في الأكشاك هذا الأسبوع

الـــــــــــرأي | مراكش.. مدينة حقوق الإنسان

         المدينة الخالدة والهاجعة كما قيل في زمن راكد داخل الأسوار التاريخية الشاهدة على البراعة والافتنان احتضنت من 27 إلى 30 نونبر بكل دفء وبكل حب المنتدى العالمي الثاني لحقوق الإنسان (وهو تكريم كما قال جلالة الملك لبلدنا وقارتنا). والذي حضره عدد هائل من النشطاء الحقوقيين ورجال السياسة وبعض الفاعلين الحكوميين والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات وطنية ووكالات الأمم المتحدة والحاصلين على جائزة نوبل، أموا المدينة الحمراء من مختلف أنحاء العالم “100 دولة” لفتح نقاش جدي، في إطار تفكير جماعة حول قضايا حقوق الإنسان التي ليست لها حدود ولا دين ولا إيديولوجية كما قال “ثاباتيرو” وكذلك الإشكاليات التي “عرفها المشهد العالمي منذ مؤتمر فيينا 1990” ودراسة الحصيلة العامة ومناقشة التحديات التي تقف في وجه الارتقاء بها، زيادة على طرح بعض المستجدات (أو القضايا الناشئة) والتي بدأت تأخذ بالاهتمام، بعد أن أصبحت تسائل بإلحاح الضمير الدولي بعيدا عما يلاحظ حاليا من تعامل يعتريه نوع من الميل أو الانجراف كما سماه أحدهم، ومراجعة مواعد دولية ذات أهمية كبرى على اعتبار أن سنة 2015 ستكون استثنائية بالنظر إلى حقوق الإنسان بدءا بدراسة حصيلة مؤتمر “بيجين” واللقاء الدولي بباريس حول التغيرات المناخية في علاقتنا بحقوق الإنسان، ولقاء الألفية للتنمية، وهي مواعد بلا شك ذات حمولة حقوقية قوية في استطاعتها النفاذ بقوة إلى كافة أجيال الحقوق وإعطائها أبعادا أخرى (إن لم أقل مفاهيم) يمكنها أن تطور العمل والتعامل مع حقوق الإنسان، وتفسح المجال لكل آراء الحقوقيين ومطالبهم خاصة المنحدرين من القارة الإفريقية التي لت تعد قابلة بلعب دور المستهلك بقدر ما ترغب في المشاركة والترويج للخاصية الإفريقية، بعد أن “بلغت درجة من النضج يؤهلها المكانة التي تستحقها ضمن الهندسة الدولية لحقوق الإنسان” كما قال صاحب الجلالة محمد السادس في كلمته الحماسية التي تليت يوم افتتاح المنتدى.

لقد عرف اللقاء الكوني الذي فاقت المشاركة فيه توقعات المنظمين إقبالا هائلا من قبل شخصيات عالمية، وممثلين وممثلات أكثر من 94 دولة وحدهم هم مشترك ومسيرة موحدة ونضال دائم، إقبال مكن المغرب من كسب رهان سياسي (كما قال الصبار)، إضافة إلى الرهان المركزي الذي سيؤهل المؤتمر لتحقيق نتائج “تعكس التوافقات في كل مفاصل ومحاور هذا المنتدى” رغم انعقاده في “ظل نمو إيديولوجيات ينازع في كونية هذه الحقوق وترفض التسامح وترفع الخصوصية الحضارية والثقافية سلاحا لتعطيلها”.

احتضان المغرب لهذا العرس الحقوقي أو التظاهرة العالمية التي تشيح منها كل الحقوق هو رسالة متقدمة وصائبة تنضاف إلى رسائل أخرى سابقة، وإشارة واضحة على مكانة الحركة الحقوقية الوطنية والتقدم الحاصل في مسارها وكذا مسيرتها التي لم تكن مفروشة بالورود بقدر ما كانت مليئة بالجراح والصراعات والاختطافات التي أدت إلى اختفاء وجوه كانت لامعة حقوقيا إن صح التعبير، وفاعلة بشكل كبير في مجال التوعية والتعبئة والرفع من منسوب الاهتمام بالحقوق، هو (أي الاحتضان) تذكير لمن يحتاج إلى تذكير بقبول المغرب اللامشروط بالانخراط الكلي في تعزيز كل المكتسبات، والوفاء بكل الالتزامات واحترام كل المعاهدات وتطبيق كل المواثيق الدولية التي تتحكم في مشيئة الدول المصادفة أو الموقعة عليها، وبالضبط في مجال حقوق الإنسان “الانكباب على تنصيب هيأة المناصفة، ووضع وثائق لاتفاقيات مناهضة التعذيب يوم 24 نونبر الحالي بمقر الأمم المتحدة ومصادقة المملكة على البروتوكول الاختياري المتعلق بها”، هو أيضا إعلان صريح لا يحتاج إلى تأويل أو صرخة بدون بعد من الأبعاد على العزم الوطيد للبرد على ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، بدءا من المدرسة التي إن اهتمت بالتوعية فإنها ستعطي أجيالا تستحق أن تفيض فخرا أو اعتزازا بالكرامة والحرية والأمن العقائدي..” (موازاة مع ما عرفه المنتدى تمت تعبئة جميع المدارس في المغرب لمواكبة الحدث وإشراك الأطفال فيه)، قلت إعلان صريح عن المساهمة في “حركة إنتاج الفكر الحقوقي والتأثير في منظومته العالمية وعدم الاقتصار على استهلاك الحقوق التي تنتج في الغرب (وليس المغرب) وتصدر إلى باقي الدول، وخاصة دول إفريقيا التي تعتبر في نظرهم غير مؤهلة للمشاركة في “الهندسة الدولية لحقوق الإنسان” رغم أنها ظلت لعقود تمارس “إغناءها بثقافتها وتاريخها وعبقريتها” وهي أمور مسهلة ومؤدية إلى “تبني كل الحقوق وكل الأطروحات المتعلقة بها”.

المنتدى وكما اتفق على ذلك كل الحاضرين الذين تتبعوا الورشات “200 ورشة” هو فرصة مواتية لإظهار كل المواقف والتحدث بكل الألسن الحقوقية، وطرح كل الآراء التي يمكنها أن تنير بعض العتمات، وتحقق بعض الإيجابيات وتصحح الكثير من الأخطاء “خاصة بالنسبة للمغرب” العالقة بأذهان الكثيرين ممن يدفع بهم إلى التلويح بورقة “حقوق الإنسان” في غفلة من السياق، وإلى مجاراة خصوم الوطن الذين يعادون حقيقة حقوق الإنسان ويتعاملون من المحتجزين بقسوة خالية من الإنسانية ويتصرفون في المساعدات التي تقدم لهم، ويستغلون (اللي ما عندهم شغل) ليكتبوا بلا مجهود كما قال صمويل جونسون وبلا تأثير ولا قراءة ولينفذوا ببساطة الغباء إلى بعض “الهيئات” التي لا تجد مانعا في تبني أطروحة مشروخة انتهت من زمان بانتهاء عناوينها وفهارسها وفرسانها الورقيين، هو أي المنتدى فرصة ذهبية ساهمت في إنجاحها السلطات المغربية التي “انخرطت في مشروع هائل لإصلاح منظومة العدالة يستحق الإشادة، وتحول مهم في إصلاح مؤسساته وبشكل خاص نظامه القضائي الذي تولته جملة من مشاريع قوانين وإن بدون جدول أعمال أو تحديد الأولويات” كما ورد في تقرير الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان حول العدالة المغربية، والذي تلي يوم 26/ 11/ 2014 (أي قبل افتتاح الدورة بيوم) وشاركت (أي السلطات) في تلطيف المناخ وتهييء الأجواء الملائمة “لتعميق النقاش والخروج من اللقاء بربح وافر وصفر خسارة كما قيل” والمشاركة الفعالة والمجدية، دون تراجع أو تخاذل أو وقوف وسط الطريق لإعلان رفض غير مستساغ، في لحظة تاريخية مفصلية انتصر فيها المغاربة الحقوقيون والمغرب الحقوقي كبلد بتجربة عميقة وغنية بالمواقف والتفاعل مع ماضي الانتهاكات بإيجابية بعيدة عن المزايدات، وبقيادة أسياد “حقوقيين” كالمرحوم إدريس بنزكري الذي ظل طيفه كما قالت “الأحداث المغربية” يرفرف في سماء منتدى عرف برنامجا ضخما يدور في فلك محاور مهمة تولتها ورشات مفتوحة على كل المشاركين “200 لقاء ومنتدى موضوعاتي”، تلامس الأسئلة التي تمارس وجاهتها في الظرف الحالي كسؤال حقوق المرأة والطفل والمسن، وكذلك حقوق الإنسان والمناخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!