في الأكشاك هذا الأسبوع
عبد المالك العلوي، أبوه مولاي أحمد كان مستشار الملك، وأصبح هو اليوم ملك الاستشارة

الحـقــيقة الضــــائعة | بين مستشار الملك وملك المستشارين

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

تبرأ الرئيس الأمريكي أوباما مؤخرا، من الملكية، وقال أمام عدسات التلفزيون “أنا لست ملكا، ولا إمبراطورا”، ليجيبه رئيس الأغلبية بالكونغريس، “ولكنك تتصرف كملك وكإمبراطور”.

سمعت هذه التبرئة من رئيس أقوى دولة في العالم، وكنت أطالع الموضوع الوحيد الجاد(…) الذي عثرت عليه في إحدى الصحف المغربية الكثيرة، وكلها هذه الأيام متهافتة على أحداث الجرائم وحوادث النصب والانتحار، فكان طبيعيا، أن أتوقف عند أفكار الكاتب عمر الساغي (طيل كيل عدد 14 نونبر 2014) وهو يطبطب بذكاء(…) على أكتاف الملكية المغربية، مذكرا في موضوعه بأن “الملكيات الحقيقية الباقية في الدنيا(…) تعد على رؤوس الأصابع”، وهو يضع كلمة “الحقيقية” بين قوسين، وكأنه لم يسمع عن كاتب سبقه لنبش هذا الموضوع، فأخبرنا، بأنه طال الزمن أو قصر، فإنه لن يبقى على وجه الأرض من الملوك، إلا الملوك الأربعة القابعون وسط حزمة ورق اللعب “ملوك الكارطة”، وعندما استثنى الكاتب، بحكم التزامه المهني(…) الملكية المغربية، ورفض تصنيفها بين الملكيات المتبقية في الشرق العربي الإسلامي، القائمة على أسس الارتباطات العائلية فقط(…) بينما الملكية المغربية قائمة على أساس الانتماء الشريف، والتعاقد مع المذهب المالكي، مطمئنا قراءه على مصداقيتها، ومؤكدا أنها استثناء معجزة(…) وربما حيث أن المعجزة لا تواجد لها إطلاقا في البورصة السياسية العالمية فإن الرئيس أوباما تبرأ علنا هذه الأيام، وقال: لست ملكا ولا إمبراطورا.

ويغلب الأمر الواقع، الكامن وراء خوف أوباما، من أن يُتهم(…) بأنه ملك، ليصطدم مع فلسفة الملك الذي فرض نفسه أربعين عاما، الحسن الثاني، الذي أوصى، وأوصى، ألا نضع الملكية في وضع المعادلة الرياضية(…)، تذكيرا بتخصص المرحوم المهدي بنبركة، الذي علم حساب الرياضيات للحسن الثاني.

لتبقى نظرتي التقديرية، لجرأة الصحفي الساغي، وربما كان عليه أن يكتب اسمه عمر الصاغي(…) لأنه فَرْط(…) كما يفعل الصغار من بين صفوف الأجيال الصحفية الجديدة، وكاد يعود بنا إلى أيام المجد الصحفي، الذي أسهم بمقالاته وافتتاحياته في إصلاح أوضاع كانت أيام الحسن الثاني متردية، نتيجة الطغيان الذي تفرعن في ظل الملكية التي كانت مطلقة.. حتى اضطرت الأجهزة الأمريكية القوية إلى ضربها بعنف.

واعترف الحسن الثاني في أعقاب الثورات العسكرية سنة 1971-1972 بأن الأمريكيين كانت أياديهم هي المحركة لتلك المحاولات.

وأغرب ما في موضوع الإسهام الصحفي في تقويم الأوضاع، أن الأقلام السليمة(…) بقيت حتى بعد الحسن الثاني، وفي عهد ولده محمد السادس، تمارس واجبها التقويمي من قبيل افتتاحية كتبتها جريدة بيان اليوم (عدد 22 يناير 2003) وأمضاها بدهاء الصحفي بوطيب الحانون، بعد كتابته ((كل شيء في أرض العرب يسير بأمر السلطان، فما الداعي للحديث عن حقوق الإنسان)).

ورغم الفارق الزمني، حوالي عشر سنوات، على استنتاج كاتب افتتاحية “بيان اليوم” يجيبه كاتب افتتاحية طيل كيل في عدد نونبر 2014، بالتفسير المناسب: ((لأنه ليس لدينا، لا التعبير(…) ولا التفسير(…) المستجيبين لمنطق السياسة العالمية)).

وحتى نجد نموذجا صحفيا من العصر الصحفي الحاضر متطابقا مع التعبير والتفسير المستجيبين مع زمان الافتتاحيات الصحفية، نقرأ لصحفي لاعب في الحلبة الداعية لسدرة المنتهى(…)، رشيد نيني، (الأخبار عدد 30 شتنبر 2014) افتتاحية تكشف، بالصدفة، ملامح الواقع الذي آلت إليه الأمور(…) عندنا في عهد التواطؤ الصحفي، ليبقى سرد نيني سردا إخباريا، بعيدا عن التفسير، لكن مدرحا بالقليل من الجرأة، فيقول: ((الهجوم أثناء وجود الملك بالدار البيضاء، على مقر الأمن بالحي الحسني، من طرف عصابة مدججة بالسيوف حدث على درجة كبيرة من الخطورة، لأنه يمس صورة وهيبة إحدى مؤسسات الدولة، الأكثر حساسية(…) بعد الهجوم المسلح على حمام للنساء بالحي نفسه وبالقرب من دائرة أمنية، وبعده هجمت عصابة أخرى على مستعجلات الحي ونسمع عن إطلاق الرصاص لإيقاف مجرمين اعتديا على رجل أمن بالسلاح في الدار البيضاء والناضور، وعن اعتقال نادل حاول ذبح رجل أمن بمراكش، وعن قائد(…) يطلق ساقيه للريح بعدما قامت مجموعة من المحتجين بمطاردته بالخميسات)).

ويخرج صحفي آخر هاربا من بوابة الاستثناء الصحفي، في هذا العصر الحديث، وهو يا حسرة محسوب على حزب تأسس لإصلاح الأوضاع(…) واسمه صلاح الوديع، ليخاطب الوزير الأول المسؤول، في هذا الزمن، زمن الصمت عن كل تعليق على الأمر الواقع، فيقول الابن الوارث، لأمجاد أستاذنا الوديع الأسفي، الذي كانت لفلسفته وأفكاره وخطبه، الأفضال الكبرى على المكتسبات التي عرفها المغرب في عهد النضال. ولا أدري هل لازالت الأجيال الحالية تعرف ماذا تعني كلمة النضال.

وها هو ابن الثوري البار، وقد سكت هو أيضا بعد أن انسد صوته إثر ابتلاع الحبة التي تصبح بعد حلاوتها مرة المذاق(…)، باستثناء طرح سؤاله لرئيس الحكومة بن كيران، سؤالا مشحونا بعناصر الجواب(…) على صفحات الاتحاد الاشتراكي (عدد 17 فبراير 2014) يقول فيه: ((قلتم – أيها الرئيس بن كيران – كلما خاطبني جلالة الملك، أجيب بـ: الله يبارك فعمر سيدي)).

وهكذا تدور الدوائر، ثم تستقر، في باب الملك الذي تستجيب لمخاطباته سواء قالها أو لم يقلها. وعندنا وقد أصبحت أهميته كامنة في تزاحم المكونات كلها عند هذا الباب، رغم أنه يفتقد الوسائل، لمعرفة ما يتداول في الأدمغة وما يدور. أقول افتقدها، ولا أقول فقدها، لأن أولئك الذين فوضهم مهمة الاطلاع على ما يجري وما يدور هيمنوا(…) على المصادر الصحفية، على كثرتها وأصبحوا يتحكمون في مداد الأقلام(…)، رغم أن ممارساتهم التي تغلب عليها المادية أكثر مما تغلب عليها المعنوية(…) ينقصهم الاطلاع على أن العالم تبدل وتغير، تبدلا وتغيرا قرأت عنه مؤخرا نموذجا رائعا، في عبارة رغم قصرها، فإنها تجمع بين الملك، وما بين الحتميات التي تنقل الملكية في هذا النموذج، من الدرجة التي هي من حقها، إلى المرتبة التي تفرضها الأحداث(…).

كتبت مجلة “جون أفريك” الباريسية، (عدد 7 شتنبر 2014) كشفا صحفيا(…) عن شاب مغربي، اسمه عبد المالك العلوي، وكان أبوه – إن كنتم تذكرون- هو الوزير مولاي أحمد العلوي، حيث أصبح هذا الولد، غارقا هو أيضا، في عالم المعلومات والإعلاميات، وبعدما عددت المجلة الفرنسية، خصال الشاب عبد المالك، المهنية، كتبت: ((عبد المالك العلوي، لقد كان أبوه مستشارا للملك، وهو اليوم ملك الاستشارة)).

فقرة أو حكمة، تستحق التوقف عندها للتعمق في معانيها، حيث لم تبق الملكية ملكا للملك وحده، لكنها ترجعنا مسرعين، إلى مقال الكاتب عمر الصاغي(…) الذي رغم اعتباره كالمغاربة جميعا، مستفيدا من هذه الملكية، التي يضمن رمزها، استقرار المغرب واستمراره، فإن الصحفي الصاغي، يخلص إلى حتمية تأقلم هذه الملكية المغربية، وربما تحولها إلى ملكية متحركة، وليست هذه وجهة نظر الكاتب وحده، فيرى أن وصية الحسن الثاني بألا تكون ((الملكية المغربية أبدا، موضع معادلة حسابية)) هي وصية متجاوزة، وأنه تتحتم: ((مراجعة تنظير هذه الملكية وتحديدها، وتقييمها بطريقة متجددة، لترجع كما كانت منذ ألف سنة، رصيد المغاربة جميعا)).

بمعنى أنه لم يبق في منطق الملكية العصرية، مجال لقبول الحصار الإعلامي، المضروب بدهاء حولها ولا الاحتفاظ بها في الأجواء العالية، بعيدة عن سماع الأصوات الصريحة الشعبية. وأن تعرف هذه الملكية، أن بقاءها خلف الستار، يجعل المعنيين الآخرين بالمستقبل السياسي والاستراتيجي الداخلي والخارجي للمغرب، ينصتون ويسمعون، وينقلون.

لقد سمعنا هذه الأيام بوادر مراجعة للهياكل التي كانت مهيمنة على تطبيق التعليمات الملكية، وتنفيذ ما تشاؤه من أوامرها، وهي مراجعة هي الكفيلة وحدها بتأهيل الملكية المغربية، لأن تسهم في بناء المغرب الجديد، مغرب النهضة المعلوماتية التي جعلت كل مغربي ومغربية، كبير وصغير، مرتبط بحزب واحد، يأمر وينهي، ويوجه ويفرض الاتجاه اسمه الفايسبوك والأنترنيت.

فقد انتهى زمن المهازل والضحك على الذقون، وطوى الزمن تلك الصفحة التي بقيت مكتوبة بقلم صحفي فرنسي هذه المرة عن سخرية من الطريقة المغربية في التعامل مع الأحداث، لدرجة أنها نقلت وأدرجت في كتاب للتاريخ السياسي ((الحكام العرب. لمجدي كامل)) بالصيغة التالية: ((حكى مستشار سياسي في قصر الإليزي بباريس وقد قضى زمنا في خدمة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، واسمه برنار ميللي، أنه جاء للمغرب في مهمة دولية، فحجز له المكلفون باستقباله غرفتين في فندق الهيلتون رغم أنه كان بمفرده، وبإحدى الغرف عشرات من زجاجات العطور، لأفهم – يقول برنار – بأن المغاربة، كانوا يريدون شراء ذمتي)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!