) لوقف الخطر عن المغرب. بل نذكر أنه بعد انسحاب وزراء حزب الاستقلال وسقوط الحكومة الأولى للعدالة والتنمية، وانقضاء أسابيع طويلة في انتظار الحكومة الجديدة، حيث تأكد، أن تيارات أخرى(…) انقضت على فرصة الفراغ وكانت بصدد تشكيل حكومة بديلة لحكومة بن كيران الأولى، حكومة سمع المقربون بأنها كانت تكتسي طابع حكومة ائتلاف وطني، يهيمن عليها حزب الأصالة والمعاصرة مسنودة بإعلان شبه دستوري، يعطي لهذه الحكومة فرصة خمس سنوات، بدون صداع الانتخابات، لتكون المفاجأة يوم إعلان تشكيل هذه الحكومة، بتجديد الثقة في حكومة عبد الإله بن كيران، مع حصول حادث من الأهمية بمكان، هو تعيين الخبير الأمني المجرب، محمد حصاد وزيرا للداخلية، وهو الذي كانت له عندما كان واليا في طنجة، صراعات مفتوحة مع حزب الأصالة، أيام تم ترتيب حصول قطب من هذا الحزب “سمير عبد المولى”، عمدة لطنجة بأوراق تصويت كتب على الكثير منها فؤاد عبد المولى في ظروف، رأينا كيف انهارت(…) وأصبح سمير عبد المولى عضوا في الحزب المنافس، العدالة والتنمية(…) وربما كان القرار العبقري، بتعيين حصاد وزيرا للداخلية، مفروضا من منطلق حتمية تواجد وزير للداخلية، يحمي الحكومة(…) من كل الأخطار.. أخطار التلاعب في الانتخابات مثلا، مثل ما حصل من قبل(…) حتى سمعنا قطبا من حزب الأصالة، بنشماس، يعلن في قاعة البرلمان، تذمره من تصرفات وزير الداخلية حصاد، قبل أن تعلن إحصائيات جادة لاستطلاع الرأي أن حزب العدالة والتنمية، مؤهل بحكم تجربته الحالية، لأن تجدد فيه الأصوات الانتخابية ثقتها (انظر الأسبوع عدد ……………..).

آفاق سياسية وتحولات مفاجئة، لن يرضى عنها الجميع طبعا.. وكيف تمر مرور الكرام، على التصريح الذي نقلته “الأسبوع”، عن المرحوم باها حين قال لأحد أصدقائه ((إن المغرب كله يضيع، الفساد غلبنا ولم نبق نستطيع التغلب عليه)) (الأسبوع. موضوع من سيكون الميت الثالث في بوزنيقة. عدد 11 دجنبر 2014).

وقد رأينا كيف توسعت الصحف الأخرى(…) في الكلام عن نهاية بن كيران، بعد وفاة باها، وهي النهاية التي تدعو لها وتبشر بها(…) أحزاب المعارضة بما نعرفه بتفصيل عن مكوناتها.

ورغم أن موت رجل، لا يمكنه أن يكون نهاية للدولة، وإنما يمكن أن يكون سببا في نهاية طرف من تلك الدولة، أو طرفا يحول مسار تلك الدولة، فإن كل الوسائل(…) ممكنة في التعامل السياسي.

وعلى هامش دور الموت في تغيير الحالات، نذكر على سبيل المثال تلك القصة التي كانت مراكش، مسرحا لها سنة 2005، حينما تم ضبط فضيحة الفرنسي هيرفي، الذي كان ينظم حركة فساد خطيرة، ورط فيها عددا من الأقطاب(…) كشف محضر التحقيق مع هذا الفرنسي بعد اعتقاله ((إن الأمر يتعلق بصور شخصيات مغربية من إطارات المحاكم ورجال سياسيين وأروبيين ساكنين في مراكش)) (كتاب باريس مراكش. بيير توكوا). ليتصل شاب مغربي اسمه عماد، عمره 23 سنة، بجريدة لوموند لينشر الملف بكامله، لتكتب هذه الجريدة، إنها لم تتوصل بالملف، ((لأن مراسلها الشاب عماد، عثر عليه مشنوقا ميتا في أحد كاراجات البلدية)) وهكذا طوي الملف، وانتهى كل شيء.

وإذا كان سلاطين زمان، يقولون: كم حاجة قضيناها بتركها، فإن كثيرين من المحيطين بالسلاطين، كانوا يقطعون الرؤوس ويعلقوها على جدران “باب محروق” بفاس، ولكن في زماننا هذا، نستبعد جدا أن تكون التصفية الجسدية، بقيت أسلوبا لحل المشاكل السياسية، وإن كان قد نشأ بيننا في ظل الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، من لا يستطيعون تحمل الظروف التي تسهم في إبعادهم، وأحرى إذا كان ملك البلاد بدعم من الأغلبية الساحقة يؤيد الأصول الديمقراطية، للتعامل فربما ذلك هو العنصر الذي يجعل بعضهم يتخذون مبادرات فردية، وكل شيء ممكن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!