في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في حوار مع المرحوم بوشنتوف

بليوط بوشنتوف.. رجل القصر الذي كان ملاذ البيضاويين

بقلم٠ رمزي صوفيا

     اسمه يدل على المدينة التي ينحدر منها ألا وهي العاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء.. إنه الراحل بليوط بوشنتوف، الذي كان يحمل اسم أشهر ضريح بالدار البيضاء وهو ضريح سيدي بليوط.

قبل أن أتعرف عليه كنت منذ استقراري في المغرب أسمع عنه كل خير من الصديق المشترك بيننا، رجل الأعمال العراقي فرح السهيلي الذي يعمل مقاولا عقاريا شيد عدة عمارات في مختلف أنحاء المغرب، كما كان يمتلك محلا لصياغة المجوهرات في بغداد وكان الصائغ الخاص لصدام حسين ولعائلته ولأكبر العائلات العراقية.

 ——————–

        ذات يوم، أخبرني صديقي فرح السهيلي بأن السيد بليوط بوشنتوف كان يعرفني عن طريق الندوات الصحفية التي كان يعقدها الراحل العظيم الحسن الثاني، وأكد لي بأن السيد بليوط بوشنتوف كان يرغب في التعرف علي. وفعلا رتبت مع صديقي فرح السهيلي موعدا لزيارته في بيته، وفي اليوم المتفق عليه توجهنا نحو منزل السيد بوشنتوف الذي كان عبارة عن فيلا رائعة الفخامة بالدار البيضاء، وعند وصولنا وجدت حشدا من المواطنين يقفون أمام باب الفيلا وهم يمسكون ملفات بأيديهم ويتطلعون بعيونهم نحو بوابة الفيلا المفتوحة عن آخرها. فسألت فرح قائلا: “من هؤلاء الناس يا ترى؟”، فأجابني: “إنهم أناس من بين مئات المواطنين الذين يأتون كل يوم إلى منزل السيد بليوط بوشنتوف لقضاء أغراض أو الحصول على مساعدات مادية وعينية. فالسيد بليوط معروف بسخائه وبحبه للجميع وقد اعتاد الناس على مواقفه النبيلة، وهو يخصص وقتا ومالا وجهدا كبيرا لمساعدة المعوزين والفقراء ونصرة المظلومين، بل إنه يخصص رواتب قارة لعشرات العائلات الفقيرة ولليتامى والمرضى المعوزين، وكل هذا من جيبه الخاص. وهكذا كونت فكرة جيدة عن شخصية السيد بليوط بوشنتوف، وعندما جالسته مع صديقي فرح، بادرني بتعداد الأسئلة الصحفية التي كنت أطرحها على الراحل الحسن الثاني خلال الندوات الصحفية الهامة التي كان يترأسها غداة المؤتمرات الدولية التي كانت تنعقد بالمغرب أو في المناسبات السياسية والوطنية. وقال لي السيد بوشنتوف: “إني ألاحظ أن جلالة الملك يخصك بالسؤال الأول من بين كافة الصحفيين الذين يرفعون أيديهم للاستئذان من أجل طرح أسئلتهم في ندواته الصحفية، كما أن جلالته لا يخفي ارتياحه الكبير لأسئلتك. ومنذ ذلك اليوم، انطلقت صداقة متينة جمعت بيني وبين السيد بوشنتوف، وصرت أزوره باستمرار في بيته، كما صار يزورني ونجلس في مناقشات مفيدة ومتنوعة لعدة ساعات. وهكذا تعرفت على كافة أفراد عائلته وخاصة نجله طبيب الأسنان الدكتور محمد، ونجله الأستاذ خالد الذي تزوج فيما بعد سمو الأميرة للا أسماء. وغالبا ما كنا نلتقي في المناسبات الرسمية بالقصور الملكية. ومازلت أحتفظ بمجموعة جيدة ونادرة من الصور التي جمعتني بصديقي الراحل بليوط بوشنتوف.

وذات يوم كنت في منزله، وكان سؤال كبير يلح علي باستمرار، فطرحته عليه قائلا له: “كيف تم الزواج بين نجلك الأستاذ خالد وبين كريمة ملك البلاد سمو الأميرة للا أسماء؟”، فقال لي مبتسما بسرور: “إنه أجمل حدث عشته في حياتي ولا يمكنني أن أصف لك البهجة التي أعيشها وأنا أعتز بكوني صهرا للملك العظيم الحسن الثاني، وجد لحفيدين من حفدته الأشراف وهما: حفيدي مولاي اليزيد، وحفيدتي للا نهيلة. أما كيف حدث الزواج بين ابني خالد وبين صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، فهذه قصة لا تخطر لأحد على بال، فقد كان ابني خالد في إحدى المناسبات الكبرى، وهناك لمح سمو الأميرة للا أسماء بالعين المجردة، وهو الذي يسمع عن أنشطتها الطيبة ومواقفها النبيلة، فصارت منذ ذلك اليوم حلمه الكبير وشغله الشاغل، فصارحني بأنه يتمنى الزواج منها لو كان ذلك ممكنا. فقلت له بأنني لن آلو جهدا في سبيل إتمام ذلك الأمل الكبير الذي ظل يعيش عليه ابني خالد لمدة طويلة، وهكذا صارحت الوزير الكبير السيد إدريس البصري الذي هو صديقي في نفس الوقت بهذا الأمر، فقال لي بالحرف: أنت تعلم يا بليوط بأن جلالة الملك لا يهتم بالألقاب ولا بالانتماءات العرقية ولا بالمستويات المادية، والدليل هو أن والدة الأميرين والأميرات تنحدر من عائلة لا تربطها أية علاقة بالقصر الملكي. وأعدك بأنني سوف أنقل هذه الأمنية الكبيرة لعائلة بوشنتوف إلى جلالة الملك في أقرب فرصة، خاصة وأن ابنك خالد هو من خيرة شباب المغرب من خلق رفيع ونجاح باهر وسمعة عطرة كما أنك شخصيا تتمتع بسمعة طيبة ولك مواقف مشرفة لبلدك”.

“ومرت مدة على هذا الحوار بيني وبين إدريس البصري، وذات يوم كنت متوجها إلى مطار محمد الخامس مع ابني خالد للسفر إلى المملكة العربية السعودية. فرن هاتفي النقال وكان على الخط الآخر السيد إدريس البصري، فقال لي وصوته يلهج معبرا عن فرحة لم أعرف سببها: “أين أنت يا بليوط؟ فقلت له: أنا في طريقي نحو المطار مع ابني خالد للسفر إلى.. وقبل أن أكمل كلامي قاطعني البصري قائلا: لا تتوجه إلى أي مكان نهائيا بل اركب أول سيارة لديك وتوجه حالا نحو منزلي فعندي لك خبر هائل”. وهكذا كان، وبمجرد دخولي إلى بيته صاح قائلا لي: “مبروك مبروك، لقد وافق جلالة الملك على زواج ابنك خالد من سمو الأميرة للا أسماء، ولا يمكنني وصف المشاعر التي اعترتني في تلك اللحظات، لقد شعرت بأن العالم كله كان يبارك لي وبأنني في حلم ولست في علم. وهكذا تم الزواج بمدينة مراكش في احتفالات رائعة دامت لعدة أيام وتزوج خلالها عدد هام من العرسان المغاربة مع ابني خالد وعروسه الأميرة الراقية الأخلاق والشديدة التواضع للا أسماء. وبعدها رزقهما الله بطفل أسمياه مولاي اليزيد وطفلة اختار لها جلالة الملك اسم للا نهيلة.

وعاش الزوجان الشابان في هناء ورغد واشتهرت الأميرة الطيبة القلب بأنها هي التي تشرف شخصيا على تربية طفليها بنفسها كأية أم مغربية. وذلك بالموازاة مع أنشطتها الرسمية ومساعدتها لرعايا والدها، مازالت لحد اليوم حريصة على القيام بواجباتها الأميرية تجاه رعايا شقيقها، وذلك بكل صمت وبتعفف عن الأضواء.

أما صديقي رجل البر والإحسان السيد بليوط بوشنتوف، فقد هاجمه الداء اللعين وتسلل إلى كل الأعضاء الحية بجسده، ومازلت أذكر كيف كان يحكي لصديقي وصديقه رجل الأعمال السعودي الشيخ عبد الله الرشيد عن آلامه المبرحة، وكيف كان يشكو له استشراء الداء الخبيث بكل أنحاء جسده في صبر وصمود. فكان الشيخ الرشيد يتألم لألمه، ويقول لي: “إن بليوط بوشنتوف رجل نادر الوجود ولكن هذه حكمة الله تعالى”. وهكذا رحل السيد بليوط إلى دار البقاء مأسوفا عليه لأنه كان من خيرة الوطنيين المغاربة وخصصت له جنازة مهيبة حضرها القاصي والداني أسفا على رحيل رجل من طينة كبيرة.

رحمه الله ورحم كل من عرفتهم وصادقتهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!