في الأكشاك هذا الأسبوع
اتحاديون يطالبون بالتحقيق في مقتل بنبركة في منتدى مراكش لحقوق الإنسان

روبورتاج | خبايا اعتقال المهدي بنبركة وجدور الصراع بين اليمين واليسار في حزب الاستقلال

في بعض الأحيان يلجأ الخصوم داخل الحزب الواحد إلى عرقلة بعضهم البعض، لتخلوا الساحة لجناح أو تيار على حساب الآخر. ونود أن نتطرق في هذا الباب إلى حدث غير معروف حدث داخل حزب الاستقلال أيام الصراع مع الملكية(..) عندما أصدرت الحكومة المغربية التي كان يقودها أحمد بلافريج ممثل الجناح المحافظ من حزب الاستقلال أمرا باعتقال زعماء الجناح اليساري من الحزب، وعلى رأسهم المهدي بنبركة بتهمة التآمر على الملك، حيث سنتطرق لهذه الأزمة انطلاقا من وثيقة للمخابرات الفرنسية.

—————————————-

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

أعدت المخابرات الفرنسية بتاريخ 7 أكتوبر 1958 تقريرا حول الصراع الداخلي بحزب الاستقلال، وعلاقته بالملك محمد الخامس، تحت عنوان “تفاصيل عن أصل وتطور أزمة حزب الاستقلال“. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشخص المخبر الذي قدم المعلومات للمخابرات الفرنسية، كما تصفه الوثيقة هو شخصية مغربية رفيعة المستوى، وعضو بالمجلس الوطني الاستشاري (تشكل هذا المجلس في أكتوبر 1956 وترأسه المهدي بنبركة حيث كان هذا المجلس يلعب دور البرلمان). وتشير الوثيقة إلى أن الرجل له علاقات وطيدة جدا مع المهدي بنبركة من جهة، ومن جهة ثانية كان يعرض استشاراته على الملك محمد الخامس. كما له علاقة ومعلومات مهمة للغاية حول الأزمة التي حدثت بين القصر وحزب الاستقلال أو الجناح اليساري للحزب في الأسبوع الأخير من شهر شتنبر 1958.

وتشير الوثيقة إلى أن الثابت بخصوص ما يميز الوضعية السياسية الداخلية للمغرب دائما هو التغيرات والتحولات السريعة والمتكررة التي تعرقل باستمرار حل المشاكل السياسية. غير أن هذه القاعدة حسب الوثيقة لا تفسر سوى جزء بسيط من المشكل الخاص بأزمة حزب الاستقلال، وذلك بعدما ظهر بصفة حتمية أن الحزب في طريقه إلى الانشقاق لا محالة. وتضيف أن المصدر الذي أخذت منه المعلومات مطلع تماما على الأحداث التي ميزت تطور هذا الصراع، حيث يقدم معطيات مهمة حول أصل وطبيعة التغييرات التي عصفت بحزب الاستقلال.

 

محاولة طرد المهدي من جريدة حزب الاستقلال

 نود أن نوضح أولا مسار تطور العلاقة بين الجناح اليساري أو التقدمي للحزب ويمينه، وكيف تحولت العلاقة من علاقة توتر بين الحزب والملك أو القصر بصفة عامة، إلى علاقة صراع داخل الحزب نفسه.

لقد دخلت العلاقات بين القصر ويسار حزب الاستقلال مرحلة حرجة بعد استقالة وزراء حزب الاستقلال من الحكومة التي كان يترأسها مبارك البكاي في أبريل 1958، وذلك بسبب موافقة هذا الأخير على ملتمس تقدم به وزيران غير استقلاليين يطالبان من خلاله بإصدار ظهير للحريات العامة. وعلى إثر تلك الاستقالة دخل القصر وحزب الاستقلال في مفاوضات طويلة دامت حوالي شهر، وتمحورت حول تشكيل الحكومة الجديدة. وقد أعد خلال تلك المفاوضات كل من عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة مذكرة رفعت للملك تطالب بصدور ظهير يحدد مسؤولية الحكومة الجديدة.

وقد اتصل الملك بعد ذلك بقدماء الحزب ومن بينهم علال الفاسي، وحاول أن يقدم بعض التنازلات، حيث اقترح تعيين شخصيتين مقربتين من حزب الاستقلال على رأس وزارتي الداخلية والدفاع. واقتنع قدماء الحزب باقتراح الملك ووافقوا عليه، وهنا نشب المشكل داخل حزب الاستقلال نفسه، حيث اتهم الجناح اليساري للحزب قدماء الحزب بأنهم عاجزين عن مواجهة رغبات القصر.

وجرى تصويت داخلي بين أعضاء الحزب حول من مع أو ضد “الرغبة الملكية“، وقد صوت أعضاء يسار الحزب ضد الرغبة الملكية، عكس يمين الحزب. وانسحب على إثر ذلك عبد الله إبراهيم للدار البيضاء كتعبير عن قطيعة مع الاتجاه المحافظ للحزب، وشن هجوما عليه عن طريق جريدة الاتحاد المغربي للشغل. كما انتقل المهدي بن بركة إلى الهجوم على الاتجاه المحافظ كذلك، وذلك عن طريق جريدة الاستقلال الناطقة بالفرنسية، لكن سرعان ما انتزعت منه رئاسة تحريرها، وكاد أن يطرد من الحزب بعد استغلال الجريدة للهجوم على أعضاء حزبه، ولولا تدخل عبد الرحيم بوعبيد لمصلحته لطرد من الحزب بصفة نهائية.

 

 “المحافظون” يعتقلون اليساريين

صفات المخبر "المغربي" لدى فرنسا في الوثيقة الفرنسية

صفات المخبر “المغربي” لدى فرنسا في الوثيقة الفرنسية

تطلعنا وثيقة المخابرات الفرنسية على حدث جديد وهو أنه في خضم الصعوبات التي كان يمر منها حزب الاستقلال جراء الانقسام الداخلي، قامت الشرطة بعملية ضخمة ضد بعض العناصر المحسوبة على زعماء الجناح اليساري من حزب الاستقلال، وكان في المقام الأول ممن تعرض للاعتقال نائب الأمين العام للحزب المهدي بنبركة.

وتشير إلى أنه قبل أسابيع قليلة من هذه الحملة كانت المجموعة التقدمية في حزب الاستقلال ومنهم المهدي بنبركة وعبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق، والفقيه البصري، وكذلك وزير الداخلية السابق إدريس المحمدي، على علم بأن الملك توصل بملف يثبت بأن عناصر من الجناح اليساري لحزب الاستقلال يتآمرون على الملك بصفة خاصة والنظام القائم بصفة عامة، والتهمة في ذلك هي عرقلتهم لقانون الحريات العامة أو برنامج العمل السياسي من الخروج إلى العلن، خاصة وأن المعارضة التي كان يقودها حزب الشورى والاستقلال، وحزب الحركة الشعبية كانت تضغط على الملك من أجل إصدار هذا القانون.

كما تبين أن المهدي بنبركة والمحجوب بن الصديق علما أثناء ما يعرف بأحداث بوعرفة التي تقاتل فيها فصائل من جيش التحرير ضد بعضهم البعض، أن ترتيبات وإجراءات حملة الشرطة ضد الجناح اليساري للحزب اتخذت على مستوى الحكومة، وذلك للرد على مشاريع المهدي بنبركة. ومعنى ذلك أن الإجراءات اتخذتها الحكومة التي كان يرأسها أحمد بلافريج أمين عام حزب الاستقلال وأن أعضاء الحزب انقلبوا على بعضهم البعض، حيث انقلب الاتجاه المحافظ على الاتجاه التقدمي أو اليساري، ليتهمه بأنه هو من عرقل هذا القانون من الخروج إلى العلن.

وتضيف أن الأوامر التي أعطيت للشرطة كانت تقضي بحملة اعتقالات في حق كل المسؤولين المحسوبين على الجناح اليساري لحزب الاستقلال، مشيرة إلى أن الفقيه البصري قد نفذ اعتقاله، وقد كان لحظة تحرير الوثيقة في حالة اعتقال، غير أنه استثني بعض الأعضاء من الجناح التقدمي للحزب من أمر الاعتقال في آخر لحظة، حيث تؤكد الوثيقة أن أمر اعتقال الوزير السابق عبد الله إبراهيم تم إلغاؤه في اللحظة الأخيرة.

 

قرار الاعتقال أربك المهدي بنبركة ورفاقه

وأوردت الوثيقة أن إجراء الحكومة القاضي باعتقال زعماء يسار الحزب، والذي تصفه الوثيقة بأنه كان ببطش، قد تسببت فعليا في هز الروح المعنوية لزعماء الجناح اليساري لحزب الاستقلال، ويبدو أن هذا ما كانت تسعى إليه الحكومة التي كان يقودها الجناح المحافظ للحزب، والذي كان يسعى إلى كسر شوكة وإيقاف تحركات الجناح اليساري الذي كان نشيطا في تلك المرحلة.

وأمام هذه الحملة أقدم بنبركة على إجراء مهم تمثل في طلب التماس مقابلة الملك محمد الخامس، وتشير الوثيقة إلى أنه أقدم على هذا الإجراء دون استشارة أصدقائه، وقد لقي طلب بنبركة القبول، حيث تلقى دعوة من طرف القصر. وأثناء مقابلته الملك اعترف بنبركة أمام الملك بأن برنامج العمل السياسي أو قانون الحريات العامة تم إلغاؤه فعلا، لأنه في نظر بن بركة يؤدي إلى تفكك البنية المغربية الأصيلة. كما أكد له أن إلغاءه استغل من طرف خصوم حزب الاستقلال واعتبروه مؤامرة على الملك والنظام المغربي بشكل عام.

وحسب المصدر نفسه، فإن بنبركة احتج أمام الملك على الاتهامات الموجهة إليه شخصيا بأنه هو من ألغى قانون الحريات العامة، وأكد له بأن الاتهامات تفيد بأنه الرأس المدبر للمؤامرة المزعومة ضد العرش، كما أكد له أنه كان مجرد مشارك وليس زعيما في تنفيذ قرار تعطيل قانون الحريات العامة، الذي كان ممن عمل على عرقلته من الصدور أعضاء في الحكومة.

وتشير الوثيقة إلى أن بنبركة كان يود أن يبرز للملك أنه في تلك الأحوال فإن المسؤولية مشتركة بين جل أعضاء الحكومة، وأكد له أن على الرغم من تظاهر أعضاء الحكومة بأنهم محايدين فإنهم يبقون خاضعين لأوامر الحزب، وأنهم هم أنفسهم لهم التزامات معينة على تنفيذ برنامج العمل السياسي أو قانون الحريات العامة، الذي لا يمكنهم أن يتملصوا من مسؤوليتهم في رفضه.

 

بنبركة يقنع الملك محمد الخامس ببراءته

وتتطرق الوثيقة إلى أن بن بركة بعدما أكد للملك على تدهور وتردي الأوضاع الداخلية للبلاد، فإنه حاول أن يعترف أمام الملك بأنه من الخطإ اعتبار الصراع القائم مجرد صراع بين أشخاص، ولكن الأمر أبعد من ذلك. كما أكد له أن الذي يجري داخل حزب الاستقلال وباقي أطراف المعارضة إنما يتعلق بمشكل مذاهب سياسية، كما أشار للملك بأن عمق المشكل في نهاية المطاف، يكمن في معرفة هل برنامج حزب الاستقلال يعرفه المغاربة أم لا.

وبعد هذا النقاش مع الملك تظهر الوثيقة أن الملك أعجب كثيرا على ما يبدو بما قدمه بنبركة من أدلة وبراهين، مضيفة أن الملك أدلى لبنبركة بملاحظات على المناورات “غير العادلة” التي تحاك داخل حزب الاستقلال، ومع ذلك، فقد قدم الملك دعمه لبنبركة. مستأنفة الحديث عن أن بن بركة جدد القسم أمام الملك، وبعد أداء اليمين ذكره الملك أنه خان التزاماته، وقد وافق الملك على أن يسامحه، كما قدم له ضمانات بكونه سيوقف أمر الاعتقال في حقه. وفي اليوم الموالي قام إدريس المحمدي بنفس العملية التي قام بها بنبركة حيث طلب لقاء الملك، وبعد نقاش حول المشكل نال الرجل عفو الملك.

 

أزمة داخل حزب الاستقلال

وبعد وقت قليل من زيارة كل من بنبركة والمحمدي للملك حدثت أزمة حقيقية داخل الحزب، لدرجة أن اللجنة التوجيهية استدعت بنبركة والمحمدي واستجاب لها المهدي بنبركة وحده وواجه الانتقادات الموجهة إليه بشجاعة، حيث كانت كل التهم الموجهة إليه من طرف أنصار يمين حزب الاستقلال بأنه يهدف إلى ممارسة سلطة شخصية على الحزب.

نعود إلى الوثيقة لنجد أن أعضاء حزب الاستقلال ضغطوا على الرجل من أجل التخلي عن مهامه داخل الحزب خلال الاجتماع أو على الأقل التقليص من نفوذه، ولكن الرجل رفض ذلك، وأكد أنه لن يفعل حتى ولو طلب منه مؤسسو الحزب ذلك. وهذا مخالف لما هو شائع حول أن بوعبيد هو من تدخل من أجل منع طرد الرجل من الحزب، عندما شن هجوما على الجناح المحافظ للحزب على أعمدة جريدة الاستقلال، حيث يبدو أن بنبركة من خلال هذه الوثيقة كان قويا وحازما ومدافعا عن رأيه ومعارضا لأمر طرده بنفسه دون الحاجة لأحد.

وتشير إلى أن إصرار الرجل على البقاء في الحزب، كان من أجل الحفاظ على موقعه داخله حتى إشعار آخر، والذي سيكون في كل حال من الأحوال في المؤتمر القادم الذي كان من المقرر أن يكون يوم 11 يناير 1959، وهو التاريخ الذي انشق فيه الحزب بصفة نهائية، موضحة أنه في نهاية الأزمة التي تميزت بالتقلبات، قرر بنبركة أن يأخذ الطائرة للذهاب إلى يوغوسلافيا وبعدها إلى البندقية، استجابة لرغبة الملك، كما قام بمقابلة مع الأمير مولاي الحسن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!