في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف | هل بدأ موسم سقوط “الشعبويين” في البرلمان المغربي ؟

الرباط ـ سعيد الريحاني

المكان: مراكش، المناسبة: “المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، الحدث: مجموعة من الاتحاديين الغاضبين “يحاصرون” عبد العالي حامي الدين، رئيس منتدى الكرامة والقيادي في حزب العدالة والتنمية؛ بعضهم كان يلومه على التدخل في شؤون حزب الاتحاد الاشتراكي. كيف يمكن لقيادي في حزب العدالة والتنمية أن يتدخل في شؤون حزب آخر؟ الجواب على ذلك يوجد مقال “رأي” كتبه عبد العالي حامي الدين أكد من خلاله على ضرورة انخراط الحزب في “خطوة شجاعة” للخروج من درجة التصدع التي لم تعد خافية على أحد، الخطوة الشجاعة للحفاظ على وحدة الحزب هي قيام الكاتب الأول بتقديم استقالته والدعوة إلى مؤتمر استثنائي يختار فيه الاتحاديون قيادة جديدة حرصا على المصلحة العامة للبلاد..”، يقول صاحب المقال.

لم يقف حامي الدين عند حدود الدعوة لمؤتمر استثنائي، بل إنه قال أيضا: “إن بعض الشخصيات الاتحادية كانت تحذر قيادات العدالة والتنمية من المبالغة في الوثوق بهذا الشخص (يقصد لشكر)، وكانت تعتبر بأن تقاربه مع العدالة والتنمية هو بهدف تعزيز موقعه التفاوضي والابتزازي وبحثه المستمر عن لقب وزير بأي ثمن، حتى ولو كان بوساطة من رموز الوافد الجديد في زمن التحكم..

حامي الدين إذن واحد من الغاضبين من إدريس لشكر، غير أن دائرة الساخطين من الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لا تقف عند حدود حزب العدالة والتنمية، بل تشمل أيضا عددا لا يستهان به من أعضاء حزب الاتحاد الاشتراكي الذين لم يتقبلوا نتائج المؤتمر التاسع، بدعوى أن هناك “توجيها” للأصوات لصالح شخص معين، لذلك التحق جلهم بتيار الراحل “أحمد الزايدي”.

الزايدي لم يكن وحده هو من يحرك دفة “تيار الانفتاح والديمقراطية” بل إنه كان حريصا على عقد لقاءات مع رموز الحزب، أمثال عبد الرحمن اليوسفي، الذي أوصاه قبل موته بالعمل من أجل “حماية الفكرة الاتحادية”، (جريدة أخبار اليوم، عدد: 12 نونبر 2014).

وقد كان أغلب المتتبعين يعتقدون أن الوفاة “المفاجئة” لأحمد الزايدي، تعني أيضا “وفاة تيار الانفتاح والديمقراطية”، لذلك كتبت بعض وسائل الإعلام أن تيار الانفتاح والديمقراطية يستعد لحل نفسه(..) قبل أن يخرج عبد الرحمن اليوسفي من جديد ليبارك الاستمرار في “معارضة إدريس لشكر”، فقد قال اليوسفي لأحد المقربين جدا من الزايدي، على هامش عشاء التأبين: “لقد ترك الرفيق الزايدي رأسمالا كبيرا، ظهرت معالمه خلال الجنازة الشعبية والرسمية التي حظي بها”، وطالب رموز التيار المعارض للشكر باستثمار هذا الرأسمال في المستقبل، وهو ما اعتبره رفاق الزايدي دعما نفسيا وسياسيا لهم، (أخبار اليوم، عدد: 14 نونبر 2014).

يقول إدريس لشكر: “إن الزايدي عاش اتحاديا ومات اتحاديا”، لكن المؤكد أن الرئيس السابق لفريق الاتحاد الاشتراكي لم يكن ليقبل البقاء في حزب الاتحاد، فقد كان يفكر في خلق تحالف يجمع الفيدرالية الديمقراطية للشغل، جناح عبد الرحمن العزوزي، ومجموعة تيار “بلا هوادة” في حزب الاستقلال، من أجل تشكيل جبهة سياسية.. لكن الصفحة طويت بموته(..).

الزايدي إذن كان قاب قوسين أو أدنى من سحب البساط من تحت أقدام إدريس لشكر، لا سيما وأنه كان يحظى بتقدير عدد كبير من قادة الأحزاب السياسية ورجال الدولة بخلاف ما أشيع عنه(..) للتأكد من ذلك يكفي العودة إلى مراسم جنازته التي اجتمع فيها ثلاثة مستشارين ملكيين هم: فؤاد عالي الهمة، وعمر عزيمان، وعبد اللطيف المنوني، بالإضافة إلى مدير المخابرات ياسين المنصوري.. وحشد كبير من السياسيين.

وكان موت الزايدي قد ساهم بشكل كبير في عودة عبد الرحمن اليوسفي إلى الأضواء، هذا الأخير كان حريصا، رغم أنه تقاعد سياسيا منذ مدة طويلة، على إبداء عدم رضاه عن الأوضاع الصعبة التي يعيشها الاتحاد الاشتراكي، معلنا أنه نصح القيادة الاتحادية الحالية.. مؤكدا في لقاء احتضنه منزل رئيس الحكومة، أن “جنازة أحمد الزايدي لا تقل قوة عن جنازة مؤسس الاتحاد، عبد الرحيم بوعبيد، في زخمها الجماهيري ورسائلها السياسية، داعيا قادة التيار إلى تحمل مسؤوليتهم، واستثمار الرصيد الشعبي الذي عبرت عنه آمال وانتظارات المواطنين خلال الجنازة، مضيفا أن أهم شيء في هذه المرحلة العصيبة في تاريخ حزب بوعبيد أن تكون اتحاديا، وأن تناضل من أجل الحفاظ على الفكرة النبيلة والمشروع المجتمعي الاتحادي فقط”، تقول مصادر إعلامية.

اليوسفي عاد للتحرك من جديد، دون سابق إشعار، لكن ما الذي يجعل هذا المتقاعد السياسي يعود إلى الميدان بعد فترة غياب طويلة منذ “الرسالة” المحاضرة التي ألقاها في بروكسيل سنة 2003، عندما علق على فشل تجربة التناوب التوافقي قائلا: “لقد كان قبولنا بقيادة تجربة التناوب مخاطرة أخذنا فيها في الحسبان المصلحة الوطنية وليس المصلحة الحزبية؟ واليوم، وقد انتهت هذه التجربة بدون أن تفضي إلى ما كنا ننتظره منها، بمعنى التوجه نحو الديمقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام، التي ستشكل قطيعة مع ممارسات الماضي، فإننا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام متطلب وطني يلزمنا بالانتظار سنتين على أمل أن نرى إمكانية تحقق الحلم في انتقال هادئ وسلس نحو الديمقراطية، ونتمنى أن لا نفقد في المستقبل القريب ملكة الحلم والقدرة عليه”.

“موسم عودة الزعماء” لم يكن ليقتصر على عبد الرحمن اليوسفي، بل إن الفترة الأخيرة تميزت بخروج مثير للقيادي الاستقلالي امحمد بوستة، هذا الأخير استغل فرصة تواجده بمركز طارق بن زياد ليلوم عبد الرحمن اليوسفي الوزير الأول السابق، لماذا: الجواب على لسان بوستة: ((كان على السي عبد الرحمن اليوسفي يدير “سكاندال” بعد إبعاده من الحكومة في 2002 ماشي يستقل من السياسة والحزب)).

بوستة الذي عاد إلى الظهور بشكل “مفاجئ” وهو واحد من مساندي تيار “لا هوادة” قال إنه كان قد اتفق مع عبد الرحيم بوعبيد على تفكيك بنية الاستبداد بتدرج، بناء على وصية من علال الفاسي أوصى فيها، أولا، بمد الجسور مع المنسحبين من حزب الاستقلال.. و”عدم ترك الحسن الثاني محاطا بأولئك الذين كانوا يحيطون به”(..).

بوستة تحدث بأثر رجعي ليلوم اليوسفي على قبوله سنة 1998 بما لم يقبل به هو سنة 1993، عندما قال له الحسن الثاني: لقد حان الوقت لتتحملوا المسؤولية، فأجاب بوستة: “لقد اتفقنا على تحمل المسؤولية عندما تكون عندنا الأغلبية في البرلمان”، فأجابه الحسن الثاني: “لا يجب أن تكونوا”، حسب قوله.

بوستة قال عن اليوسفي في ذات اللقاء إنه: “رجل حسن النية، قام بأمور جيدة رغم الصعوبات التي واجهها داخل حزبه وخارجه، وكانت له القوة ليكمل الإصلاح.. لكن في الأخير ألبسوه الجلابة والسلهام”.

يمكن القول إن بوستة يتحدث عن حزب غير الحزب الذي يقوده حميد شباط اليوم(..) ويكفي أن نعرف أن بوستة كان مهددا بالطرد من حزب الاستقلال ومن مجلس الرئاسة، لأنه ساند تيار “لا هوادة في الدفاع عن الثوابت”(..).

لماذا يتقبل بعض الاستقلاليين انتخاب حميد شباط أمينا عاما حتى الآن؟ ولماذا ضاق صدر الحزب على زعمائه التاريخيين؟ ربما يكمن الجواب على هذا السؤال في بيانات تيار لا هوادة، أحدها يقول إن سبب تراجع حزب الاستقلال هو “فتح أبواب الحزب على مصراعيها لأصحاب “الشكارة”، في تغييب تام للمؤسسات الحزبية والإقليمية والمحلية، وضوابط الترشح باسم الحزب المنصوص عليها في قوانينه”.

يمكن القول أيضا إن ما ينتقص من مكانة شباط، هو خرجاته “الشعبوية” التي صنع بها نجوميته غير أنها لم تكن لتكسبه “ثقة العقلاء”، حيث يقول إن هناك حديثا شريفا خاصا عن مدينة فاس(..) ويعتبر نفسه شبيها بالنبي، “أنا يقال عني أمي وحتى النبي كان أميا”، كما يقول ساخرا: “لدي شهادة ابتدائية وأحكم مدينة علمية”، وبخلاف دروس التاريخ والجغرافيا يقول شباط إن أصل فاس هو قبيلة “البرانص” الموجودة قرب تازة..

شباط إذن واحد من رموز الشعبوية لذلك ذهبت جل الكتابات الصحفية إلى التنبيه لخطورة تنامي تيار الشعبوية، وما حدث في المغرب تلخص الفقرة التالية: “طرح انتخاب عبد الحميد شباط في نهاية شتنبر أمينا عاما لحزب الاستقلال، أعرق الأحزاب المغربية، التفكير مجددا في النزعة الشعبوية المتصاعدة، التي أصبحت أسلوبا مميزا للخطاب السياسي المغربي. وقد استحوذ هذا الأسلوب على الخطاب السياسي مع صعود العديد من الشعبويين مثل عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة وأمين عام حزب العدالة والتنمية، الذي يعود نجاحه إلى مقاربته الشعبوية. كذلك، يأتي عدد من الشعبويين للسيطرة على الساحة السياسية بمن في ذلك شخصيات مثل: محمد الوفا من حزب الاستقلال، وإلياس العماري من حزب الأصالة والمعاصرة، وإدريس لشكر وعبد الهادي خيرات من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ويبدو أن الشعبوية بدأت بتغيير وجه الأحزاب السياسية في المغرب، حيث إن الجميع يعتمد هذا النهج للاستمرار.. ولم يكن هذا الأسلوب ليفرض نفسه بقوة لولا أفول نجم التكنوقراطيين، الذين اندحروا أمام مطالب “20 فبراير” الملحة من أجل إدخال تغييرات جذرية على الممارسة السياسية المغربية عموما. هذا التغيير أدى بدوره إلى التعديل الدستوري، الذي عرض على الاستفتاء في يوليوز 2011. فوضع الدستور الجديد حدا لهيمنة التكنوقراطيين على المشهد السياسي، وأعاد إلى الأحزاب دورها الرئيس في العمل الحكومي. ومع تراجع دور السياسيين العقلانيين، المنافسين التقليديين للشعبويين، تقدم الشعبويون بشكل ملحوظ في الساحة السياسية، وبدأوا باقتراح خطاب بديل عن خطاب التكنوقراطيين والسياسيين التقليديين”، (الكاتب: محمد جليد).

ما حصل إذن هو “سقوط” التكنوقراطيين، نتيجة ما سمي بالربيع العربي، لكن صعود شريحة من الشعبويين له مخاطره أيضا، “فعندما تعجز العملية السياسية عن تحقيق عالم أفضل وأكثر عدالة للشعوب، أو عندما ترفض النخبة الحاكمة تحقيق الإرادة الشعبية(..)، تظهر الحركات الشعبوية التي تسعى لأن تستبدل بالنخب السياسية أخرى أكثر تحقيقا لإرادتها. وفي هذا الإطار، فإن ظهور هذه الحركات مؤشر على وجود خلل في العملية الديمقراطية، يجب علي النخب أن تنتبه إليه وتتعامل معه (الباحثة كريستا ديويكس في دراسة بعنوان “الشعبوية”).

صعود الشعبويين هو عنوان بارز للخلل في الديمقراطية، ما معنى أن يقول حميد شباط عن رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران إنه: “مجرد أحمق ومعتوه”، أليس القاموس الذي ينهل منه شباط هو نفسه الذي نهل منه مستشار من البام عندما قال عن بن كيران: “تفو على وزير شحال مريض” داخل قبة البرلمان، (موقع كيفاش: 7 دجنبر 2012).

طبعا شعبوية شباط وإدريس لشكر لا تقل شعبوية عن بن كيران صاحب أسطوانة التماسيح والعفاريت.. لذلك يمكن القول إن أقرب الأبواب لإصلاح هذا العطب هو الانتخابات التشريعية، واستمرار النهضة الداخلية داخل الأحزاب سواء بعقد مؤتمرات استثنائية أو تصحيح المسار، فما معنى أن يقول عضو في حزب الأصالة والمعاصرة، مثلا، “نريد مغربا للشواذ..”؟ وما معنى أن يتحدثوا عن ولادة ثانية لحزب “البام”؟ ألا يعرفون أن تغيير أهداف الحزب يتطلب عقد مؤتمر جديد، وإلا فإن ذلك يعرض الحزب للحل.. وما معنى أن يكتفي رئيس الحكومة بالمطالبة بحل حزب الأصالة والمعاصرة بدعوى أن خلطته فسدت دون أن يلجأ إلى تطبيق فصول الدستور التي تعتبر تحركات الأحزاب القائمة على المس بالدين الإسلامي أو النظام الملكي أو الوحدة الترابية (المادة 4 من قانون الأحزاب وما بعدها).

وانظروا لهذا الخروج الأخير المثير للقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة الذي قال في برنامج عرض قبل أيام “90 دقيقة للإقناع” إن بعض الملتحقين بحزب الأصالة والمعاصرة كانوا “انتهازيين” فـ”بمجرد علمهم بأن وراء الحزب شخصيات إدارية مهمة(..) بدأوا بالالتحاق فقط لقضاء مآربهم”. وتعد هذه هي المرة الأولى التي تهاجم فيها قناة “ميدي 1″، المستشار الهمة على لسان بنشماس، هذا الأخير ربما اختار اللقاء ليرد على الرسالة القديمة للهمة عندما قال: “إن المشروع السياسي الذي تأسس عليه حزب الأصالة والمعاصرة تعرض لانحرافات كثيرة.. مما يشكل انهيارا للآمال المعلقة عليه في لحظة سياسية دقيقة تمر منها بلادنا”، (مقتطف من استقالة المؤسس فؤاد عالي الهمة بتاريخ: 14 ماي 2011).

خلاصة القول: “الحزب المنحرف في نظر الهمة، يرد عن طريق حكيم بنشماس ليقول للمغاربة إن الانتهازيين دخلوا إلى الأصالة والمعاصرة في زمن الهمة، السؤال المطروح هو: لماذا تأخر بنشماس كل هذا الوقت ليرد على “فؤاد” كما يناديه رفقائه الحزبيون سابقا؟(..).

جزء من الخرجات الإعلامية الأخيرة لزعماء الأحزاب السياسية الشعبوية مرتبط باقتراب الأجندة الانتخابية، لذلك لا غرابة أن نسمع أن البام يفكر في التحالف مع العدالة والتنمية علما أن بنشماس كان أول من أكد أن التحالف مع هذا الحزب “غير ممكن”، لذلك يمكن القول إن الكلمة الفصل في الموضوع ستكون لنتائج الانتخابات، غير أن المغرب: “مطالب بتنظيم انتخابات حقيقية، من خلال العودة إلى نمط الاقتراع الفردي على دورتين، عوض نمط الاقتراع الحالي الذي لا ينجح فيه إلا أصحاب الأموال والقوى النافذة، وهذا يتعارض مع خطاب الجهوية ومع الدستور”، حسب اعتقاد الاستقلالي امحمد الخليفة، الذي يعتقد الديمقراطية المغربية يجب أن تنقح(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!