في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا رفقة المرحوم أحمد الزايدي

نبذة أخرى عن الراحل أحمد الزايدي…

بقلم – رمزي صوفيا

                أذكر أنه قبل دخوله السياسة، مكث الزايدي 20 عاما في الصحافة بعمله في القناة الأولى للتلفزيون الحكومي، قبل أن يقتحم عالم السياسة في سبعينيات القرن الماضي من بوابة الانتخابات البلدية، ليتدرج سياسيا بعضويته بحزب “الاتحاد الاشتراكي” اليساري، وكذلك عضوية البرلمان ورئاسة كتلة حزبه في المؤسسة التشريعية.

——————–

                 لا يمكنني التعبير عن شعوري الحسير ونفسي الكسيرة وألمي العميق لفقدان أحد أهم الأحباب وأحد أعز الأصدقاء الذين عرفتهم منذ أكثر من عشرين عاما، ألا وهو الراحل أحمد الزايدي. فأثناء زياراتي المتعددة لمحطة تلفزة المغرب مع الصديق العزيز والطيب الأمين الراحل محمد المودن رحمه الله، تعرفت على يده على أبرز الصحفيين التلفزيونيين وأكثرهم ثقافة وأفضلهم تصرفا وهو الأستاذ أحمد الزايدي. وكنت كثيرا ما ألتقيه في المناسبات الرسمية حيث كنت ألاحظ بأن أكبر الشخصيات وأعلى المسؤولين كانوا يستقبلونه بالأحضان ويدخلون معه في حوارات هامشية كلها ثقة وتقدير، وكان الوزراء بالخصوص يغتنمون تلك المناسبات لمسامرته في أحاديث مطولة. ولما توطدت علاقتي بالأستاذ أحمد الزايدي، بعدما أخذ يزورني في منزلي بالدار البيضاء بإقامة “روماندي 1” التي كانت توجد بها مكاتب جريدة “السياسة الكويتية” التي كنت مديرا إقليميا ورئيسا لتحرير الطبعة الدولية منها، والتي كانت تصدر بالمغرب بمعدل عددين بالألوان كل أسبوع. وكان السيد الزايدي يناقش معي كل صغيرة وكبيرة في مواضيع الجريدة ويقدم لي ملاحظات قيمة ونقدا بناء للمواضيع والطباعة والأفكار وكنت أنبهر من فرط ثقافته واطلاعه الهائل. ومرت السنوات تباعا ليصبح الأستاذ أحمد الزايدي رئيسا لجماعة بوزنيقة، فأخذت أزوره من وقت لآخر للتوسط للمحتاجين لخدماته كما اعتدت طيلة حياتي مع كل من يطرق بابي. وكان لا يرد طلبا لمحتاج ولا يغلق بابا في وجهه، بل كان السيد أحمد الزايدي يسعد كل السعادة عندما يقضى غرض ما على يده. وهكذا صار كل سكان بوزنيقة من مناصريه ومن المخلصين له ولبرامجه السياسية، لأنه اشتغل في كل صغيرة وكبيرة تهم مدينته وقدم كل الخدمات الكفيلة بتطوير ظروف عيش سكانها فكانت ثقتهم تتضاعف وتزداد في الأستاذ أحمد الزايدي يوما بعد يوم. ويذكر لي عدد من أصدقائي من المستثمرين العرب والخليجيين الذين حلوا بالمغرب واختاروا مدينة بوزنيقة لإنجاز مشاريعهم، إعجابهم الكبير بهذا الرجل العظيم: “لقد كان بمقدور السيد أحمد الزايدي أن يتربع على ثروة هائلة، ولكنه ظل يرفض كل الإغراءات المالية ويعمل بجد ونزاهة في خدمة مثالية للناخبين الذين صوتوا له ووثقوا فيه لأنه كان عضوا نشيطا في حزب الاتحاد الاشتراكي ومناضلا وطنيا غيورا على مبادئه الحزبية وأفكاره السياسية، أما المال والماديات فلم تكن تعني له شيئا بالمرة”. وكانت هذه الصفات ستؤهله لا محالة للفوز برئاسة هذا الحزب التاريخي العريق لولا حكم القدر الذي سبق حكم البشر منذ خلق الله الأرض حتى يرثها يوم القيامة.
وبمجرد الإعلان عن وفاته وهو عائد من رحلة عمل من الرباط وذلك لفائدة دائرته حيث انزلقت سيارته في وادي الشراط، ولم يتمكن المنقذون من الوصول إليها واستخراجه منها إلا بعد فوات الأوان وانتقال الأستاذ الزايدي إلى ذمة الله. وكان آخر اتصال جرى بيني وبينه على الهاتف قبل حوالي أسبوع واحد من وفاته، حيث هاتفني وقال لي بالحرف الواحد: “لقد تناولت في بيتك الأكلة العراقية المعروفة واللذيذة: الدولمة، وأريد منك أن تحدد لي يوما مناسبا لأحضر إلى بيتك مع بعض الأصدقاء الذين يحبونك ويتابعون ويقرؤون كل ما تكتبه على جريدة “الأسبوع الصحفي” ونتناول جميعا هذه الأكلة على مائدتك”. فأجبته: “وهل أنت في حاجة للاتصال حتى تحضر لزيارتي؟ إن بيتي هو بيتك وأصدقاؤك هم أصدقائي”.
والشيء الذي أستغرب له كثيرا بعد وفاة أخي العزيز الأستاذ أحمد الزايدي هو أنه قال لي خلال نفس الاتصال الهاتفي الذي أجراه معي قبل أيام معدودة على وفاته بالحرف الواحد: “الله الله يا رمزي، إنك تقوم بواجب ممتاز وعمل نبيل وأنت تكتب عن الشخصيات المغربية والعربية التي رحلت إلى دار البقاء وتستحضر لقرائك بجريدة “الأسبوع الصحفي” كل مناقب ومنجزات هذه الشخصيات، وهذا وفاء كبير منك تجاه من رحلوا عن هذا العالم”.
واليوم ها أنا أكتب عن أخي وعزيزي الأستاذ أحمد الزايدي بعد أن صار هو الآخر في عداد الراحلين رحمهم الله جميعا.
وأذكر أنه قبل دخوله السياسة، مكث الزايدي 20 عاما في الصحافة بعمله في القناة الأولى للتلفزيون الحكومي، قبل أن يقتحم عالم السياسة في سبعينيات القرن الماضي من بوابة الانتخابات البلدية، ليتدرج سياسيا بعضويته بحزب “الاتحاد الاشتراكي” اليساري، وكذلك عضوية البرلمان ورئاسة كتلة حزبه في المؤسسة التشريعية.
ونافس السياسي المغربي الراحل الزايدي بشراسة على رئاسة حزب “الاتحاد الاشتراكي”، قبل أن ينهزم أمام إدريس لشكر، الزعيم الحالي للحزب، لتنشب بينهما معارك سياسية ساخنة حول مستقبل الحزب اليساري، الذي تقول الصحافة المغربية إنه “يعيش أزمة تنظيمية داخلية يمكن أن تؤدي لجيل جديد من الانشقاقات”.
وخلال سنوات عضويته لمجلس النواب الغرفة الأولى في البرلمان، اشتهر الراحل الزايدي بمداخلاته السياسية القوية، وبمقارعته للحجة بالحجة وببلاغته في الخطابة السياسية وباكتسابه احترام الخصوم السياسيين.
وقد قال الشيخ عبد الباري الزمزمي، عضو مؤسس في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بأن وفاة الأستاذ أحمد الزايدي، عن طريق الغرق داخل سيارته، تعتبر مؤشرا على شهادته في سبيل الله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!