في الأكشاك هذا الأسبوع

مقارنة بين صناعة الثروة عند “القاعدة” و”داعش”

                ليس تنظيم داعش الإرهابي، الوحيد في العالم الذي يحصد ثروات طائلة جراء نشاطات إجرامية، فتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” نجح بتكديس أموال ضخمة نتيجة انخراطه في أنشطة، كتهريب وتجارة المخدرات وعمليات الخطف.

تعد عمليات التهريب العمود الفقري المالي للجماعات المتطرفة التي تسيطر إقليميا واقتصاديا على منطقة شاسعة من الصحراء الإفريقية، مما يوفر لها حرية تامة لتنفيذ عدد من الأنشطة غير المشروعة. وفي طليعة هذه الجماعات يأتي تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وهي جماعة مسلحة متشددة تمتد تحركاتها في الصحراء وبلدان الساحل الإفريقي… ومع الوقت، تحولت هذه المجموعات (التي شكلت أساس القاعدة) إلى عصابات تعتمد على التهريب لتمويل نشاطها الجهادي؛ تسلط داليا غانم الباحثة في مركز كارنيغي في حديث لـ”الشرق الأوسط” الضوء على مصادر متعددة تستعملها هذه الجماعات للحصول على تمويل: “منها ضرائب المرور التي تؤمن للمهربين حق المرور، والاتجار بالمخدرات وتهريب السجائر وتهريب النفط والغاز والسيارات والكحول، فضلا عن تسهيل اللجوء غير الشرعي عبر القوارب للوصول إلى أوروبا، وأخيرا عمليات الخطف”.

وقد يكون تهريب المخدرات النشاط الأهم لدى هذه الجماعات؛ فبعد أن أُخضعت الطرق القديمة عبر منطقة البحر الكاريبي لمراقبة مشددة، تزايد تهريب الكوكايين على متن القوارب والطائرات إلى غرب إفريقيا ليجري لاحقا تهريبه عبر الصحراء إلى أوروبا مرورا بمالي ومناطق أخرى تسيطر عليها “القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي” وجماعات إرهابية إسلامية أخرى. ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن “القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي” تضمن تهريب المخدرات وتؤمن مسلكا ساحليا حيويا بين الموردين في أمريكا اللاتينية والأسواق الأوروبية.

وفي هذا السياق، أشارت مقالة نشرت في صحيفة “غارديان” البريطانية في شهر شتنبر إلى شجاعة وجرأة الجماعات الجهادية في المنطقة الواقعة تحت سيطرة “القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي”. ودائما نقلا عن صحيفة “غارديان”، تقدم الجماعات المسلحة رواتب مرتفعة جدا لتهريب الكوكايين الآتي من أمريكا الجنوبية مرورا بمالي، والنيجر، وتشاد، وليبيا. وتتميز مالي بخصائص مهمة لمهربي المخدرات، بما أنها تشكل محطة ملائمة في منتصف الطريق فضلا عن غياب حكومة قوية في البلاد، وعدم اللجوء إلى أي تكنولوجيا متطورة لوضع حد لمحاولات التهريب. “تأتي المخدرات من كولومبيا وفنزويلا وتمر عبر غانا، وغينيا، بيساو، لتصل إلى موريتانيا، ونيجيريا، والسينغال، ومالي. والكل يتذكر طائرة “بوينغ الكوكايين”، كما سمتها وسائل الإعلام التي سقطت في عام 2009 بينما كانت مقبلة من فنزويلا إلى مالي وعلى متنها 10 آلاف طن من الكوكايين، وتم العثور على حطامها قرب غاو شمال شرقي مالي. في النهاية، تدخل المخدرات إلى القارة الأوروبية عبر الجزائر والمغرب”، وفق “غارديان”.

إلى ذلك، أشار مقال آخر نشر العام الماضي في الصحيفة البريطانية “صنداي تلغراف”، إلى أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي فرض “رسما” بقيمة 2000 دولار على كل كيلوغرام من المخدرات يجري تهريبه. وبذلك، يحصد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات الإرهابية المتحالفة معه، الملايين من الدولارات كل عام من خلال توفير “مرافقة” مسلحة لتجار تهريب المخدرات عبر الصحراء. ووفقا لتقديرات مكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات “UNODC” يمر نحو 35 طنا من الكوكايين عبر غرب إفريقيا كل عام.

فضلا عن ذلك، تتضمن النشاطات المربحة الأخرى غير المشروعة التي تعتمدها هذه الجماعات الاتجار بالأسلحة وبالعربات والسجائر لدرجة جعلت بلمختار يحصل على لقب “السيد مارلبورو”. كما أنه في أعقاب الحملة الجوية على ليبيا لحلف الناتو عام 2011. شهدت المنطقة الخاضعة لسيطرة “القاعدة في المغرب الإسلامي” تدفقا كبيرا للأسلحة سمح لها بالاستفادة من هذه التجارة بشكل كبير.

وجنى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي والكثير من حلفائه، مثل مجموعة بلمختار، المال أيضا من عمليات الخطف والمطالبة بالفديات. “إلا أنه من الصعب جدا تقدير المبالغ التي وصلت إلى أيديهم، لأن الحكومات عموما لا تعترف بها وعادة تنفي دفع الفديات”، وفق غانم. ففي عام 2013، دفعت فرنسا مبلغا يصل إلى 25 مليون أورو (أي 34 مليون دولار) فدية لتنظيم القاعدة لإطلاق سراح 4 فرنسيين احتجزوا رهائن لمدة سنة في منطقة الساحل الإفريقي، وفقا لمصادر كانت مقربة من العملية. وفي ذلك الوقت، نفى وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان دفع أي مبلغ من المال لتأمين الإفراج عن بيير ليغراند، ودانيال لرب، وتييري دول، ومارك فيريه. أما مبالغ الفدية “فتتراوح عادة بين 5 إلى 10 ملايين دولار لكل رهينة اعتمادا على جنسيتها”، تقول غانم.

وعمليات الخطف هذه ليس مصدرا مهما للأموال فحسب، إنما تسهل أيضا تبادل السجناء، وتزرع الخوف في نفوس المؤسسات الأجنبية الموجودة في المنطقة. وفي هذا السياق، صرح ديفيد كوهين نائب وزير الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية في أكتوبر 2012 أن الخطف مقابل فدية يمثل اليوم “التهديد الأخطر في تمويل الإرهاب”. وتأتي الأرقام التي قدمتها غانم لتؤكد على هذه المقولة؛ ففي عام 2004، سجلت نحو 11 حادثة خطف في المنطقة، في حين ارتفع عددها في عام 2008 إلى 59 حالة.

تمكنت “القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي” من غسل وتبييض أموالها المكتسبة من الخطف والاتجار غير المشروع عبر استثمارات في العقارات والأراضي، خاصة في الجزائر وشمال مالي. وتؤكد غانم أن قوة استثمار تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي تتفوق على الحكومة نفسها.

– الشرق الأوسط –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!