في الأكشاك هذا الأسبوع

التجربة الجماعية المرتقبة و الحاجة إلى مؤسسات الاستشارة

     لاحظ الجميع كيف أن الخطاب الملكي السامي أمام نواب الأمة في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة جعل من تدبير الشأن العام محورا أساسيا له ، فظرف الزمان و المكان اقتضيا التركيز على هذا الموضوع مادام الأمر يتعلق بمؤسسة تشريعية منتخبة في ظل دستور جديد ألقى على عاتقها مهمة إعداد مجموعة من القوانين التنظيمية أهمها تلك الخاصة بالعملية الانتخابية في أفق تكريس بناء المؤسسات .

و لأن تدبير الشأن العام مسألة مفصلية في تحقيق التنمية المنشودة انطلاقا من عدة مداخل كالديمقراطية التشاركية و الحكامة الجيدة ، فإن المؤسسات الدستورية الموكول إليها القيام بهذه المهام و أمام ما تم تسجيله في حقها من ضعف القدرة التدبيرية و الاقتراحية و أحيانا كثيرة هدر الزمن السياسي في مزايدات سياسوية عقيمة يكرسها خطاب رديء ، فإنها مدعوة للرفع من أدائها العام عبر الانفتاح على أشكال جديدة من التعاملات في محيطها من شراكات ، تفويضات أو استشارات ، و لعل ذلك ما حث عليه جلالة الملك في الخطاب المذكور عندما قال : “كما ينبغي استكمال إقامة مؤسسات الديمقراطية التشاركية و الحكامة الجيدة و فق المقتضيات الجديدة داعين الحكومة و البرلمان إلى الاستفادة أكثر من الاستشارات و الخبرات التي تتوفر عليها هذه المؤسسات”

و رغم أن السياقات تختلف بين التجارب الجماعية السابقة و التجربة المرتقبة نظرا لاعتبارات سياسية ، اقتصادية ، اجتماعية ، ثقافية و بيئية معروفة، فإن المسؤولية تبدو جسيمة لأن الجماعات المحلية شريك أساسي في المشروع المجتمعي الذي يبلوره المغرب منذ أكثر من عقد من الزمن ، و هي مدعوة لإنجاح الرهان و إن عادت في ذلك إلى الاستشارة .

في مفهوم الإستشارة :  

يقترب مفهوم الاستشارة Consultation من كلمة الإرشاد Orientation و التي تعني أيضا التوجيه Guidance ، و الاستشارة هي طلب الإدلاء برأي ، و بها يتم تقديم مساعدة للآخرين على اكتشاف قدراتهم و إمكانياتهم لاستخدامها بفعالية في المهام المطلوبة منهم .

و مع ذلك فمفهوم الاستشارة قد يثير بعض التساؤلات و يكتنفه أحيانا غموض سياسي و مؤسساتي : فقد يختلط المفهوم بالشورى التي لها بعد ديني صرف يرتبط أيضا بالاجتهاد ، كما قد يفهم منه تبادل الرأي و المشاركة في التقرير السياسي .

و إذا كانت الدولة الحديثة تتوفر على مؤسسات استشارية رسمية تختلف مجالات تدخلها بين السياسي ، الحقوقي و الاجتماعي ، فقد ظهرت مؤسسات غير حكومية أخرى وطنية أو دولية ذات مهام استشارية في المجالات الإدارية ، الاقتصادية و المالية ، و هي المؤسسات التي بدأت رقعة عملها في الاتساع مؤخرا و انفتحت عليها مختلف الإدارات و المؤسسات العمومية و الجماعات المحلية .

و تختلف الحاجة إلى العملية الاستشارية حسب متطلبات الأفراد           و المؤسسات ، لكن جوهرها هو أن يقوم المستشار بتقديم التوجيه و الإرشاد في ظل ظروف و موضوعات مختلفة ، محسنا استعمال الوقت في التفكير و الاقتراح وتقديم الحلول ، كما يستعمل المستشار الأساليب العلمية في تحليل المشكلات المتوقعة و المفاجئة ، و يبادر بالبحث عن البرامج البديلة لتمكين المستشير من الاختيار و المفاضلة . و تحدد علاقة المستشار مع الطرف الآخر حسب زمن المشكلة أو الموضوع ، حيث تعتبر مشورة إذا كان المشكل في بدايته ، و طلب مساعدة إذا كان الموضوع في منتصفه ، أما عندما يستعان بالاستشارة في نهاية الموضوع و بعد ظهور آثاره فهذا يعتبر إنقاذ .

و في عالم شديد التغير لا يعترف سوى بالتميز و قوة الأداء وجدت الحكومات و الإدارات المختلفة نفسها أمام تحديات كبيرة لرفع عجلة التنمية     و وثيرة النمو ، لذلك لا بد لها من طلب خدمات إدارية و استشارية إضافية وفق معايير الإدارة و الاقتصاد المعرفيين . و تتنوع بالتالي هذه الخدمات بين تقديم الاقتراحات و الحلول و البدائل إلى المساعدة في إدارة المؤتمرات التي تتطلب قدر كبيرا من التخصص و الاحترافية ، و تنظيم الدورات التدريبية لتطوير أداء الأطر البشرية في شتى المجالات إضافة إلى إعداد و تنفيذ برامج للإشهار       و العلاقات العامة إلى غير ذلك من أشكال التدبير الإداري المتجدد.

و قد يعترض نجاح الاستشارة مجموعة من العراقيل المرتبطة خصوصا بالبيئة الداخلية للإدارة ، أهمها :

  • جو السرية والتكتم و مدى إعمال مبدأ الحق في المعلومة

  • مقاومة التغيير ومحاولة المحافظة على الوضع الراهن

  • عدم توفر الوعي العميق بقيمة التطوير والتكوين المستمر

  • عدم وجود رؤية استراتيجية مستقبلية

  • ضعف الثقافة المؤسساتية المبنية على الانتماء و روح الجماعة

  • عدم قدرة المؤسسة الاستشارية على تبسيط الأمور حسب قدرة وخصوصية  و مستوى الاستيعاب لدى المستشير

حاجة الجماعات المحلية لمؤسسات الاستشارة

       الأكيد أن الاستشارة هي شكل من أشكال الحكامة و لذلك نص الدستور الجديد في فصله الثالث على “…إحداث هيئات للتشاور ، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين ، في إعداد السياسات العمومية و تفعيلها و تنفيذها         و تقييمها” ، و إذا كان الحديث هنا عن هيئات و مجالس استشارية مهمتها تكريس الديمقراطية التشاركية و تعزيز سلطة الاستشارة ، فإن نفس الدور قد ينعقد لمؤسسات الاستشارة الخاصة التي تمكن الجماعات المحلية من المرونة و تطوير الفكر و الأداء و البحث عن الجودة و تأمين التنوع و التكوين المستمر و اعتماد الاتصال الجيد و الفعال و التوقع و التكيف مع حاجيات البيئة ، و هي كلها مبادرات و عمليات تدعم الجماعة المحلية في تحديث بنياتها و أساليبها.

       فالمجالس الجماعية و بمناسبة تدبيرها للشأن المحلي و تعقيداته المعروفة في حاجة فعلا للمشورة و الحلول المتكاملة و التوصيات المناسبة ، خصوصا   في مجالات البناء التنظيمي و تبسيط الإجراءات و تحديد الاحتياجات ، إضافة إلى الاستشارات التقنية و الفنية الخاصة بالتدبير الحضري و هيكلة المجال خصوصا أمام ظهور مواضيع جديدة كحماية البيئة و الاقتصاد الأخضر ،     كما تبدو الاستشارة أكثر أهمية في الجانب المالي لضبط المحاسبة ، الميزانيات   و الجبايات أو في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع الجماعية و تدبير الرواتب و الأجور و غيرها .

في نفس السياق و بالنظر إلى أن تطور و تنامي المعرفة الإنسانية         و خوض الحكومات غمار العولمة و إنعاش التنمية الاقتصادية و التطور المتسارع للتكنولوجيات الحديثة ، يستدعي الاستفادة من تجربة القطاع الخاص في شكله المقاولاتي كما الاستشاري و من تخصصه و احترافيته كقوة اقتراحية و تخطيطية .

و لعل أمثلة ناجحة لأشكال استشارية لفائدة الجماعات المحلية بواسطة مقاولات كبرى أو مكاتب دراسات ملتزمة كان لها الدور الكبير في تنزيل برامج  و مشاريع محلية رائدة ، و هي التجربة الواجب إغناؤها و تثمين مكتسباتها تماشيا مع التحولات الاستراتيجية التي تعيشها البلاد سواء في جرأتها الإصلاحية، توجهاتها الاقتصادية الجديدة و عموما تفرد نموذجها الوطني  و الحضاري في المحيط الاقليمي العربي و الافريقي .


  د. مولاي محمد البوعزاوي

 باحث في القانون الإداري و علم الإدارة  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!