في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف | هل انهزمت حكومة بن كيران أمام تحالف سلطة المال والفساد ؟

الرباط – سعيد الريحاني

——–

((هل تتذكرون السنوات الحالمة، سنوات الحب والثورة؟ استحضروا معي الزمن العربي الوهاج. زمن العشق والتسهي، عشقنا الصغير والكبير، زمن عبد الحليم حافظ وجمال عبد الناصر، كنا نشاهد اندياح الإمبريالية في السويس، فتنداح الجماهير سيلا عارما يفيض بالغضب ويجري بالغيظ من المحيط إلى الخليج. أضعف الإيمان في شروط سياسية تصب في اتجاه نقيض، تلجم الرغبة وتهدد الإرادة.. ثم كانت النكسة، وقيل في ذلك الوقت إن الأثار ستكون وخيمة وبلا حساب، وكانت كذلك منذ 67 تركبت في ذاكرتنا، بلا انقطاع تسريبات الهزيمة.. أمسينا “نأكل الطعام ونمشي في الأسواق” وصدورنا مفعمة بالخوف والوجل..)).

بهذه العبارات، لخص الكاتب نور الدين العوفي، إحساسه، كأي مواطن، في دولة عربية أو إسلامية، ولا شك أن إحساسا من هذا النوع يتقاسمه معه كثير ممن كانوا يحلمون بغد أكثر إشراقا، مع تعاقب الحكومات المطبوعة بالفشل والعجز الاقتصادي.

يقول العوفي “لا أريد هنا أن أحك على الضبرة” بقدر ما يهمني أن أمسح بالتذكار، ما أودعته في الوعي الشقي (ثقافة الهزيمة).. لقد انخسف خطاب الإمبريالية منذ السبعينيات، وأخذت تحل محله خطابات تقول ما مؤداه، إن أسباب التخلف والتعوق تكمن، بامتياز، في قصور البنيات التاريخية التقليدية، وتصلبها وتنافرها وعدم قدرتها على استيعاب الحداثة التقنية وأساليب الأداء العقلاني. تسأل عن الإمبريالية يجيبونك: شطح نظري وثرثرة متياسرة بلا طائل.. الهيمنة الاقتصادية؟ أية هيمنة؟ ويأتونك بالأرقام: نسبة 80 في المئة من حجم التبادل والاستثمار تتم بين البلدان الرأسمالية المتقدمة، مقابل 20 في المئة فقط باتجاه البلدان المتخلفة، و80 في المئة بينها وبين البلدان المتقدمة.. كنا نرى الفجوة التكنولوجية تتسع يوما بعد يوم، ولا حول لنا ولا قوة..”، (كتاب الاقتصاد المحشود أو الإمبريالية في زمن رامبو لنور الدين العوفي).

الحديث عن الماضي بلسان الحاضر حديث ذو شجون، لكن ما هي الممارسات التي حالت دون أن يعرف بلد مثل المغرب طريقه نحو النمو الاقتصادي المنشود، “المغرب يتوفر على واجهتين بحريتين ويتوفر على الفوسفاط ويتوفر على أجود الأراضي الخصبة ومناخه معتدل”، هذا ما تقوله المقررات الدراسية، إذن أين المشكل؟

واحدة من الآفات التي ساهمت في “نمو التخلف” بالمغرب، هي “الرشوة الكبرى” التي تقدمها بعض اللوبيات الاقتصادية للسياسيين من أجل المحافظة على مصالحها، والنموذج الحي على ذلك ما صرح به رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب عبد الله بوانو عندما قال: “إن إحدى شركات التبغ دفعت ملياري سنتيم لبعض البرلمانيين من أجل الدفاع عن تخفيض الضريبة على أحد أنواع التبغ، تصنع منه سجائر توصف بالشعبية”.

“بوانو وجه اتهاما خطيرا إلى شركة للتبغ، لم يذكرها بالاسم، قال إنها خصصت 20 مليون درهم لمن يدعم هذه التعديلات في البرلمان، وقال بوانو في تصريح صحفي: إن الشركة خصصت تمويلا، لكل مرحلة من مراحل تمرير هذا التعديل، وهي مرحلة الاقتناع، ثم طلب التعديل، ثم مرحلة الاقتراح، وأخيرا مرحلة المصادقة عليه.. وحول هوية البرلمانيين المعنيين، اكتفى بالقول: يوجد ضمنهم زعيم حزب سياسي”، (أخبار اليوم، عدد بتاريخ: 17 نونبر 2014).

تصريح من هذا النوع، يقتضي بالمنطق تطبيق أحد الأمرين؛ إما تحرك النيابة العامة لمساءلة عبد الله بوانو، وهذا لم يحدث لحد الآن، أو تحرك أكبر وهو “حل مجلس النواب”، لأن فساد السلطة التشريعية هو أخطر أنواع الفساد، فتحالف اللوبيات المالية ومشرعي القوانين هو ضرب لروح الدولة التي يفترض بها حماية مصالح المواطنين وليس المتاجرة فيهم(..).

وحتى تتضح الصورة أكثر، فبوانو يؤكد من خلال تصريحه أن إمكانية تفصيل قوانين على المقاس لمن يدفع أكثر، تبقى واردة، من هنا يمكن أن نفهم السبب الذي دفع المرشحين للانتخابات، إلى إهدار الملايير من أجل مقعد برلماني، ولاشك أنهم يعتقدون جازمين أن إمكانية استرجاع ما صرفوه في الحملة الانتخابية واردة جدا.

أباطرة العقار يمكنهم أن يدفعوا المال مقابل شراء القوانين التي تخدم مصالحهم، وبعض المهنيين من القطاع الخاص المتحالفين في شكل تكتلات يمكنهم أيضا أن يدفعوا المال لشراء القوانين التي تضمن لهم ربحا إضافيا.. الآن وبعد هذا التصريح الخطير لرئيس فريق العدالة والتنمية، يغدو طرح السؤال التالي معقولا: هل ما يشرعه البرلمان من قوانين يهدف لخدمة أم المجتمع أم لخدمة مصالح خاصة لأصحاب رؤوس الأموال؟

 

في هذا السياق يمكن القول أيضا إن ما صرح به رئيس فريق العدالة والتنمية، ليس تصريحا عابرا، أو خطأ في التقدير فالذين يعرفون حركة التوحيد والإصلاح وذراعها السياسي في مجلس النواب، يعرفون أن تصريحا من هذا النوع لا يمكن أن يطلق دون إذن من رئيس الحكومة شخصيا، فأقل ما يمكن أن يحدث في حزب يؤمن بنظرية “الطاعة” للزعيم، عقب هذا الخروج المثير، هو إقالة بوانو من رئاسة الفريق؟

ولاشك أن بوانو “المتشبث” بتكوين لجنة لتقصي الحقائق، يملك بين يديه أدلة قد يكون مصدرها حكوميا(..) سمحت له بهذا التصعيد.. هل تعلم أن المغرب “يتوفر بخلاف كل بلدان العالم على قانون يسمح بالسطو على ممتلكات المغاربة والأجانب، صادق عليه مجلس النواب في دورة أبريل 2011.. يقول المحامي مسعود الغليمي إن هذا القانون فرض على المغاربة في ظرفية خاصة، تميزت بغياب كبير في مجلس النواب، وبانشغال الجميع بتهييء انتخابات 2011، ويضيف بأن القانون (08.39) لم يكن موضوع تتبع أو اهتمام يليق بأهميته كقانون يسري على الملكية العقارية”، (الأسبوع، عدد: 32 أبريل 2014).

يحكي أحد المطلعين على أسرار حزب العدالة والتنمية، أن عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة كان يجد صعوبة كبيرة في النقاشات الحكومية، المالية، بسبب “لغة الملايير” التي لم يكن يجيدها، وهذا ما يفسر تخليه عن صديقه عبد الله باها، مقابل إصراره على إعطاء مكانة خاصة لصديقه الآخر “إدريس الأزمي” الوزير المكلف بالميزانية، باعتباره خبيرا في لغة الأرقام، هكذا انطلق مسلسل الشك الداخلي في اقتراحات بعض الأطراف، قبل أن ينفجر في شكل اتهام غير مسبوق للبرلمانيين بتلقي رشوة ضخمة.

ولا تقف الضربات الاقتصادية “المخدومة” ضد المغرب، عند حدود رشوة الفاعلين السياسيين، بل إن الأرقام تؤكد أن الاقتصاد المغربي، يتكبد خسائر فادحة بسبب “تهريب الأموال”، وقد قدر إدريس الأزمي الوزير المكلف بالميزانية حجم الأموال المهربة إلى الخارج بـ34 مليار درهم، بما يعادل 4 ملايير دولار، وبذلك يحتل المغرب الرتبة 45 من بين 143 دولة تعرف نشاطا للمهربين، “وهي رتبة جد متقدمة”.

في هذا الصدد يقول محمد المسكاوي عضو الشبكة المغربية لحماية المال العام إن «ظاهرة تهريب الأموال المنهوبة من المغرب نتيجة طبيعية للفساد المالي منذ الاستقلال، لكنها تطورت بفعل تطور منظور المختلسين». وفي معرض جوابه على طريقة التهريب يقول: «تهريب الأموال يتم عبر الأرصدة غير المتحقق من هويات أصحابها، أو إلى الشركات الوهمية، أو بيانات كاذبة في أرباح الشركات الكبرى والمتوسطة، بالإضافة إلى الأرباح الناتجة عن اقتصاد الريع»، هل هناك إمكانية للحديث عن الأثار السلبية للتهريب على الاقتصاد الوطني؟ يجيب نفس المصدر: «التكلفة الاقتصادية لظاهرة تهريب الأموال مرتفعة جدا، حيث تجعل الدولة رهينة المؤسسات المالية الدولية المقرضة، فضلا عن التكلفة الاجتماعية للمواطنين، وحرمانهم من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها الشغل والصحة والتعليم».

الاعتراف بوجود مهربين بيننا لا يقف عند حدود التقارير الرسمية بل إن الحكومة الحالية تفتخر بقدرتها على توفير ضمانات للمهربين من أجل إعادة الأموال المنهوبة إلى المغرب، وفي هذا الصدد سبق أن كشف وزير الاقتصاد والمالية، محمد بوسعيد، أن حجم الأموال المهربة إلى الخارج، التي تم استرجاعها إلى المغرب من فاتح ماي 2014 إلى غاية فاتح شتنبر الماضي، بلغت 2 مليار درهم، منها نسبة 56 في المائة عبارة عن سيولة نقدية، و36 في المائة عبارة عن تصريح بالعقارات، والباقي تصريح بالمنقولات.

وبغض النظر عن كون الحكومة ترغب في استعادة 5 ملايير درهم كسقف متوقع، فإن بعض الجزئيات تبدو مثيرة للسخرية، من قبيل تأكيد الوزير بوسعيد على وجود مجهود تقوم به الأبناك ومكتب الصرف لإقناع المعنيين بتسريع العملية، من خلال مراسلتهم للاستجابة للمبادرة.. تبعا لذلك يمكن القول إن حكومة بن كيران هي أول حكومة في العالم تعرف المهربين وتحاورهم وتضمن لهم سرية المعلومات، عن السرقة التي قاموا بها، بدل متابعتهم قضائيا وإصدار مذكرات بحث في حقهم.

“لنكن صرحاء ونسأل: من هم الذين هربوا أموالهم إلى الخارج: هل هم أشخاص تعرضوا للتعذيب أو للمطاردة السياسية؟ أو هم مجرد أناس اعتادوا ألا يثقوا في بلادهم، لظروف لا تتعلق دوما بالموقف من النظام أو من سياساته؟ إنهم في الغالب من العينة التي لم تكن تطمئن إلى بلادها أو التي كانت تعتبرها مجرد صندوق أو بقرة حلوب، وهربوا عنها لكي يتمتعوا بما امتصوه منها!! والذين هم من هذه العينة، علينا أن نسأل عنهم أكثر من أن نسألهم: ماذا حدث في حكم الله حتى يشعروا بالحاجة إلى «عودة» أموالهم وتوطينها في بلادنا؟ ليس هناك جواب تقدمه الحكومة في هذا الصدد. وإذا افترضنا جدلا أن الحكومة تعرف أسماءهم: هل يمكن أن نطمئن الرأي العام أن هذا المال «الهارب» سيكون في خدمة الوطن واقتصاد الوطن وقضايا الوطن، وأنه لن يحن إلى الهروب مجددا، إذا اقتضت الظروف التضحية أو الجهاد الاقتصادي؟ لا شيء مضمون في هذه الحالة.. ولنا أن نسأل الوزير بوسعيد عن الجدوى الأخلاقية، ثم المالية من وراء عودة المال؟ وهل الأمر يتعلق بالثروات الكبرى وليس ببعض الدريهمات التي توضع في حقيبة يد صغيرة..”، (مقتطف من مقال “عودة المال الهارب” لعبد الحميد الجماهري عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي).

تبعا لذلك ليس غريبا أن نقرأ أن متهما باختلاس الملايير يتجول حرا طليقا رغم إدانته من طرف محكمة الاستنئاف بـ5 سنوات سجنا، والحال أن سارق الدجاجة أو البيضة، أو الموظف صاحب الشيك بدون رصيد، يتم الزج به في أسرع وقت داخل الزنازين، “حالة محماد الفراع الرئيس السابق للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية نموذجا”.

مشكلة المغرب لا تقف عند حدود الرشوة أو التهريب، أو غيرها من عناوين “تحالف سلطة المال والفساد” الذي اضطرت حكومة بن كيران للتعايش معه، بل يكمن أيضا في القرارات الكارثية للحكومات المتعاقبة، صدقوا أو لا تصدقوا؟ بلد مثل المغرب لا يتوفر على أسطول بحري لنقل البضائع وتأكيد هذا المعطى على لسان حسن السنتسي أحد المستثمرين الكبار في القطاع البحري: “في السبعينيات كانت عندنا 70 باخرة أما اليوم فقد فقدنا نأكل شيئا، فعندما نبحث عن باخرة من أجل التصدير نؤدي لها مبالغ مالية ضخمة بالعملة ، وقد تكلمت مع السيد الوزير عبد العزيز الرباح في هذا الباب وقلت له، لابد من أسطول مغربي، لأنه لا قدر الله قد نكون معزولين إذا حصل أي مشكل”، (الأسبوع، عدد: 26 يونيو 2014).

حقيقة مرة بلا شك، أن يعرف المغاربة أنهم معرضون لعزلة خطيرة في حالة قيام حرب، بسبب عدم توفرهم على سفن بحرية خاصة بنقل البضائع، لكنها ليست شيئا إذا ما قرأنا ما أورده مصطفى أوزود نقابي سابق بشركة “كوماناف” عندما فجر فضيحة من العيار الثقيل في رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة، ووزير العدل والحريات، ووزير النقل، حول عملية بيع 25 باخرة من أسطول بواخر مغربي. وأكدت الرسالة وقتها “أن البواخر التي بيعت لم تكن مصابة في الأصل بأي عطب، وأن من بينها باخرة تحمل اسم “الحسيمة” أغرقت وتمت الاستفادة من تعويض من طرف شركة التأمين، نفس النقابي تساءل بشكل غير مسبوق عن الغاية من بيع سفن تنقل الفوسفاط في دولة تصدره وتعد من أجود البواخر عالميا، وأضاف النقابي أن حرب الاستنزاف التي تعرض لها الأسطول المغربي استفادت منها جهات معينة كانت تشرف على عمليات البيع، ولم تستفد الدولة المغربية من مبالغ بيع تلك السفن..”. (المصدر: جريدة الصباح عدد: 24 نونبر 2012).

هذا النوع من “الفساد” الذي لم يجرأ بن كيران على التحقيق فيه(..)، كاد أن يؤدي إلى بيع السفينة السياحية “مراكش” التي كان يحبها الملك الراحل الحسن الثاني وتعد إحدى مفاخر المغرب، “الباخرة شوهدت وهي تدخل منطقة الإصلاحات البحرية في ميناء الدار البيضاء، وربما ستدخل في ملكية القصور الملكية وهي الباخرة التي كان الحسن الثاني يستعملها في عدة أسفار رسمية لتونس وليبيا، وعقدت فيها عدة اجتماعات سياسية..

أي استهتار هذا، بالاقتصاد الوطني وبرمزية السفن المغربية، لا شك أن الأمر يحتاج إلى تحقيقات من نوع خاص لتكشف أصل الداء المهيمن على البحور المغربية، ألم تقل المحكمة ذات يوم إن توفيق الإبراهيمي، مثلا، المدير العام السابق لشركة كوماناف، الذي كان يفترض فيه أن يكون أحد رجال ثقة المغرب، متهم “بالمشاركة في استعمال وسائل وعرقلة سير الناقلات وتعطيل مرورها ومضايقتها وعرقلة حرية العمل..”.

وأنظر لهذا النوع من المسؤولين، الذين يتربعون على عرش “الإمبراطوريات المالية في المغرب” كيف يفضلون التلاعب بالاقتصاد المغربي(..) بدل تقديم الخدمة التي تحتاجها بلادهم، لا شك أن الأمر يحتاج إلى حملة تطهيرية أخرى(..) شرط أن تكون عادلة(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!