في الأكشاك هذا الأسبوع
باها - الزايدي

هل ستكف عفاريت وادي الشراط عن الجري وراء القرابين ؟

        للوديان في تاريخ العرب قصة طويلة، توزعت ما بين رهبتها باعتبارها موطنا للجن والشياطين والقوى الخارقة، وما بين رغبتها كمصدر للإلهام الشعري، وبعث الروح الإبداعية في نفوس الشعراء.

بلدنا المغرب الذي يأبى أن يتخلف عن ركب التاريخ، ويصر إصرارا على تخليد نفسه بما سبقه إليه المتقدمون، دخل بوابة التاريخ، وألقى بوادي الشراط في قائمة الوديان العربية التي تركت بصماتها في التاريخ العربي، لينضاف إلى وادي عبقر، ملهم الشعراء، ووادي النيل طالب القرابين من النفس البشرية على رأس كل سنة، كما كان ديدنه قبل مجيء الإسلام إلى مصر، ووادي حضرموت وما يرتبط به من حضارات عربية بائدة كعاد وثمود، ويجعل المهتمين والمؤرخين ينتبهون إلى أهميته حينما أوقع تحت الثرى، وفوق الثرى شخصيتين سياسيتين من العيار الثقيل في ظرف شهر واحد، كما لو كانت تسكنه أرواح شريرة تتملى بقتل من يحوم حولها، أو حول ملهَميها (بفتح الهاء)، وإرساله إلى العالم الآخر في إطار حرب ربما كشفتها الدلالة اللغوية لجذر كلمة الشراط، فالفعل شرط (بفتح الشين والراء) يدل على من وقع في أمر عظيم، والشرط (بضم الشين المشددة، وفتح الراء) يراد بها أول كتيبة تشهد الحرب، وتتهيأ للموت… قد يدل هذا على حرب طاحنة حجبت لسبب ما عن أعيننا وإدراكنا، ولم نعلم عن تفاصيلها شيئا وهي تدور بين عفاريت الوادي وتماسيحه وأغواله، وبين كتيبة الزايدي أولا، وكتيبة باها ثانيا، ولم نعلم من الأمر إلا نهايته المأساوية، دون أن ندري شيئا عن المقدمات والأوائل والأواسط، ولا عن الدوافع، فمن ذا الذي أوحى إلى الأول بشد الرحال إلى هناك في يوم ماطر، وحيدا بصيغة الكتيبة، ليقاتل في صمت، ويموت في صمت؟ هل توصل بفراسته أن مواجهة العفاريت ليست في البرلمان، ولا في الجرائد، ولا في أقبية المقرات الحزبية والإدارات العمومية، وإنما بالإغارة على مصدرها وينبوعها الذي اتخذته آلهتها مقرا دائما توحي من خلاله إلى أنصارها زخرف القول وفنون الضحك على الذقون؟ وهل كان ذلك بهاتف من زميله في الحزب المهدي بنبركة الذي تعرض لمحاولة اغتيال في ذات الموقع قبل حوالي 52 سنة، الذي ربما اكتشف بدوره متأخرا خطورة المكان، وتأثيره القوي في السياسة المغربية، فأوصى حفيده في السياسة بالتنقيب عن الشر في الشراط واجتثاثه، حتى يستطيع تجفيف المنبع الذي تتغذى منه الكائنات التي كان يواجهها بالليل والنهار، دون أن ينال من جبروتها وطغيانها شيئا، وقضى نحبه أن يحقق الهدف، فحمل معه بدوره إلى العالم الآخر غصة إفلات العفاريت من قبضته، بما قض مضجعه في قبره، ولم يجد غير شبيهه في الحكمة ودماثة الخلق والغيرة على الوطن ورفض التطبيع مع العفاريت والشياطين عبد الله باها، ليرسل إليه هاتفا من مرقده يخبره بحقيقة ما استعصى على الأحياء فهمه، وليسلمه من هناك لواء المواجهة الحاسمة، عساه يظفر بشرف النصر، ويزف للمغاربة حكاية نهاية هذا المارد، الذي يخفي تحته موارد أفسدت السياسة وتناسلت، فخلقت لها شيعا في كل مكان… ليلقى حتفه بدوره دون هذا الهدف، ويحمل معه سر المعركة ومن يديرها ويحصد الأرواح الطيبة إلى الآخرة.

إنه لأمر غريب حقا أن يرحل عنا سياسيان بهذه الطريقة الدراماتيكية، يشهد لهما بالفضل والقدرة على جمع شمل المغاربة تحت راية الوطن، وإيثار المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة، في الوقت الذي نرى فيه كائنات السياسة الرديئة والمنحطة تزداد رسوخا في الأرض، وتملأ الدنيا عويلا وصياحا، وتحول المشهد السياسي إلى ما يشبه المسرحة ذات البعد الهزلي الذي يمتح جذوره من اللامعقول، فهل هذه رسالة من شياطين وادي الشراط، تخيرنا بين الموت إن نحن اخترنا طريق التمرد، وبين الحياة السياسية المنتعشة إن نحن آثرنا السلامة وفضلنا العيش في كنفها والائتمار بأمرها؟

نور الدين الطويليع‎

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!