في الأكشاك هذا الأسبوع
علال الفاسي - المهدي بنبركة

روبورتاج | الطبقة البورجوازية تفضل علال الفاسي والفقراء يفضلون المهدي بنبركة

تقديم:

 عادت إلى الحقل السياسي المغربي كلمة افتقدناها بعض الشيء، وهي “انشقاق الأحزاب”، ويبدو أن عودتها كانت من أوسع الأبواب، حيث عادت للتداول داخل أكبر حزبين في المغرب وسليلي الحركة الوطنية، وهما حزبا الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. حيث ظهر في حزب الاستقلال تيار لا هوادة المعارض للأمين العام الحالي حميد شباط، أما حزب الاتحاد الاشتراكي فقد ظهر فيه تيار المرحوم الزايدي المعارض للأمين العام لشكر.

——————————

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

 

مقدمة التقرير الذي أعده القنصل الفرنسي بالقنيطرة و بعث به إلى سفير بلاده بتاريخ 15 ماي 1959

مقدمة التقرير الذي أعده القنصل الفرنسي بالقنيطرة و بعث به إلى سفير بلاده بتاريخ 15 ماي 1959

في هذا المقال يُسَلَّطُ الضوء على ظاهرة انشقاق الأحزاب السياسية من منطلق تاريخي، ونعود إلى الانشقاق العظيم الذي حدث لحزب الاستقلال سنة 1959، وخرج من رحمه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد تزعم الأول “قديس” حزب الاستقلال علال الفاسي، بينما تزعم الثاني عظيم السياسيين الشباب في تلك المرحلة المهدي بنبركة الذي يحيل اسمه على واحدة من أكبر وأخطر الأزمات الدولية لحد الآن بسبب ظروف مقتله الغامضة(..).

كيف سعى كل واحد من “العظيمين” إلى كسب المغاربة إلى جانبه؟ وذلك في عهد الأنوية والعصور المشرقة للأحزاب السياسية عندما كانت تزاحم الملكية، وكيف انتصر علال الفاسي على المهدي بنبركة.

نقترح قراءة تقرير بعث به القنصل الفرنسي بمدينة القنيطرة إلى سفير بلاده بتاريخ 15 ماي 1959، وموضوعها رد قنصل فرنسا بالقنيطرة على طلب سفير بلاده بالمغرب بخصوص نتائج انشقاق حزب الاستقلال.

 

المغاربة لا مبالون وتسهل تعبئتهم

أرسل السفير الفرنسي يوم 25 مارس 1959 رسالة إلى قنصل بلاده بالقنيطرة، يطلب منه أن يبعث له تقريرا حول انعكاسات انشقاق حزب الاستقلال في جهة الغرب، ولم يصله رد القنصل إلا يوم 15 ماي 1959. ولنتأمل المبررات التي قدمها القنصل للسفير بخصوص تأخره في إعدادا التقرير مدة شهرين كاملين، حيث يقول “إن التأخر الحاصل في بعث تقرير طوال شهر أبريل له ما يبرره لأنه يظهر أن الوضعية الاجتماعية جد مؤثرة. ويبدو لي أن تقييم نتائج الانشقاق في تلك المدة سابق لأوانه وحتى يمكننا اعتباره مضلل بعض الشيء. وفي الواقع فإن الأمر لم يكن يتعلق بصعوبة تقييم أهمية كل قوة فقط (يقصد حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، بل لأن العلاقة بينهما تبدو غير ثابتة باستمرار. كما أن الوضع يبدو غامضا وغير مستقر”. ويضيف بأن المغاربة “في هذه البلاد لا مبالون، ولكن من السهل ممارسة النفوذ عليهم وتعبئتهم”.

ويشبه ما لاحظه القنصل الفرنسي ما لاحظه المؤرخ والمفكر الفرنسي “شارل أندريه جوليان” حول طباع وسلوك المغاربة سياسيا وهو الذي عمر فيهم طويلا، حيث يقول “أزمة ذات خصوصية مغربية، حيث لا شيء يتم حسمه، بل حيث سيبدو أن الغموض يلف كل شيء“.

 

 ذوو الثقافة الفرنسية والفقراء على خطى بنبركة

 

وبخصوص نتائج الانقسام، والفئات التي اتبعت إما بنبركة أو اتبعت خط علال الفاسي، فيشير القنصل إلى أن بنبركة استقطب بوضوح غالبية الموظفين الذين صنفهم القنصل الفرنسي بأنهم “الذين يعيشون على النمط الغربي والذين مروا من مدارسنا، أو تعاونوا طويلا مع إداريين فرنسيين خلال مرحلة الحماية“، ويقدم كمثال على ذلك القائد الممتاز لمدينة القنيطرة وباقي القياد من ذوي الثقافة الفرنسية.

ويؤكد أيضا بأن ممن انحازوا إلى جانب بنبركة الموظفين الشباب المنتمين إلى أوساط فقيرة، وهم الذين صاروا يرسلون أبناءهم إلى المدارس في الوقت الذي كان فيه الأعيان القرويين يمتنعون عن إرسال أبنائهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى المدارس. وقد لاحظ القنصل الفرنسي في ذلك التاريخ بأن المستقبل لأبناء الفقراء لأن الإدارة المغربية في حاجة إلى أطر في المستقبل، وهم الذين سيملأون دواوين الوزارات والمراكز الحساسة بسبب الدراسة.

كما أكد بأن أبناءهم هم من سيحتلون مراكز جيدة ورفيعة في المستقبل، ويضيف بأنهم سيتذكرون أصولهم وسيقدمون دعمهم لحركة يأملون من خلالها أن تكسر احتكار الثروات التي بيد بعض المغاربة والفرنسيين، وهو حسب رأيه ما قد يمهد ويقود لمغرب اشتراكي.

 

البورجوازية التفت حول علال الفاسي بسبب الخوف من برنامج بنبركة

 

وعلى عكس الموظفين والشباب المثقف ذوي الأصول المتواضعة، فيشير القنصل إلى أن المغاربة ذوي الثقافة التقليدية من بورجوازيين، ورجال أعمال، وكبار ملاك الأراضي، كلهم سيتبعون علال الفاسي ليس من أجل شخصه أو كرزمته أو أفكاره، أو حبا فيه. ولكن خوفا من تيار بنبركة ونتائج تطبيق برنامجه بخصوص المخططات الاقتصادية التي تضر مصالحهم بصفة أساسية.

وحسب القنصل الفرنسي فإن ذلك الأمر ينطبق على باشا القنيطرة قريب الملك محمد الخامس وزوج ابنة الدكتور الخطيب، الذي اختار أن يدعم تيار علال الفاسي، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض كبار ملاك الأراضي في الغرب، الذين لم يخفوا عداءهم لبنبركة ورئيس الحكومة عبد الرحيم بوعبيد، حيث أكدوا أن سبب العداء هو البرنامج الاقتصادي الذي ينوي بنبركة وبوعبيد اتباعه، والقاضي باسترجاع أراضي الاستعمار وإعادة توزيعها.

أليس الأمس شبيها بما يقع اليوم، حيث يسعى أصحاب النفوذ من الأغنياء والسلطة الاقتصادية إلى إعاقة أي حكومة خوفا على مصالحهم؟

 

دعم الملكية مهم لانتصار بنبركة أو علال الفاسي

Suite doc 1959 وفي خضم تقريره عن الوضع الناتج عن انقسام حزب الاستقلال، تطرق القنصل إلى نقطة مركزية وأساسية، وما تزال لها راهنيتها إلى الآن، وهي مسألة حضور الملكية وتحكمها وتأثيرها في الناخبين المغاربة بخصوص التيار الذي من المفترض اتباعه.

وقد أكد أن الانتصار المستقبلي لتيار بنبركة أو علال الفاسي يتوقف على العمل بجانب الملكية ومحاولة إرضائها، ويضيف أن سكان البوادي سيتبعون الاتجاه الذي سيدعمه الملك، لأن اتجاه الملكية ضروري لعموم المغاربة وخاصة سكان البوادي. ويشير إلى أنه في المغرب حيث السكان لا مبالون، ولكن من السهل ممارسة النفوذ عليهم وتعبئتهم، وعلى هذا الأساس فإنه يرى بأن اتجاه الملكية ضروري للتأثير في المغاربة.

 

انتصار علال الفاسي على بنبركة

 

يتطرق القنصل في هذا التقرير إلى تأثير الجناح النقابي لكل تيار من التيارين المتنافسين، حيث يؤكد أنه بخصوص تيار بنبركة فإن الجناح النقابي المؤيد له يعتبر سلاحا ذي حدين. فهو عامل قوة ملائم جدا لبنبركة، من حيث الشق المتعلق بطبيعة الأفكار الاقتصادية والاجتماعية التي يستقبلها العامل البسيط بكل ارتياح من طرف الاتحاد المغربي للشغل.

أما عامل الضعف فهو غير ملائم ويشكل خطرا على مستقبل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث يرى القنصل أن جناحه النقابي الاتحاد المغربي للشغل على الرغم من نزعة زعمائه الداعية للابتعاد عن السياسة، إلا أنه في نفوس المغاربة فإن ذلك يشكل خيبة أمل بالنسبة للطبقة العاملة المدنية والقروية الذين ينظرون منذ حصول المغرب على استقلاله إلى ما وعدت به النقابة من زيادة في الأجور وتحسين ظروف العيش، بأنه لم يحصل أبدا وبقي مجرد أكاذيب وحبر على ورق.

وعلى خلاف ذلك فقد بقيت الأجور على حالها، ولم تخلق فرص عمل جديدة، كما ارتفع مستوى المعيشة، إضافة إلى “ديكتاتورية” المسؤولين المحليين للاتحاد المغربي للشغل في التعامل مع مطالب العمال.

وعلى هذا الأساس فإن هذا الوضع خدم تيار علال الفاسي أكثر من اتجاه المهدي بنبركة، وذلك عندما أقدم علال الفاسي على مبادرة ذكية، حيث لعب على “تلطيخ” سمعة الاتحاد المغربي للشغل لكي يؤسس تياره النقابي وهو النقابات المستقلة.

ويشير القنصل إلى أن هذه الخطوة التي أقدم عليها علال الفاسي على المستوى النقابي، اتخذت “بسرعة كبيرة وبرعونة كبيرة أيضا“. حيث عملوا على تصنيف نقابتهم الجديدة كنقابة للأغنياء تخدم نقابة الفاسيين، وقد صار هذا المصطلح يستعمل في النقابات المستقلة داخل الأوساط العمالية للتمييز بين النقابة الجديدة والنقابة القديمة. ويؤكد القنصل بأن هذا الانشقاق قد استغل كثيرا من طرف النقابة المستقلة التي أسسها علال الفاسي بخصوص الإحباط الذي ذاقه العمال من الاتحاد المغربي للشغل، وهذا ما أثر بخصوص عمال المدن الذين تعاطفوا بشكل واضح مع النقابات المستقلة التي أسسها علال الفاسي.

ويؤكد القنصل الفرنسي بأن ضعف الاتحاد المغربي للشغل بدا واضحا، من خلال محاولته تنظيم إضراب يوم 18 مارس 1959 وحاول من خلاله أن يثبت قوته إلا أنه فشل بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ويشير إلى أن الاتحاد المغربي للشغل أراد أن يمحي أثار الهزيمة عن طريق التأويل الذي أعطي لليوم العالمي للعمال في فاتح ماي 1959، حيث حاول أن يستغل أمر ترؤس الملك للحفل الذي أقيم بالدار البيضاء تحت رعاية النقابة المذكورة ليؤكد على أنه النقابة الأقوى.

ويرى القنصل أن الملك محمد الخامس عندما حضر هذا الحفل فقد أراد أن يعطي للحكومة الضوء الأخضر بالاستمرار في العمل، كما أكد من خلال حضوره هذا عداءه بعلانية لأي انشقاق في النقابة. ويشير القنصل إلى أن القادة المحليين للانشقاق أي تيار علال الفاسي لم يكونوا غافلين، ولا ساذجين بخصوص موقف الملك، واستمروا في تفاؤلهم واعتبروا أن الملك كان مجبرا على التراجع وذلك في إطار تصميمه على تصفية وإنهاء الخلاف مع حكومة عبد الله إبراهيم فقط.

 

 ما الذي تغير اليوم؟

المثير في تقرير السفير الفرنسي ملاحظتان: الملاحظة الأولى وهي كيف أنه رأى أن أبناء الطبقة الفقيرة هم من سيقودون المغرب بسبب إقبالهم على المدارس، وأنهم سيخدمون مصالح الفئة التي ينتمون إليها. والملاحظة الثانية وهي الوقع القوي لانشقاق حزب الاستقلال، وكيف اتبعه عموم المغاربة وتفاعلوا معه.

نبدأ بالملاحظة الأولى، ونؤكد على أن المغرب تغير بهذا الخصوص ولم يعد هناك مجال للقولة الشهيرة: “لولا أبناء الفقراء لضاع العلم”، حيث أصبح الأغنياء أول من يرسل أبناءهم للمدرسة، بل والأكثر من ذلك وهو أن التعليم في المغرب أصبح نخبويا، فلم نعد نرى المدارس الابتدائية والإعدادية هي المخوصصة. بل أصبحنا نرى الجامعات أيضا، وأصبح فقط أبناء الأغنياء هم من يدرسون فيها وهي التي تحتوي على التخصصات المطلوبة في سوق العمل. وكما أشار القنصل الفرنسي بأن أبناء الفقراء في تلك المرحلة سيخدمون الطبقة التي ينتمون إليها، فإن أبناء الأغنياء سيخدمون الطبقة التي ينتمون إليها من دون شك، وهذا ما قد يرسخ الهوة بين الفقراء والأغنياء في المستقبل.

أما الملاحظة الثانية الخاصة بتتبع المغاربة لأحوال الأحزاب السياسية في المرحلة التي كانت فيها هذه الأخيرة قوية، فإن الحال قد تغير اليوم إلى درجة كبيرة، فلم يعد هناك اهتمام بالأحزاب السياسية ولا الإقبال عليها وخصوصا من طرف الشباب. وأصبحت الأحزاب السياسية تمثل بلا شك بيادق فوق رقعة الشطرنج السياسية. فمن سيهتم لأمر انشقاق حزب الاستقلال الوشيك، وكذلك حزب الاتحاد الاشتراكي من عموم المغاربة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!