في الأكشاك هذا الأسبوع
تبعا لتقاليد المغرب الإسلامية، الملك محمد السادس ختن ولي عهده مولاي الحسن داخل ضريح مولاي إدريس

الحـقــيقة الضــــائعة | هل تخطط داعش لنسف مزارات الأولياء و الصالحين

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

        بعد أن تصفح الكاتب العظيم، عبد المجيد بن جلون، من أقطاب الفكر غداة الاستقلال، الكتاب الذي ألفه الدبلوماسي الإنجليزي “جورج هولت”، والأفكار التي استلهمها من قوة الحركة الإسلامية في المغرب، أيام انطلاق حركة الطوائف المغربية، وعاشر خاصة طوائف حمادشة وأتباع سيدي محمد بن عيسى الذين هيمنوا بنفوذهم على مكناس، حتى أمرهم السلطان مولاي إسماعيل بمغادرة المدينة، واستخلص الكاتب المغربي عبد المجيد بن جلون الدرس الكبير، وكتب عن هذا الكتاب الذي ألفه الكاتب الإنجليزي سنة 1910، أطلق الكاتب المغربي نظرته إلى المستقبل، وكان المستقبل البعيد عنده هو سنة 2000، ونحن في 2014، ولنقف احتراما لهذا الأديب المغربي الذي نقل لنا في كتابه “جولات في مغرب أمس” (طبع سنة 1974) نقل لنا صورتنا اليوم ونحن وجها لوجه مع ظاهرة “داعش” فكتب: ((لماذا نستبعد أن يقوم “الجهاد الإسلامي” بإحداث التغيير، ومن ذا الذي يستطيع أن يثبت أن رايات الرسول، سوف لا ترفرف فوق باريس أو برلين، أو لندن في سنة 2000)). أليست هذه العواصم اليوم، هي التي ترفل صحفها، ومقالاتها، ومكاتب استعلاماتها بالتحذير، وربما مع الكثير من الضعف، أمام الخطر الذي تشكله حركة الجهاد الإسلامي داعش، على العواصم الأروبية، بل وإن أجهزة الإعلام الداعشية، تهدد باللغة الإنجليزية، بضرب الولايات المتحدة نفسها.

وإذا كان العالم المتقدم بطائراته النفاثة، يعترف على لسان رئيس الدولة الكبرى، أوباما، بأن قصفه الذي كلف ملايير الدولارات، قد فشل منذ شهرين، في الحد من خطر داعش. وإذا كان هذا هو واقع الآخرين، فماذا نقول نحن، ونحن نطلق في الشوارع المغربية، أجهزة سميناها “حذر” عبارة عن عسكريين وشرطي، يجوبون الشوارع والأزقة، ورجالها يتدرقون من سقوط المطر ويتمتعون بعد شروق الشمس بفسح يتفرجون فيها على الاستقرار والهدوء، وجمال المارة، والمارات(…) المنشغلون بالحياة الهادئة، بين الخطر الحقيقي الذي، لم نفطن معه، مثل ما فطن أقطاب العالم القوي، واعترفوا مؤخرا، بأن ظاهرة داعش، لا يكفي أن تواجه بالحرب العسكرية، وإنما بمراجعة فكرية، للتعمق في أسباب هذه الظاهرة، ومواجهتها بيقظة الشعوب.

في 2010، وقبل ظاهرة داعش، كتب المفكر المغربي، سعيد بن سعيد العلوي ((إن الخطر يتهدد وحدة الأمن، وأمن البلاد، مطلوب مقاومته والتصدي له بكل وسيلة وكل السبل. إن الأمر لا يحتمل الهوادة، ولا يقبل التساهل، وهل ننسى أن حادثة 16 ماي 2003، أبانت عن وجود أمراء(…) وعلماء، حظهم من المعرفة عموما والمعرفة الدينية خصوصا، يكاد يقارب الصفر)).

وصدق الكاتب العلوي، وهو يسابق الزمن، الزمن الذي أخطر ما فيه، هو أن الدول العظمى بدأت تحضر لمسالمة داعش، وهذا المفكر الفرنسي، المدير السابق لجريدة لوموند، إدوي بلانيل، رئيس موقع “ميديا بارت”، يتنازل عن الحل المسلح، ويعلن حتمية التوقف عن ضرب داعش، مثلما تم التنازل عن ضرب القاعدة في أفغانستان بعد عشر سنوات من الفشل(…)، ويقول في قناة تلفزة “ب ف م” الفرنسية: ((مثلما كتب إيميل زولا سنة 1896، كتابه “من أجل اليهود” فإني أدعو: من أجل المسلمين)).

وقد بدأت “داعش” بإعلان مخططها لدولة يوجزها تعبير “داعش” “دولة إسلامية في العراق والشام” فإذا بها تغرق صفوفها بجيل من المغاربة والتونسيين والسعوديين والمصريين والليبيين يتبارى شبانها في ذبح المختلفين مع داعش، في المجال العقائدي، مسنودين بمئات من الشبان الفرنسيين والأمريكيين والإنجليز وحتى الهولنديين، لتعتقل السلطات المغربية أسابيع فقط، من بعد، شبانا يرفعون رايات داعش، في شوارع بركان، بنواحي وجدة، وها هي البوليساريو، تستعد لقلب كفاحها من أجل الصحراء المغربية، لفتح أبواب صحاريها لداعش، هذه الصحارى الممتدة عبر آلاف الكيلومترات الغير محكومة، من الفيافي والصحارى، جنوب الجزائر ومالي والتشاد، عبر البوابة الليبية المفتوحة على الفوضى والقتل والذبح، التي هي المنطق الوحيد عند داعش. داعش، التي بدأت بغزو شواطئ سيناء المصرية، بالمراكب الحربية.

لماذا الذبح، وقد برع في ممارسته الملتحقون بداعش من المغاربة خصوصا وقد شوهد بعضهم يقطعون رؤوس ضحاياهم كالأكباش، فيم يعوِّد آخرون منهم، أولادهم الصغار، على أن يلعبوا الكرة، بالرؤوس المقطوعة.

فهل يعتبر المغاربة، وعلماؤهم ساكتون ومفكروهم مفقودون(…) ومسؤولوهم منهمكون في الصراع السياسي بينهم، أن العراق في عهد صدام حسين كانت أقوى دولة في العالم العربي، بمليون عسكري، مسلحين بأعتى قوة ضاربة غنية بملايير الدولارات وإمكانيات أقوى دولة منتجة للبترول، وها هي اليوم داعش تهدد بغداد. بعد أن احتلت داعش، أكثر من ثلث الأراضي العراقية، وحكومة العراق، تعلن رغبتها في تكوين جيش جديد، بعد أن انضم الجيش العراقي كله بسلاحه وطائراته ودباباته في خدمة داعش، فلماذا نستبعد رؤية هذا السيناريو عندنا وحولنا.

داعش التي فضحت وزيرة خارجية أمريكا، هيلاري كلنتون في كتابها (انظر الأسبوع عدد 13 نونبر 2014) أن الأجهزة الأمريكية هي التي صنعت داعش، في إطار المخطط الإمبريالي للتخلص من نماذج الأمة العربية الإسلامية، كما أرادها عبد الناصر، وصدام حسين، وحافظ الأسد، وحتى الحسن الثاني، وخطط للقضاء عليها، الدهاء الإسرائيلي المتحالف مع الولايات المتحدة.

أما المغرب، فالذي يراجع تاريخه القديم، ومكوناته الاجتماعية والدينية والطائفية الحالية، يجد أنه يعتبر الهدف النموذجي، لمخطط داعش المرسوم.

وانطلاقا من الفتح الإسلامي للمغرب، ووصول الفاتح، مولاي إدريس، ومبايعته من طرف القبائل المغربية البربرية، بزعامة إسحاق الأوربي، في رمضان 172هـ (788م) إنما هو صورة متطابقة مع حساب قديم يأخذ باهتمام أقطاب داعش في العصر الحديث، أساسه الصراع السني الشيعي، الذي جعل مولاي إدريس يهرب على رأس مجموعة من الشيعيين الذين كانوا يتعرضون لمذابح السنيين، الذين هم داعش اليوم، السنيون الذين يريدون تصفية الشيعيين.

وعندما وصل مولاي إدريس، ومرافقه راشد، إلى أرض مصر استقبلهما رجل ثري استضافهما ((وقال لهما أنتما من شيعة الحسين – أولاد الحسين بن علي – الفارين، فهما بالإنكار خوفا، ولكنه قال لهما: لتطمئن نفوسكما فإني أيضا من شيعة آل البيت)) (الاستقصا).

الأستاذ علال الفاسي، وفي موضوع كتبه عن الفاتح إدريس استشهد بشعر في حق مولاي إدريس كتبه صاحب “البسامة”:

وسل إدريس غرب العزم منتصبا

بالغرب وهو من الأشياع(…) في زمر

ليكشف علال الفاسي، أن المصري الذي استقبل مولاي إدريس يسمى صالح بن منصور، وأن الملك العباسي هارون الرشيد الذي كان يرتكب المجازر في حق الشيعة، علم بأن هذا المصري هو الذي ساعد مولاي إدريس على الهروب إلى المغرب، فقتله هارون الرشيد (الإمام إدريس. علال الفاسي وعبد الله كنون).

وفعلا، وفي إطار تصفية هارون الرشيد للشيعيين أرسل إلى مولاي إدريس، سليمان الشماخ، الذي جاء من بغداد إلى زرهون ليقتل مولاي إدريس. ولم تمنعه عشر آلاف كيلومتر على ظهر الحصان من ارتكاب جريمته بقتل مولاي إدريس والرجوع عشرة آلاف كيلومتر أخرى إلى بغداد.

ولازالت الطوائف المتفرعة عن السنة، تركز عقائدها على حتمية ضرب رموز الشيعة المتمثلة في المزارات والأضرحة، مقسمين أغلظ الأيمان، أن يحطموها أينما كانت، وها نحن نرى كيف أنها نسفت مؤخرا، كل مزارات وأضرحة الأشراف المنتمين للدوحة الحسنية، وحتى قبر الرسول عليه السلام، وقد قرأنا مؤخرا مخططا بنقل جثمان الرسول إلى مكان مجهول لهدم مقامه في المدينة المنورة، بعد أن كان أحد الملوك الذين تعاقبوا بعد حكم العباسيين، الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الذي قرر بناء مقصف للَّهو فوق سطح الكعبة.

لنفهم كيف انشغلت قوات داعش، في الشهور الماضية، بنسف كل أضرحة أحفاد الحسين (انظر الصور الخاصة بهذا الموضوع المنشورة بالصفحة الأولى) ليبقى التساؤل المشروع ((لماذا تجرأ القطب الأمازيغي، عصيد، على التلويح بفراغ ضريح مولاي إدريس من جثمانه، وهو يتحدث أمام الطلبة، مؤكدا أنه لا وجود لجثمان في قبر مولاي إدريس)) (الاتحاد الاشتراكي. عدد 6 مايو 2010)، تمهيدا – ربما – لهدم ضريحه مستقبلا، كما أعلن عنه مؤخرا البغدادي رئيس داعش في عاشر غشت 2014 ونقلته جريدة “ادينلك ديلي” التركية، وهو يعلن ((إن داعش، بدأت بهدم أضرحة المنتمين للرسول في مدن العراق، وستهدم أضرحة الأولياء، وحتى هدم الكعبة التي يعبد الحجاج أحجارها وقد هدمنا قبر النبي يونس، مثلما سنحذف من القرآن كل السور التي تبرر هذه التقاليد)).

الأخطر بالنسبة للمغرب هو تواجد هذا التواطؤ العلني عند بعض الأقطاب الأمازيغيين الذين يعتبرون أضرحة مولاي إدريس، ومولاي عبد السلام بن مشيش، وأضرحة المنتمين لسلالة الرسول، والمغرب يرفل في كل أطرافه بأضرحة الأولياء والصالحين انطلاقا من الجزولي، والتباع، والقطب الكيلاني عبد القادر الجيلاني مؤسس الزاوية القادرية، المنتمية أصلا لبغداد، والزاوية الشرقاوية المنتمية إلى الخليفة عمر بن الخطاب، وقد بدأت داعش بنسف قبر حفيده عبد الله بن عاصم بن عمر في الموصل، ومزارات سبعة رجال في مراكش وغيرهم ممن أسهموا في نشر الإسلام بالمغرب، كلهم أعداء لحملة الفكر الأمازيغي الذي لا يتضايق بعض أقطابه من اعتبار الإسلام دخيلا على المغرب، تماشيا مع المخطط الاستعماري أيام المارشال ليوطي الذي استشار الأقطاب الفرنسيين سنة 1910، في ((تحويل المغرب إلى دولة أمازيغية، وجبال الأطلس إلى مناطق كردية(…) وبدأ بعض المعلمين في تعليم تلامذتهم المغاربة ارتباطات جدودهم مع الفرنسيين ليكولوا)) (ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

وهذا فرنسي آخر عاش في المغرب طويلا ليكتشف تواجد ((درقاوة الذين سماهم بالاشتراكيين(…) والذين يعتبرون الرسول محمد، وغيره من المقدسين، شيئا ثانويا)) (هاريس. عهد السلاطين). لنجد توافق بعض المكونات المغربية، مع فكرة داعش.

رغم أن هؤلاء وأولئك، ممن وقفوا في وجه الاستعمار، أمازيغ وحاملين لرسالة الإسلام، شاهدوا المذابح التي قطعت آلاف الرؤوس، لكل الأقليات(…) التي وجدوها في العراق وسوريا.

علما بأن المخطط الاستعماري أيام المارشال ليوطي، لم يمت مع ليوطي، ولا انتهى مع انتهاء الاستعمار، فها هي مدام كلنتون تكشف في كتابها المذكور سابقا، أن المخطط المرسوم ولا شك أن داعش جزء منه، وها هي جريدة “نيويورك تايمز” عدد 28 نونبر 2014، تعلن أن الرئيس أوباما، لا يفكر ولا يرى حتمية في إبعاد الرئيس السوري بشار الأسد، وربما هو يسنده، لتكون حليفته مدام كلنتون صادقة، وهي تتحدث في إطار المخطط، عن تقسيم دول المنطقة كلها وتقول: والمغرب.

أيام المغرب المقبلة، مشحونة بالأخطار التي قد تجرف بالمغرب فجأة كما فعلت الأمطار الطوفانية مؤخرا، ورأينا الجثث تكدس في كاميونات الأزبال، نحن الذين تعودنا هذه الأيام، على رؤية الجثث تتراكم تحت ارجل جنود داعش الذين يخططون للكثير من الأشياء بدءا من نسف المزارات، والأضرحة، وما أكثرها بالمغرب. ليكون الخوف مبررا، من أن تكون داعش في حالة تشتيتها، محضرة لبرنامج توزع فيه جهادييها للقيام بمهام انتحارية، ومن بينها نسف الأضرحة والمزارات، أينما كانت في المغرب، أو غيره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!