في الأكشاك هذا الأسبوع

الجريمة التي هزت الرأي العام في مكناس والنواحي

                  جريمة نكراء، فاجعة مرعبة، كابوس حقيقي هز وروع سكون المنطقة الهادئة بدوار أيت يحيى ببلدة سبع عيون البعيدة بحوالي 14 كيلومترا شرق مدينة مكناس، تلك هي الشهادات التي استقتها “الأسبوع” من عين المكان على لسان ساكنة لا تزال تجمع قواها وأنفاسها من هول الصدمة، حيث جريمة قتل الرجل الفرنسي “كريستيان” المواطن “مصطفى” كما كان يسمي نفسه.

تعود تفاصيل الفاجعة إلى منتصف يوم الإثنين 17 نونبر الجاري، حيث قلق أصدقاء كريستيان في العمل سابقا (كريستيان كان يعمل بضيعة فلاحية كبيرة وعصرية بمنطقة الضويات قرب مدينة فاس)، وعدم رد كريستيان على الهاتف لمدة تفوق عشرة أيام، دفعهم إلى التنقل نحو مقر سكناه بضيعته الصغيرة “ثلاثة هكتارات” بضواحي مدينة مكناس.

قصدوا سكناه وشرعوا في النداء على “كريستيان” من الباب الرئيسي البعيد عن الفيلا دون جواب، فسمعهم العامل “المحجوب” الذي يشتغل في الضيعة المجاورة وهو صديق “كريستيان” والطفلة ابتسام “19 سنة” التي تبنتها زوجة كريستيان المغربية “زهور” التي توفيت قبل ثلاثة سنوات، وتطوع المحجوب بالاقتراب من المنزل لتبليغ “كريستيان” بخبر الضيوف، غير أن عدم ظهور سيارة كريستيان أمام “الفيلا” أقنعت المحجوب بعدم وجوده بالبيت، وعاد لضيوفه بالقول “ربما كريستيان خرج لقضاء حاجة ما”، فانصرف أصدقاء كريستيان والمحجوب يعدهم حين سيعود سيبلغه بزيارتهم.

بينما المحجوب وهو يعود نحو ضيعة مشغله بدأت عدة أسئلة تتناسل إلى ذهنه، وعلى رأسها أنه إذا كان كريستيان خارج البيت فحتما البنت ابتسام تحكم إغلاق الباب عليها حتى يعود، وربما هي في حاجة لـ”با الماحجوب” كالعادة، فعاد المحجوب واقترب نحو الفيلا وشرع في المناداة على ابتسام دون جواب، تقدم أكثر، لمس الباب ففتح بسهولة وانبعثت رائحة كريهة من الداخل، قاوم معها المحجوب فقدان الوعي قبل أن يهرع نحو المقدم ببلدة سبع عيون، أبلغه بالرائحة فشرعت مختلف أنواع الأمن تحاصر المكان من درك وشرطة علمية وأجهزة أمنية.

“حضر كبار القيادة الجهوية للدرك بمكناس وفاس وحرارة الهواتف لم تنقطع مع المركز بالرباط، خاصة بعد تناسل الإشاعات عن وجود كريستيان مذبوحا بطريقة بشعة تشبه طريقة منظمة داعش الإرهابية، خصوصا بعد شروع بعض المواقع لإلكترونية في تسريب الخبر مغلوط عن ذبح فرنسيين بطريقة بشعة”، يقول مصدر أمني شارك في التحريات التي استمرت حتى منتصف الليل في جمع الأدلة وحمل الجثث.

الإشاعات خلال الليلة الأولى هي سيدة الموقف، فبعد إشاعة صفة الجريمة والحديث عن عملية “الذبح” وغيرها، انتقلت إلى لأشخاص المحتمل اقترافهم لهذه لجريمة.

يحكي بعض السكان القريبون من مسرح الجريمة التي ظل التجمهر حولها حتى وقت متأخر من الليل، أن أول أصابع الاتهام من طرف ساكنة الدواوير المجاورة اتجهت نحو جار كريستيان الذي سبق أن اقتنى هكتارا من كريستيان بمبلغ يتعدى 200 مليون سنتيم، وظل على خلاف حاد مع زوجة كريستيان الراحلة زهور بسبب حدود ومعالم الأرض الجديدة التي تم اقتناؤها.

وعلى عكس كل التوقعات حينما كانت تشير الساعة إلى الثانية ليلا من اليوم الأول أي بعد ساعتين فقط من الانتهاء من جمع الأدلة والجثث، “وربما بعد إعادة شحن هاتف ابتسام الذي سقط ليلا من الجناة دون الانتباه إليه والاطلاع على آخر المكالمات”، سيتم اعتقال أول المشتبه بهم ويتعلق الأمر بالشاب “ف” كان على علاقة سابقة مع ابتسام لسنوات، بحكم اشتغاله سائقا بالضيعة، وهي العلاقة التي يحكى أنها انتهت باغتصاب ابتسام وبالتخلي عنها عن طيب خاطر بين الطرفين.

ثاني الاعتقالات همت مباشرة بعد ذلك الفاعل الرئيسي في الجريمة التي اقترفها أربعة شبان تتراوح أعمارهم ما بين 18 و22 سنة، هم “ع” آخر صديق لابتسام الذي له علاقة معها توطدت أكثر حين كانت ابتسام تغريه بالمال الكثير الذي تتوفر عليه رفقة متبنيها كريستيان داخل الفيلا، وكان “ع” آخر متصل بابتسام ليلة ارتكاب الجريمة، حيث أغراها بمحاولة بيعها هاتفا محمولا جديدا بثمن مناسب، مما جعلها تنتقل من باب الفيلا نحو الباب الرئيسي للضيعة، ففتحت “القفل والسلسلة” ليفاجئها صديقها “ف” رفقة صديقين اثنين آخرين له بخنقها مقابل شاب رابع تكلف بحراسة الباب.

ليتم بعد ذلك حمل جثة ابتسام من الباب الرئيسي نحو الفيلا ومباغتة كريستيان الذي تحكي المصادر أن الجناة لم يقتلوه حتى نالوا ما أرادوا من مبلغ مالي كان بخزنة البيت، وبطاقة سحب بنكي رفقة القن السري، وشيك بمبلغ مهم على بياض وحلي ذهبية، وحاسوبين، وهواتف محمولة، قبل الإجهاز عليه وحمل بعض الأثاث والأريكة بواسطة سيارة الهالك والتوجه بها نحو منزل أحدهم يقطن بـ”الفيرما” لوضع المسروق.

في اليوم الموالي، قصد هؤلاء الشبان الجناة مدينة الدار البيضاء لبيع الذهب واقتنوا مباشرة من هناك ثلاث دراجات نارية جديدة حلوا بها إلى الدوار، ثم الاتجاه نحو مدينة مكناس لاقتناء ملابس جديدة وزيارة المطاعم وعيش حياة الرفاهية في اليوم التالي لاقتراف الجريمة.

التغييرات التي ظهرت على الجناة طرحت بشأنها أسئلة من عدة أشخاص، ومنهم “الأخ الأكبر لأحد المتهمين حيث ضرب أخوه ليعترف له بسبب هذا الغنى المفاجئ، فكان الجواب باتفاق الأربعة هو فوزهم بمبلغ هام نتيجة مشاركتهم في ألعاب الرهان الرياضي “لعبة الطوطو فوت”.

يحكي لـ”الأسبوع” أخ أحد المتورطين المباشرين في الجريمة، أنه لم يلحظ أي تغيير على سلوك أخوه ليلة ارتكاب الجريمة بعدما عاد متأخرا بالليل، “لقد اعتاد أخي السهر ليلا رفقة رفاقه وكنا نستغرب من مبالغته في السهر، مؤخرا، رغم أننا نسكن وسط ضيعات لا ملاهي ولا مقاهي فيها فقط مجاري المياه والطبيعة، وركن “السوارت” (انظر الصورة)، وهو المكان المفضل لهؤلاء القريب من ضيعة كريستيان حيث خططوا لجريمتهم النكراء هاته”.

وعن التغيرات التي طرأت على أخوه رفقة أصدقائه، مؤخرا، قال ذات المصدر: “الشيء الوحيد الذي سجلته على الجناة الأربعة العاطلين والفقراء هو حديثهم مؤخرا حد الجنون وحبهم وحلمهم بمجموعة لباس رياضي عصري أنيق وبساعات يدوية جميلة وذات علامة معروفة وبدراجات نارية”.

ليستمر اعتقال المتهم الرابع من فراش نومه كان يغص في نوم عميق في مكان “الفيرما” لم يبعد عن مسرح الجريمة سوى بأمتار قليلة، ومع منتصف اليوم الموالي كان الدرك قد اعتقل “م” الذي احتفظ بالمسروق والذي كان على علم بالجريمة التي قام بها رفاقه، وطالت الاعتقالات بسرعة البرق “ي” السائق الذي تكفل بقيادة السيارة نحو منطقة كتامة وبيعها بمساعدة “ع” تاجر المخدرات الذي تكلف بتهييء الطريق عبر دراجته النارية والوساطة في بيع السيارة لدى معارفه من تجار المخدرات، وثم إحضار كل من المشتري للسيارة رفقة السيارة والمشتري للذهب من البيضاء، ولعب دور في التسريع باعتقال كل هؤلاء أحد المستخدمين بمحطة توزيع الغازوال الوحيدة بجماعة “واد الجديدة” القريبة من مسرح الجريمة، حين أخبر الدرك الملكي ليلة اكتشاف الجريمة بأنه لمح لحظة الهروب بالسيارة نحو منطقة كتامة الشبان الأربعة وهم يعبئون السيارة بالكازوال.

يتنهد طويلا أب أحد المتهمين وهو يقول: “ونحن نقاوم ليلا طويلا غير عاد لهول الفاجعة بسبب الجريمة النكراء في حق كريستيان، حتى بزغ صبح هول فاجعة أخرى لم نستطع حتى اليوم استيعابها لا تقل عن فاجعة قتل كريستيان وابتسام، هذه المرة الفاجعة هي صفة الفاعلين الذين لم يكونوا سوى أبناءنا، الذين لم نشك ولو للحظة أنهم قد يقتلون دجاجة فبالأحرى ابتسام وكريستيان.

يحكي لـ”الأسبوع” سعيد “شاب في الثلاثينيات من عمره”، والصدمة بادية على محياه “لم أصدق بعد أن هؤلاء الشبان الذين لم يسبق لهم أن توبعوا بجرائم وسوابق قضائية قبل ذلك “باستثناء الرابع” أن يتصرفوا ببرودة دم وباحترافية وثقة في النفس حتى خلال ليلة اكتشاف الجثث، حيث اقتربوا ببرودة دم من مسرح الجريمة والدرك يحقق وهم يتأسفون بهدوء تام على رحيل كريستيان وابتسام، بل حين اشتد بهم الجوع تقدموا لمتجر صغير بالقرب من مسرح الجريمة وأوقفوا دراجاتهم النارية الجديدة وتناولوا عشاءهم “وجبة البيصارة” وسط ضحك ومرح غير عابئين بما يجري من تحقيق.

جريمة هؤلاء اليافعين التي نفذت قبل أسبوعين على اكتشاف الجثث في ليلة ماطرة “ليلة الثلاثاء 4 نونبر الجاري”، كانت سببا غير مباشر في “وفاة حتى كلب كريستيان الذي ظل مقيدا بالجوع والعطش حتى توفي بدوره، فـ”الله ياخذ فيهم الحق أولاد الحرام روعونا وروعوا المنطقة الآمنة لعقود من الزمن”، يختم أحد الشيوخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!