في الأكشاك هذا الأسبوع

كيف ينبغي أن نحتفل بالمولد النبوي

 بقلم – د. يوسف الكتاني

               تعيش الأمة الإسلامية في ذكرى المولد الشريف أعيادا متصلة زاهرة، وأفراحا كريمة خالدة، تتفيأ خلالها ظلال الرسول الأمين، وتتأسى بنهجه القويم، معطرة مجالسها بسيرته الكريمة، محيية قلبها بهديه العظيم، في مولده الكريم، الذي كان مولد خير أمة كما عبر عن ذلك بقوله: “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين”.

ولا أعلن أن أحدا يفوق المغاربة في حبهم للرسول عليه الصلاة والسلام، فهم أشد الناس تعلقا به، واحتفاء بمولده، وتعظيما لذكره، وتمجيدا لصفاته، وآية هذه المحبة أنهم جعلوا يوم مولده عيدا كريما، يحتفلون به فيه، بكل التجلة والتكريم والتعظيم، ويتفننون في صياغة الأماديح والقصائد في ذكر محاسنه وأخلاقه وسيرته، ويحيون بهذه الإنشادات والترانيم، حفلات زواجهم وعقيقتهم، وختانهم وحجهم وغيرها، ولكن هل يكفي هذا وحده في الاحتفاء بمولده الكريم، ويكون عربونا على محبته؟

فكيف إذا ينبغي أن نستقبل هذه الذكرى ونحتفي بها؟ وما هي العبرة التي ينبغي أن تستخلص منها؟

إن حلول ذكرى المولد كل سنة، يحمل لأمة الإسلام معنى التجديد في حياته وسلوكها، ويستحثها على مراجعة سيرتها وأخلاقها على هدى القرآن والسنة، تحقيقا للمعنى القرآني العظيم “لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر…” (الآية)، لذا ينبغي أن نعبر في مولد الرسول حقيقة، عن حبنا العظيم له، ونؤكد هذه المحبة ونجددها وندعمها بالبراهين والأعمال المثبتة لها، ذلك لأن المحبة تقتضي الاتباع، وهذا يعني الاقتداء والتأسي بالرسول، باتخاذه المثل الأعلى للمسلم، في حياته كلها، أقوالا وأعمالا، سيرة وسلوكا.

إن أعظم احتفال بذكرى المولد، يتمثل في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم بتحقيق رسالته والتشبث بها، وتطبيق أركان الإسلام ومبادئه، والسير على نهجه وسنته، وإحياء معالمه وقيمه ومبادئه، والتقيد بأوامره ونواهيه، وتوجيهاته في حياتنا وسلوكنا، كي يطبع النهج العملي للإسلام أعمالنا، في البيت، والمدرسة، والمحكمة، والشارع، والنادي، وفي سائر مرافقنا، حتى يصبح دين الله هو الغالب، وشريعته هي المطبقة والحاكمة والهادية، كما كان الأمر أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى عهد صحابته وتابعيهم، حتى نجعل من الرسول النموذج الأرفع، والمثل الكامل للمسلم الحق، المتشبث بدينه الداعي إليه، المطبق له، العامل به، والذي جعل من سيرته تطبيقا عمليا للإسلام، وتفسيرا حقيقيا للقرآن.

لقد حقق الرسول صلى الله عليه وسلم بسيرته وهديه، مبادئ الإسلام ومثله العليا، وجعلها آيو في الأرض، لتكون نبراسا لنا وللعالمين، وضياء ونورا للناس أجمعين، وجاهد وصابر حتى أصبحت كلمة الله هي العليا، وغدا الحق والخير والعدل سلوك المسلمين ومبادئهم، فأصبحت بذلك المعجزة تابعة للإيمان، بعد أن كان الإيمان تابعا لها، وخلصت النبوة لمهمتها الكبرى، وهي هداية الضمير الإنساني في تمام وعيه، وكمال إدراكه، تحقيقا لإرادة الله، وذلك هو ما جعل من الأمة الإسلامية في فترة وجيزة، أمة مؤمنة، موحدة، قوية، متحدة، استطاعت أن تقلب وجه التاريخ، وتقضي على الجهل والعبودية، والتفرقة والظلم، وتكون خير أمة أخرجت للناس.

إن هذا هو ما جعل العالم الأمريكي “مايكل هارت” يختار الرسول عليه السلام، ويتوجه على رأس المائة المختارة من الخالدين، الذين قدموا أعظم الخدمات للجنس البشري، بتجرد ونزاهة، لأنه الإنسان الوحيد في التاريخ الذي سجل نجاحا على المستويين الديني والدنيوي كما أكد العالم المذكور.

وإذا كانت حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأخلاقه، ومعجزاته، أنارت عقول العلماء والباحثين، وهدت كثيرا من الحكماء والمفكرين إلى الحق والإيمان، أفلا يحق لنا ونحن نحيي ذكرى مولده الشريف أن نكون أحق وأولى بالاتباع والاقتداء؟ فنتأسى بسيرته، ونقتدي بسلوكه، ونتخلق بأخلاقه، فنحيي السنن، ونميت البدع، وننبذ الضلالات والسفاهات التي طغت على مجتمعاتنا، وعلى حياتنا، ولنعتز بالإسلام كما اعتز به الأولون، فقادوا وسادوا وحققوا المعجزات، وفتحوا الفتوح، ولنجعل من الرسول صلى الله عليه وسلم مثلنا الأعلى، وقدوتنا الأولى، ورائدنا الأكبر، الذي ظل حياته ينصح الأمة، ويوجهها إلى ما فيه خيرها وصلاحها، كما صور ذلك أحسن تصوير في قوله: “إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم – أمنعكم وأبعدكم- عن النار، وهم يقتحمون فيها” وصدق الله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!