في الأكشاك هذا الأسبوع

أمطار الخير تفضح المستور

             غالبا ما يقر أصحاب القرار بالحقيقة المرة، وهي أن المجالس الجماعية ترصد ميزانية ضخمة من أجل الصيانة ومعالجة قنوات مجاري المياه، وترميم وإعادة ترميم البنايات الآيلة للسقوط، وتبليط الشوارع، وتهييء دفتر التحملات، ولكن بمجرد ما تتساقط مياه الخير حتى تغرق المدينة، وتتحول العشرات من شوارع وأزقة المدينة إلى برك مائية، يستحيل المرور منها، وبالتالي تتبخر تلك الميزانية دون أن تفي بالغرض المنشود.

والأنكى من ذلك أن جميع مسؤولي المصالح المعنية، خلال وقت الذروة، يختفون عن الأنظار، وتتعطل هواتفهم، فيصبح المواطن مسؤولا عن أمنه، ملزما بالبحث عن حلول لنجاته ونجاة غيره، ولنا في “علال القادوس” خير مثال على ذلك، هذا الرجل الذي تطوع لإنقاذ ساكنة يعقوب المنصور بالرباط من الفيضانات التي ضربت العاصمة، عبر تسريح بالوعات الوادي الحار، وذلك بموازاة القيام بحركات بهلوانية وحركات رياضية تشي بالغياب التام لعمال شركة “ريضال”، ومسؤولي البلدية. كما ذهب ضحية المياه الجارفة البرلماني والقيادي الاتحادي أحمد الزايدي، حيث غمرت المياه الممزوجة بالطين سيارته على مستوى واد الشراط ببوزنيقة، حين ارتفع منسوب مياهه بفعل التساقطات الأخيرة، وغياب أية إشارة تحذر من عبور الوادي خلال التساقطات المطرية.

فهل يعود المشكل إلى سوء التخطيط والتدبير الخاصة في إعداد تصاميم مجاري الصرف الصحي أم إلى الصفقات المشبوهة والتي يذهب ريعها إلى جيوب لصوص المال العام، أم إلى إهمال المعالجة والإصابة بمرض النسيان بمجرد ما تتوقف الأمطار وتحتل أشعة الشمس الحارقة مكانها.

جرت العادة، أنه كلما تأخر موسم الحرث، وقلت نسبة المياه الجوفية أو السدود أدرك المواطنون خطورة الوضع، وخرجوا فرادى وجماعات طلبا للغيث، يرفعون أكف الضراعة ويسألون الله الرحمة بالعباد، ويستمرون في الإلحاح في السؤال، حتى إذا جادت السماء بماء منهمر، وتفجرت العيون والأنهار، وانتعشت الفجاج والشلالات، وضع الجميع أياديهم على القلوب، وطلبوا من الله الفرج، وتجنيب البلاد خطر الغرق في السيول والأنهار، أو انهيار الأسقف فوق الرؤوس، أو خطر الصعقات الكهرومغناطيسية بسبب الأسلاك الكهربائية المتمددة فوق الرؤوس والمتهالك بعضها.

الأمطار رحمة، ولكن تصريف المياه وتجنيب المواطن الأخطار المترتبة عنها يتطلب إرادة سياسية، وصيانة للأنفاق وقنوات صرف الماء الصحي باستمرار، وإعادة النظر في سياسة دعم الأسر القاطنة في الدور الآيلة للسقوط، لأن أغلب الدعم المادي الذي يسلم إلى الأسر الفقيرة يجد أبوابا أخرى مفتوحة لابتلاعه فأغلب تلك الأسر تجدها مدانة لدى البقال والخضار ووكالة الماء والكهرباء والكراء والمرض… مما يتسبب في صرف ذلك الدعم وإنفاقه في أمور لا علاقة لها بالترميم وإعادة البناء، وفي أحسن الظروف، وأمام حرص بعض المسؤولين على التذكير بعواقب صرف الدعم خارج المنصوص عليه في العقدة، تتم الترقيعات وليس الترميمات، مما يجعل الخطر قائما والتهديدات بسقوط السقوف أو الجدران على الرؤوس واردة في كل لحظة وحين، إلى جانب الميزانيات التي تهدر، والخسائر المادية والمعنوية التي تعيق التنمية وتعطل المصالح العامة والخاصة للبلاد والعباد.

محمد السعيد مازغ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!