في الأكشاك هذا الأسبوع
الوزير الأول السابق عبد الرحمن اليوسفي، ورئيس الحكومة الحالي عبد الإله بن كيران.. في انتظار رئيس حكومة جديد يقول الحقيقة للرأي العام

الحـقــيقة الضــــائعة | الصراع على النفوذ يعود للمغرب من جديد

   

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

    الكذب على الرأي العام، مهنة يمارسها دائما، الأقطاب الذين يعششون في مناطق النفوذ، القصور في عهود السلاطين، والدواوين في عهود الوزراء الأقوياء، ورغم أن السلاطين لا يتكلمون كثيرا، تفاديا للتورط فيما قد لا يكون لهم به علم، فإن الكذب في عهود استبداد الوزراء الأقوياء، يكون عادة من اختصاص وسائل الإعلام التابعة لهم، حتى إذا فوجئوا يوما بالصدمة(…) قالوا، إنه كلام الجرائد.

ولكن الكذب على الرأي العام، كان حتى قبل ظهور الجرائد، حيث كان لكل زمن، وسائل الكذب فيه، وإن كانت الوسائل تتوحد مع الغاية، في جميع الظروف والأحوال.

الدولة المرابطية، في تاريخ المغرب، مثلا: ((لجمت كل اختلاف في الرأي، ووجهته وفق ما يخدم مشروعاتها الجهادية والعسكرية، مما أدى إلى غلبة الثقافة التسليمية على حساب التيار العقلاني)) (المغرب والأندلس. إبراهيم القادري).

تماما كما يحصل الآن، حيث عرف المغرب منذ الاستقلال سياسة التلجيم، المتناقضة مع الديمقراطية، تناقضها مع حق الشعب في معرفة ما يجري(…)، فكانت النتيجة ما نسمعه من استسلام نخب من الشباب المغربي، للثقافة التسليمية(…) لفكرة الجهاد والقتل والذبح لدى داعش، على حساب التيار العقلاني، كما قال الأستاذ القادري.

وكانت أكبر كذبة مبرقة في تاريخ المغرب، متمثلة فيما جرى بعد موت واحد من أعظم سلاطين المغرب، الحسن الأول، حينما كان بجانبه صديقه الرجل القوي، باحماد، ونماذج باحماد، كثيرة متعددة في المغرب، رغم أن هذا الرجل كان أيضا، قويا بعلمه، وبمكانته لدى الرأي العام، الذي كان يرى فيه الرجل الضامن للاستقرار، والمحافظ على هيبة المغرب، يعرف القبائل وأولادها، ويعرف خطورة المس بالهياكل الأساسية في الدولة، لدرجة أنه لما مات الملك العظيم، الحسن الأول، وخلفه ابنه الذي لا يقشع شيئا لا في السياسة ولا في الحكم، فبقي باحماد، وزيره وحاضنه ومعلمه(…) لمدة خمس سنوات، مات بعدها باحماد سنة 1900، فجاء مبعوث فرنسي يسمى “مونيبيل”، كان يعيش على أطراف عرش الحسن الأول، ليبلغ السلطان الجديد، مولاي عبد العزيز، رسالة تقول فيها فرنسا للمغرب: ((إن موت باحماد يحرم السلطان الشاب، من وصي ضروري أكثر منه صعوبة في المراس، افتقد فيه المغرب وصيا(…) رغم عيوبه الكثيرة، لأنه كانت له على الأقل ميزة واحدة، وهي أنه رجل نفوذ)).

باحماد هذا، كان جبارا في مجال الكذب على الرأي العام، وهو الذي خلف في التاريخ، أكبر مثال على ظاهرة هذا الكذب.

فعندما مات الحسن الأول في شتنبر 1894، بناحية تادلة، قدر باحماد خطورة شيوع خبر موته عند الرأي العام وهو بعيد عن مركز دولته وما قد يسببه خبر موت السلطان من فوضى، وبقي باحماد يفكر وهو واقف أمام جثمان السلطان العظيم، ليجد الفكرة الجهنمية، الكذب على الرأي العام، فخرج من الخيمة التي بها جثمان الملك، وقال: إن سيدنا تعبان، يحتاج إلى الراحة، وبعد ذلك يدخل للخيمة مرة أخرى ثم يخرج ليقول سيدنا يأمر الموكب بالتحرك.

تصوروا جثمان الملك الميت في شهر شتنبر في عز الحر، وهو على المحمل، والحاجب باحماد يقول لأعضاء الموكب ((إن سيدنا تعبان، ليس بإمكانه أن يدرس القضايا ولا أن يستقبل الناس كعادته لكي يتولى جثمان السلطان تكذيب الحاجب الكبير بحكم تعفن الجثمان)) (هاريس. أيام السلاطين).

ذلك أن باحماد، كان يعرف الصراع الذي سيندلع بين أولاد الحسن الأول، وكان متفقا مع زوجة السلطان رقية، وهي تركية الأصل، على أن ينصب ولدها عبد العزيز سلطانا محل أبيه.

الصراع إذن على النفوذ، فكيف يمكن للملك الجديد، أن ينجو من الإصابة وهو في شبابه، بهذه الظاهرة التي استفحلت في عهده، لدرجة أنها كانت سبب الإطاحة به، وقد كتب هذا الصحفي هاريس، الذي حضر وفاة الأب، وحضر تنصيب الابن عبد العزيز ((لقد أقفل مولاي عبد العزيز في وجهي أبواب القصر، لأنه يعرف أني صحفي يشتغل في جريدة بريطانية، ينقل على صفحاتها آمال الشعوب في الحرية والمساواة، وقد كان سكان مدينة فاس يتهافتون عليّ ليبلغوني تعاطفهم)) (نفس المصدر).

لقد بلغ أسلوب الكذب على الرأي العام في المغرب أيام مولاي عبد العزيز، خاصة بعد موت باحماد، الذي كان يكذب على الشعب، بالمقياس، ويراعي متفاديا أن تكون ردة الفعل قوية، فلما مات استفحل وضع الكذب على الشعب، وبلغ حدا، جعل أحد وزرائه، الطريس يكتب إلى الوزير الجديد بنسليمان ((إن الصحافة مزعجة للمخزن، ولقد تضايق جانب من المخزن، من لهجة الجرائد الحديثة، فهي تجاهر بالكلام الذي فيه ترويع لرعية الإيالة السعيدة)) (محمد المنوني. مظاهر يقظة المغرب).

مثلما أن استعمال الاسترزاق الصحفي، لنشر أفكار الكذب على الرأي العام، ليست وليدة اليوم(…) ففي الزمان الذي نتكلم عنه، زمن مولاي عبد العزيز، ارتأى المخزن، أن يصدر صحفه التي تتماشى بسكوتها(…) مع سياسة الكذب على الرأي العام، وحيث أنه في ذلك الوقت، لم يكن في المغرب حشد من الصحفيين المرتزقة(…) فإن المحيطين بالسلطان، ولم يكن فيهم أيضا(…) من يستطيع كتابة مقال أو افتتاحية، استقدموا صحفيين لبنانيين، أرتور نمور، وفرج الله نمور، ليصدروا بطنجة جريدة اسمها “لسان المغرب”، نسي رجال الأجهزة أن يدفعوا لهم المصاريف، كما يجري، عندنا في كثير من الحالات(…) فكتب الصحفيان اللبنانيان رسالة إلى الوزير الأول محمد المقري يقولان فيها:

((إذا كان المخزن الشريف، يريد أن يقوم بجريدة تخدم مصلحته ومصلحة البلاد، فيلزم أن يقوم بنفقاتها على وجه عادل(…) فقد دفع لنا المخزن على الحساب، ألف ريال، بينما خسائرنا هي خمسة آلاف ريال، وبينما حضرة النائب السيد الجباص، الذي حاز هذا المبلغ، قال لنا إنه أداه من جيبه الخاص، ويريد استرجاعه، وإننا نطالب ذمة المخزن بأربعة آلاف ريال، عن خسائر السنين الثلاثة الماضية)) (محمد المنوني. يقظة المغرب).

في ذلك الزمان، كان السلطان العثماني المنفي عبد الحميد، وقد سمي آخر السلاطين، يكتب مذكراته ويتذكر كيف كانت الصحف في أيام عزه، لا تنشر إلا أخباره ((جريدة تركيا، كانت تنشر تفاصيل حياة السلطان الذي لا يريد أن يبقى في القصر، فيركب الباخرة التجارية يوميا، على البوسفور، مرة في اتجاه البحر الأحمر ومرة في اتجاه مرمرة، فتصدر يوميا بيانات مفصلة عن تحركات جلالته، كل بيان يكون مبشرا بأن البيان التالي سيكون أكثر بشارة)) (مذكرات آخر سلطان. ميشيل دوكريس).

سياسة الكذب على الرأي العام، كانت شائعة أيضا في ذلك الزمان، لولا أنها منذ أيام نفي السلطان عبد الحميد، 1910 التي تصادف سلطنة مولاي عبد العزيز في المغرب، استفحلت سياسة الكذب على الرأي العام، بالنسبة إلينا منذ أيام مولاي عبد العزيز، التي كتب فيها صديقه الصحفي(…) فير، وهو يعيش مع السلطان ويسهر معه: ((والسلطان، مغيب في الجهل التام بما يجري، حتى ثورة بوحمارة، كانت تقدم له على أنها نسخة مما يجري في العالم، والسلطان لا يعرف من الحقيقة إلا أطرافها)) (في رفقة السلطان. كابرييل فير).

ذكرنا أستاذ فرنسي، كان مستشارا للملك الحسن الثاني، وكتابات أصدقائنا الفرنسيين، هي التي تذكرنا دائما بالتفاصيل ((إنه كان في حفل كبير، بمناسبة تخرج ولي العهد سيدي محمد سنة 1994 من جامعة فرنسية فصفق الأساتذة الحاضرون، وصفق هذا الكاتب “ميشيل روسي”، ثم توقف عن التصفيق، ليجره الوزير السابق إدريس البصري، بعيدا، ويؤنبه: لماذا لا تصفق مع الحاضرين، فأجبته يقول روسي: لقد صفقت)) (حياة مغربية. ميشيل روسي).

وعلى هامش الفرنسيين، كانت جريدة “لوبوتي ماروكان” التي كان يملكها القطب الاستعماري، ماس، حريصة على البقاء حتى في عهد ما بعد الاستقلال، مكلفة بمهمة المحافظة على سياسة دعم مخطط الكذب على الرأي العام، وربما لاستمرار غرس هذه السياسة في أعماق الواقع المغربي، فنقرأ على صفحات هذه الجريدة نموذجا مشوقا من كتاباتها عن نشاط رئيس الحكومة المغربية: ((مراسلة من صفرو، 19 أبريل 1965.

لقد اكتست صفرو مدينة حب الملوك أجمل حلاها لاستقبال الوزير الأول امحمد باحنيني تحت قوس النصر، وساريات الشرف والجماهير المتزاحمة والفرحة الشعبية، الخليقة بالتقدير الذي تكنه قبائل الأطلس للوزير الأول، وبعد تقديم التمر والحليب، كان سيادته مرفوقا بعامل الإقليم السيد بنشمسي والسيد قميحة الكاتب العام، وباشا فاس، السيد الناصري، والقايد التهامي اللبار والشريف مولاي الحسن العلوي باشا المدينة، وقد التحق الموكب بقاعة البلدية حيث كان أعضاء المجلس البلدي ومستشارو الجماعات والقضاة، وفي كلمته تحدث السيد الوزير الأول، عن الطابع الشخصي(…) لزيارته هاته، مفسرا بالمناسبة، أهداف “الحزب الاشتراكي الديمقراطي” الذي تأسس أخيرا، ليقابل خطابه بموجة من التصفيق، أعقبتها المأدبة التي أقامها مولاي عبد السلام بن العربي العدلوني رئيس الغرفة الفلاحية)) (لوبوتي ماروكان. 20 أبريل 1965).

ليتعلم وزراؤنا الأولون في أيامنا هاته، أنهم تنازلوا عن المخطط الذي رسم غداة الاستقلال، للنفخ في الشخصيات الحكومية وقد رأينا أن بعضهم، وزراء أولون ورؤساء الحكومة، اكتفوا في تعاملهم مع مخطط الكذب على الرأي العام، بحالات نموذجية وإن كانت تترجم نفس المعنى(…)، أيام الوزير الأول في حكومة التناوب، عبد الرحمن اليوسفي، الذي عندما كادت الحرب أن تندلع بين المغرب وإسبانيا، بعد أن احتلت جزيرة ليلى، فاتصل به رئيس الحكومة الإسبانية “أزنار” تلفونيا ليحتج، فأجابه وزيرنا الأول باللغة الإسبانية: أنا لم أعمل شيئا، إني لا أعرف عن القضية أكثر منك.

خمسة عشر عاما من بعد، سئل رئيس الحكومة الجديد بن كيران، مؤخرا، في قناة التلفزيون “تيفي 5” عن الجنود المغاربة الذين أرسلهم المغرب للدفاع بجانب جيش مالي فأجاب رئيس الحكومة بن كيران: “‘هذا ما ليس لي به علم”.

فمن يقول الحقيقة – يا ترى – للرأي العام المغربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!