في الأكشاك هذا الأسبوع
الهواري بومدين في حديث مع أحمد بن بلة

روبورتاج | ماذا لو طارد المغرب خصومه داخل التراب الجزائري ؟

     بعد الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، والذي اعتبر بحق منعطفا في تعاطي المغرب مع ملف الصحراء، خرجت جبهة البوليساريو لتهدد بالعودة إلى حمل السلاح. لكن الغريب في الأمر وهو على مدى تطور هذه القضية فإن إمكانية عودة البوليساريو إلى هذا الأمر يعد من باب المستحيلات من منطلق تاريخي.

—————–

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

     فرضت التغيرات الجديدة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية العودة إلى قراءة تاريخ هذه القضية، لرصد يعض الثوابت والمتغيرات. ولعل أهم المتغيرات الراهنة ثلاثة، أولها: الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، الذي عكس تبني المغرب لطرح جديد في التعامل مع القضية، والقاضي بضرورة التعامل مع الجزائر كطرف مباشر بخصوص قضية الصحراء. وثانيها: وهو انقلاب الموقف الأمريكي من عدم الاعتراف بجبهة البوليساريو إلى تبني موقف غامض وملتبس. ثم ثالثها: وهو تهديد جبهة البوليساريو بعد الخطاب الملكي بالعودة إلى حمل السلاح.

ومن خلال هذا المقال سنعمل بالاستناد إلى وثائق أمريكية أن نبين، أولا، أن الجزائر كانت دائما وأبدا هي الطرف المباشر في قضية الصحراء، وأن البوليساريو لم تكن إلا أداة لحرب بالوكالة مع المغرب، ثم نبين أن أمريكا لم تكن تعترف بالبوليساريو أصلا، بل إنهما كانا في حالة عداء، وكذلك سنبين بأن جبهة البوليساريو لا تستطيع العودة إلى حمل السلاح مجددا.

 

أمريكا لم تكن تعترف بجبهة البوليساريو

بلاغ رسمي من وزير الخارجية الأمريكي إلى سفراء بلاده بخصوص عدم الاعتراف بالبوليساريو

بلاغ رسمي من وزير الخارجية الأمريكي إلى سفراء بلاده بخصوص عدم الاعتراف بالبوليساريو

نلاحظ اليوم أن الكيان الوحيد غير المعترف به رسميا من طرف هيئة الأمم المتحدة، وكذلك من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، ويسمح له بالقيام بأنشطة مختلفة فوق التراب الأمريكي، هو ما يسمى بجبهة البوليساريو. والغريب في الأمر أن أمريكا كانت عندما طرحت قضية الصحراء من أشد المعارضين لقيام هذا الكيان.

ونجد من خلال الأرشيف الأمريكي وثيقة مؤرخة بـ8 أبريل 1976، وهي عبارة عن بلاغ رسمي وسري بعث به هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي إلى سفراء وقناصل بلاده بخصوص قضية الاعتراف بالبوليساريو، ويؤكد هذا البلاغ الرسمي بأن الحكومة الأمريكية لن تعترف بهذا الكيان. وقد كان البرهان الذي قدمته أمريكا هو أن البوليساريو لا تسيطر على أي حيز من الأرض أو إقليم قائم بذاته، كما أنها لا تظهر القدرة على الحكم أو التسيير، وبالإضافة لهذه الاعتبارات فإن هذه الأخيرة لا تلقى قبولا دوليا واسعا، بل لا تجد صدى حتى بين الدول التي أنشئت بطريقة مماثلة.

ويشدد كيسنجر على أن الهدف من هذا البلاغ، هو إخبار سفراء وقناصل أمريكا في باقي الدول بالموقف الرسمي لبلاده، وليس دعوة وحث باقي الدول على عدم الاعتراف بالبوليساريو. ويتبين من خلال هذا البلاغ أن أمريكا ركزت في هذا الإطار على عاملين، أولهما: أن الجبهة لا تملك ولا تسيطر على أي أرض، حيث إن البوليساريو كانت ومازالت تقيم فوق التراب الجزائري في مخيمات تندوف. وثانيهما: أن هذا الكيان الجديد لا يقدر على الحكم أو التسيير، وثالثهما: حضور قضيتها على المستوى الدولي، حيث إن أمريكا ترى أن هذا الكيان لم يلقَ قبولا دوليا واسعا والأهم أنه لم يلقَ صدى حتى داخل الدول التي نشأت بطريقة مماثلة. ولا نرى أن الوضع تغير اليوم، بل الذي تغير هو أن البوليساريو صارت مرفوضة حتى من لدن سكان مخيمات تندوف.

ولم تقف أمريكا بخصوص موقفها من البوليساريو عند ذلك، بل إنها ساندت المغرب ضد البوليساريو بهيئة الأمم المتحدة حيث كانت تصوت للقرارات الموالية للمغرب، حتى نجد من خلال بعض الوثائق الأمريكية بأن مساندة أمريكا للمغرب له تأثير سلبي في العلاقات السياسية الأمريكية الجزائرية، وعلى عكس ذلك فقد جعل علاقة أمريكا بالمغرب تتطور في اتجاه إيجابي وملحوظ، ولعل أبرزها زيادة كبيرة في تنسيق الاستخبارات والتعاون ضد الإرهاب.

وكنتيجة لموقف أمريكا من هذه الجبهة في تلك المرحلة، فقد كانت البوليساريو ترد على أمريكا بالمثل، وكانت العلاقة القائمة بينهما علاقة عداوة ثابتة. ومن الأمثلة على ذلك، أن السفير الأمريكي بلبنان بعث إلى وزير خارجيته رسالة إليكترونية مؤرخة بـ13 فبراير 1976، يخبره من خلالها أن جبهة البوليساريو تتهم أمريكا بمساعدة المغرب على قتالها، حيث عقد أحمد المحجوب عضو لجنة العلاقات الخارجية للجبهة مؤتمرا صحفيا اتهم من خلاله أمريكا بمساعدة المغرب في قضية الصحراء. وقد جاء هذا الاتهام في وقت كانت الجبهة تسعى جاهدة لكسب تعاطف وتأييد الدول الشيوعية، ولذلك سعت لإدخال أمريكا في خانة الاتهام، وبالتالي كسب وتأييد أكبر عدد من الدول الشيوعية، وعلى رأسها كوبا والفيتنام، وقد أكد ممثل البوليساريو في هذا اللقاء الصحفي أن أمريكا وفرنسا انحازتا إلى الجانب المغربي.

 عودة البوليساريو إلى حمل السلاح

بعد الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، والذي اعتبر بحق منعطفا في تعاطي المغرب مع ملف الصحراء، خرجت جبهة البوليساريو لتهدد بالعودة إلى حمل السلاح. لكن الغريب في الأمر وهو على مدى تطور هذه القضية فإن إمكانية عودة البوليساريو إلى هذا الأمر يعد من باب المستحيلات من منطلق تاريخي.

ففور نشوب المناوشات بين المغرب والجبهة، تؤكد وثائق أمريكية، بأن الشعب الجزائري منذ سنة 1976 كان يرفض أن تمول حكومته هذه الجبهة لتخوض حربا بالوكالة ضد المغرب. ولنتأمل إحدى الوثائق الأمريكية وهي مؤرخة بـ6 شتنبر 1976، وهي عبارة عن رسالة من سفير أمريكا بإسبانيا إلى وزير الخارجية الأمريكي، وعنوانها مشاورات مدريد، وهي عبارة عن تقرير حول مشاورات دارت بين كل من مساعد وزير الخارجية الأمريكية أثرتون، وهو المكلف بملف الصحراء، وسفراء أمريكا بكل من المغرب والجزائر، حيث تحدثت هذه الوثيقة مطولا عن سياسة بومدين بخصوص تمويل جبهة البوليساريو، وأكدت هذه الوثيقة أن عدم وجود قبول دولي لجبهة البوليساريو على المدى الطويل قد يجبر في نهاية المطاف بومدين على تغيير سياسته الحالية.

وأشارت الوثيقة وبصريح العبارة إلى أن بومدين لا يتمتع بتأييد شعبي كبير في الجزائر بسبب سياسته الداعمة والمحتضنة للبوليساريو، والتي تسببت في تحويل الموارد التي من الممكن أن تسخر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى تمويل البوليساريو. كما تحدثت الوثيقة عن إمكانية تغيير بومدين لسياسته بهذا الخصوص، ورأت أن هذا الأمر سيكون مستبعدا على المدى القريب أو المتوسط، ولكن من الممكن أن يكون على المدى البعيد.

وإن كانت هناك خلاصة يمكن استخلاصها من هذه الوثيقة فهي أن بومدين فقد شعبيته من طرف الجزائريين، لأنه ينفق أموالا من الممكن أن تستمر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية على جبهة البوليساريو. وقد استمر تذمر الجزائريين من سياسة رؤساء الجزائر مع البوليساريو من الماضي إلى الحاضر. والآن أصبحنا نسمع أصواتا تندد علنا بتبذير أموال الشعب الجزائري على جبهة البوليساريو في الصحف الجزائرية وتنعتهم بالمرتزقة.

 

140 مليون دولار من أجل “كينيدي”

ولعل من أبرز الانتقادات الصريحة، تلك التي رافقت زيارة كيري كينيدي رئيسة مؤسسة “روبرت كينيدي”، حيث تم تسريب وثيقة سرية لـ”البوليساريو” صدرت قبيل زيارة وفد مؤسسة “روبيرت كينيدي” إلى مخيمات تندوف لمنع التظاهر في المخيمات أثناء زيارة هذه البعثة الحقوقية لها. كما انتقد الإعلام الجزائري بشدة الإنفاق الباهظ على هذه الزيارة الذي تعدى مبلغ 140 مليون دولار خرج من خزينة الشعب الجزائري، وإذا استمرت هذه الانتقادات فإنها ستتحول لا محالة إلى معطى ضروري الارتكاز عليه.

كما أنه في حال لم تأت سنة 2015 بجديد بخصوص قضية الصحراء، فإن جبهة البوليساريو قد تجد نفسها في ورطة إذا أرادت حمل السلاح، لأن الشعب الجزائري الآن على وعي أكثر من أي وقت مضى وفي عصر الإعلاميات بأن البوليساريو ستدخل في الحرب من أمواله. ونعلم كم هي تكاليف الحرب باهظة، وخاصة إذا كانت حرب بالوكالة، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نستغرب من وجود مظاهرات في الجزائر لا محالة.

 

الجزائر هي الطرف المباشر في قضية الصحراء

وثيقة تحيل على مشاورات بين مبعوث وزير الخارجية الأمريكي وسفراء أمريكا بالمغرب وإسبانيا والجزائر بخصوص الصحراء، وتؤكد أن الجزائر هي الطرف المباشر في القضية

وثيقة تحيل على مشاورات بين مبعوث وزير الخارجية الأمريكي وسفراء أمريكا بالمغرب وإسبانيا والجزائر بخصوص الصحراء، وتؤكد أن الجزائر هي الطرف المباشر في القضية

كان الجديد في تعاطي المغرب مع قضية الصحراء، كما أشرنا، هو الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، حيث اعتبر أن الجزائر طرفا مباشرا في هذه القضية. والملاحظ أنه في الخطاب كاملا لم تذكر مفردة البوليساريو ولو مرة واحدة، في حين أن مفردة الجزائر نالت ما مجموع نسبته 2.5 في المائة من الكلمات الواردة في هذا الخطاب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المقاربة الجديدة التي تعتبر بحق الجزائر هي الطرف المباشر في هذه القضية.

وإذا عدنا إلى الوثائق الأمريكية فإننا نجد أن الأمريكان كانوا يعتبرون الجزائر منذ نشوب هذا النزاع بعد سنة 1975 هم الطرف الرئيسي في القضية، حيث نجد في الوثيقة التي ذكرنا آنفا وهي المؤرخة بـ9 شتنبر 1976 تحليل في بدايتها وعنوانه “طبيعة الصراع في الصحراء“، وتعتبر الوثيقة أن طرفي الصراع هما المغرب والجزائر بدرجة أولى، وهما المبتدأ والخبر في القضية ولا يوجد أحد غيرهما. وأشارت الوثيقة إلى أن كلا الحانبين يتجنبا الدخول في مواجهة مباشرة، بل تكتفي الجزائر بحرب عصابات تقودها البوليساريو بالوكالة، وأن طبيعة المواجهة في الأصل هي حرب عصابات. وهذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أن ما يسمى بجبهة البوليساريو كانت في الأصل أداة في يد الجزائر.

ولنذهب إلى أبعد من ذلك، حيث نجد في الوثيقة الأمريكية معطيات أخرى تفصل في علاقة البوليساريو بالجزائر، وتثبت أن الجزائر هي الطرف الرئيسي وليس البوليساريو. حيث عندما تطرقت الوثيقة إلى انعكاس الحرب على البلدين فقد أكدت أن الجزائر “تخوض حربا بالوكالة“، وفصلت في مزايا ذلك وانعكاسه على الجزائر، إذ أكدت على أن هذا النوع من الحرب يمكن الجيش الجزائري من مراقبة وتسيير الحرب بدقة من الناحية المالية، وربما يبقيه حتى أجل غير مسمى يسير الحرب كيفما يشاء. وفي ذات السياق فقد أكدت الوثيقة أن للمغرب القدرة على مواجهة هذا النوع من الحرب على الرغم من المشاكل التي تطرحها حرب العصابات التي اعتمدتها البوليساريو بالوكالة عن الجزائر.

ومما يؤكد أن الجزائر هو الطرف المباشر في هذه القضية، هو أن كل من له اهتمام بقضية الصحراء توقع نشوب حرب مباشرة بين المغرب والجزائر. وقد أشارت الوثائق الأمريكية ونحن نعتمد الوثيقة المؤرخة بـ9 شتنبر 1976، حيث أكدت أنه في كل حال من الأحوال فإن لا أحد من الطرفين، وركزت على صيغة الطرفين أي المغرب والجزائر، على استعداد للدخول في حرب شاملة ومباشرة. لأن المغرب قد يختار حق مطاردة مقاتلي جبهة البوليساريو داخل التراب الجزائري الذي ينطلقون منه. وتشير الوثيقة إلى أن مثل هذه الخطوة من المؤكد أنها لن تحدث إلا بعد تصويت أممي، وفي حال عرضت القضية على هيئة الأمم المتحدة فإن الهيئة ستعتمد على التصور المغربي لا محالة والقاضي بدفع الخطر عنه، وهو ما قد ينقلب إلى انتصار مغربي.

وتطرقت الوثيقة أيضا لنقطة مهمة وهي “إمكانيات تسوية النزاع“، واعتبرتها غير واردة في تلك المرحلة. ولا يهمنا هنا أمر تسوية النزاع بقدر ما يهمنا أطراف النزاع على حد قول الوثيقة، حيث تذكر مرة أخرى أن الأطراف الأساسية هما المغرب والجزائر، وتشير الوثيقة إلى أنهما ليسا في حالة استعداد لتقديم تنازلات بخصوص هذه القضية، كما تشير إلى أن كلا الطرفين لن يكون قوة لفرض تسوية على الآخر.

وهذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أمر واحد، وهو أن اعتبار الجزائر هي الطرف المباشر في هذه القضية ليس مراوغة مغربية من أجل إطالة أمد هذه القضية وإنما هو حقيقة تاريخية، وليس من فراغ كما ذكرنا فنحن لم نعتمد وثائق مغربية أو شيء من هذا بل اعتمدنا وثائق أمريكية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!