في الأكشاك هذا الأسبوع
هيلاري كلنتون لحظة تقديم كتابها المعنون ب"خيارات صعبة"

ملف | المغرب يحاول النجاة بنفسه من خطة “الضحك على البلدان الإسلامية”

الأسبوع – سعيد الريحاني    

       “على الرغم من أنه يوم ممطر في الرباط، لقد قمنا برفع علمنا في موقع السفارة الجديد، قبل رحلتنا في الأيام القادمة.. ويقول القرآن الكريم: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”.. الحمــــد لله على أمطــــار الخيــــر بالمغرب التي تفضل الله بها علينا هذا اليوم.

الفقرة أعلاه ليست مقتطفا من كلام فقيه في الدين، أو عالم من علماء الشريعة، بمناسبة تهاطل الأمطار الأخيرة، بل إنها تغريدة، للقائمين على السفارة الأمريكية في العاصمة الرباط، ولا شك أنهم يكررون الكلام نفسه في كل البلدان الإسلامية(..) مع حلول كل فصل شتاء، وربما تجدهم يقولون: “اللهم اسق عبادك، وبهيمتك، وانشر رحمتك واحيي بلدك الميت، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين يا أرحم الراحمين..”.

قد يتفهم المتتبع، استقبال السفارة الأمريكية، لنشطاء في جماعة العدل والإحسان المحظورة، أو بعض نشطاء السلفية.. بدعوى مواكبة تحركات التيارات الإسلامية، لكن أن يصل الأمر إلى حد ترديد آيات من القرآن الكريم، فهذا يقتضي التساؤل عن علاقة أمريكا بالإسلام.

لكل إنسان الحق في اختيار عقيدته(..) لكن المؤكد أن السفارات الأمريكية، لم تكن في يوم من الأيام بوابة لنشر تعاليم الإسلام، بل إن ما كانت تلوكه ألسنة بعض الأمريكيين يكشف التعاطف “الكاذب” مع المسلمين، أليس السيناتور الأمريكي جون ماكين هو صاحب مقولة: “لو كان الأمر بيدي لهدمت الكعبة”.. “ألم يقل الرئيس السابق كلينتون الذي كان يصفه الباحثون الأمريكيون بالرئيس الرخو، “إن العرب ينتظرهم مستقبل شديد السواد”.

في السياق ذاته، لا غرابة أن نقرأ، مئات قصاصات الأخبار التي تتحدث عن تهنئة الرئيس الأمريكي أوباما للمسلمين بمناسبة حلول “عيد الأضحى مثلا” إما عن طريق خطابات مباشرة، أو عن طريق بلاغات رسمية..

وربما نسي كثير من المتتبعين أن الهدف من وصول أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، كان هو إصلاح صورة الولايات المتحدة، “أمام ما يزيد عن مليار مسلم، بعد الغزو الذي أمر به الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش للعراق وأفغانستان ومعاملة الولايات المتحدة للمحتجزين في معتقلات غوانتنامو”(..).

هكذا، يمكن القول إن أوباما وإدارته لا ينفذان في الحقيقة إلا ما التزم به أمام العالم عندما عندما فاز بالانتخابات، “لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أمريكا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض ولا داعي أبدا للتنافس في ما بينهما بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ: العدالة، والتقدم، والتسامح، وكرامة كل إنسان”.. هكذا تحدث أوباما في القاهرة خلال شهر يونيو سنة 2009، عندما حل ضيفا على علماء الأزهر، بينما كانت جموع الحاضرين تقاطع كلمته بالقول: “نحن نحبك”.

هذا من حيث الشكل أما من حيث المضمون، فإن تصريحات الرئيس الأمريكي، في نظر الباحثين، لم تكن سوى عنوانا لتغير السياسة الأمريكية، بعد أحداث 11 شتنبر 2001، فقد “تحجج” التحالف الرأسمالي الشره الذي سيطر على أمريكا، بعد أحداث 11 شتنبر 2001، بما ادعاه من أحداث دامية لينطلق، إلى غزو العالم وبدأت الخطوة الأولى بأفغانستان وبعد سقوطها انفتحت شهية الطغيان وبدأ غزو العراق واحتلاله..”، (كتاب محمد إبراهيم بسيوني، مؤامرة تقسيم الوطن العربي).

وطالما نبهت الصحف العالمية، إلى ارتباط السياسة الأمريكية بالنفط، “من تم ليس عجيبا أن كل ما يحيط بجورج دبليو بوش (الرئيس السابق لأمريكا) له رائحة النفط، كونداليزا رايس.. مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض، كانت تعمل ولمدة تسعة أعوام في شركة “سيفون” للبترول، وهي التي أدارت الاستراتيجية النفطية لأمريكا، في آسيا الوسطى، أما نائب الرئيس ديك تشيني.. فقد ترأس ولمدة عشرة أعوام شركة “هاليبورتن للبترول”، ويعتبر قائد النفط الذي يتحكم في العالم كله بما في ذلك الحكومات أيضا”، (مقتطف من تقرير عن حياة بوش، منشور في مجلة لونوفيل الفرنسية).

ورغم محاولات تبني الخطاب الإسلامي من لدن أمريكا في عهد الرئيس أوباما، إلا أن ما تأكد حتى الآن هو أن أمريكا لعبت دورا أساسيا في تفتيت الدول العربية، فما سمي بالربيع العربي لم يجر حتى الآن سوى الويلات على الدول التي وصلها، وقد سمحت الظروف كي يتحدث الأمنيون في دول العالم العربي ليؤكدوا أن ما شهدته بعض البلدان لم يكن سوى صناعة أمريكية، “إن ثورات الربيع العربي، ثورات بلا قيمة أو جدوى، صنعتها الإدارة الأمريكية، بمساعدة تنظيم الإخوان المسلمين”، (تصريح ضاحي خلفان القائد السابق لشرطة دبي).

ويمكن الاطلاع، على خطورة السياسة الخارجية الأمريكية، من خلال مذكرات سياسييها، كمثال على ذلك يمكن الوقوف على ما نسبته وسائل الإعلام الدولية إلى هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية السابقة، التي قالت في مذكراتها تحت عنوان “خيارات صعبة”: “لقد دخلنا الحرب ضد العراق، وسوريا، وليبيا، وكان كل شيء على ما يرام، وجيد جدا وفجأة قامت ثورة 30 يونيو في مصر، ضد حكم الإخوان المسلمين، فتغير كل شيء في غضون 72 ساعة، فقد كنا على اتفاق مع الإخوان المسلمين في مصر على إعلان “الدولة الإسلامية في سيناء” وإعطاء جزء منها إلى حماس والجزء الآخر إلى إسرائيل، وضم “حلايب” و”شلاتين” إلى السودان، وفتح الحدود المصرية مع ليبيا في منطقة “السلوم”، وكنا على موعد نحن وأصدقاؤنا الأوروبيون في 5 يوليوز 2013، كي نعترف بالدولة الإسلامية، حيث زرت 212 دولة في العالم، لشرح الدور الأمريكي والاتفاق مع بعض أصدقائنا على الاعتراف بالدولة الإسلامية فور إعلانها، وفجأة تحطم كل شيء أمام أعيننا..”.

تبعا لذلك، لم تقف هيلاري عند حدود الاعتراف الأمريكي بصناعة الدولة الإسلامية، بل تعدته إلى القول: “من خلال تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، والدولة الإسلامية التي كنا نعدها، كنا سنقسم المنطقة، ومن بعدها نتجه إلى دول الخليج عن طريق أعواننا هناك، من الإخوان، والبداية في الخليج كانت من الكويت ثم السعودية، ثم الإمارات، إلى البحرين، وعمان وبعد ذلك يعاد تقسيم المنطقة العربية، ودول المغرب العربي، وتصبح لنا السيطرة بالكامل على منابع النفط والمنافذ البحرية..”.

قد يقول قائل إن هيلاري كلنتون، التي أصيبت “بجلطة دموية في الساق، نتج عنها ارتجاج دموي في المخ” جعلتها تغيب عن مؤتمر أصدقاء سوريا الذي كان سينضم في المغرب، سنة 2012، قبل انتشار بعض الأخبار التي توقعت حضورها لمنطقة الحوز، لقضاء فترة نقاهة عند أختها المتزوجة من مغربي في مراكش(..).

أي مذكرات هاته؟ التي يكتبها المصابون بارتجاج في المخ؟ المؤكد حتى الآن أن الواقفين وراء هيلاري كلنتون، لا يمكن أن ينطقوا عن الهوى، وبغض النظر عن كون هذه المذكرات جلبت على صاحبتها ثروة ضخمة، فإن البعض توقع من صدور كتابها، خطوة أولى نحو الترشيح للرئاسيات الأمريكية.. وانظروا للمفارقة: الديمقراطية الأمريكية أيضا ينتج عنها تناوب الأب وابنه على السلطة، حصل ذلك مع عائلة بوش، وقد يتناوب الزوج وزوجته على السلطة، قد يحدث هذا في عهد هيلاري زوجة الرئيس السابق كلنتون(..).

الاعتقاد بأن داعش صناعة أمريكية هو الذي جعل عددا كبيرا من المحللين السياسيين في العالم يتحدثون عن “استراتيجية داعش الأمريكية”، أو “استراتيجية الولايات المتحدة الإسلامية، أي الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ولعل أكبر خطإ ارتكبته الدول الإسلامية حتى الآن هو حديثها عن داعش “كدولة إسلامية”، بينما كان حريا تصنيف هذا التنظيم كـ”عصابة” أو كـ”منظمة إرهابية”.

يقول الكاتب المصري المخضرم حسنين هيكل: “إن من يتولى قيادة التحالف لمواجهة الإرهاب هو من أسهم في صناعته.. ويضيف “إن استعجال وصول الربيع العربي إلى ليبيا بضربات الناتو أدى إلى استدعاء القبلية باسم الدين.. وهذا ما جعل شركات الأسلحة والجنود المرتزقة في الوقت الحالي يتحدثون عن عقود بالملايير.. أنا أتخوف من أن يطالب العرب بفواتير خيالية ثمنا لحروب لا معنى لها، مشيرا إلى أن هذه الفواتير ستستنزف ثرواتهم لاسيما أن أوباما قال إن المعركة مع داعش ستستمر 3 سنوات”.

هيكل إذن يعتقد مثل الكثيرين بأن داعش مخطط استنزافي، لذلك استبشر المغاربة خيرا عندما تجنب الجيش المغربي التورط في مواجهة مفتوحة مع تنظيم داعش في ليبيا رغم الدعوة إلى ذلك(..).

“حذر” المغرب من الانسياق وراء السياسة الأمريكية، تؤكده النبرة غير المعهودة في الخطاب الملكي الأخير، حيث قال الملك محمد السادس: “نعبر عن تقديرنا للأمين العام للأمم المتحدة، وللقوى الدولية الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسها البيت الأبيض”، غير أنه أضاف “إننا نطالب، اليوم، بموقف واضح من هذا النزاع (نزاع الصحراء)”.. “ففي الوقت الذي يؤكدون فيه أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض، مع قضية وحدته الترابية”.

غموض الموقف الأمريكي إزاء قضية الصحراء، يقتضي التعامل “الحذر” مع البيت الأبيض، وقد يدخل في ذلك التحركات المغربية الأخيرة لتطويق “التمويل الأجنبي للجمعيات المغربية”، حيث يقول إدريس الضحاك، الأمين العام للحكومة، وهو واحد من الوزراء المحسوبين على “وزراء السيادة”، ولاشك أن الأمر يتعلق بسيادة الدولة: “إن تمويل الجمعيات المغربية من الخارج انتقل من 7.4 ملايير من السنتيمات سنة 2007، إلى أكثر من 24 مليارا بعد خمس سنوات فقط، أي سنة 2011… في سنة 2012، ارتفعت التمويلات الأجنبية المصرح بها من قبل الجمعيات إلى 24.4 ملايير سنتيم سنة 2012، ما يعني تضاعف هذه التمويلات مرتين عما كانت عليه سنة 2011، التي بلغت التمويلات الأجنبية للجمعيات خلالها 14.5 ملايير سنتيم”، يقول الضحاك.

إلى هنا يطرح سؤال من يمول الجمعيات المغربية؟ مصادر التمويل كثيرة، وبالطبع البحث في اللوائح سيؤكد وجود تمويل أمريكي، ليس للجمعيات فحسب، بل عن بعض الأحزاب أيضا نالت نصيبها من الكعكة المفصلة على المقاس، جزء من التمويل يقف وراءه السيناتور الأمريكي “جون ماكين” الحالم بهدم الكعبة، وهو رئيس المعهد الجمهوري التابع للحزب الجمهوري، وجزء آخر من التمويل مرتبط بنشاط “المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي”، الذي تقف وراءه وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، “وهو المعهد نفسه الذي اقترح على الأحزاب المغربية، مبادرة لتحمل نفقات إقامة مكاتب للتواصل مع المواطنين، في إطار برنامج “دعم الديمقراطيات الفتية”، وبينما انتبهت قلة قليلة إلى كون هذا الدعم ممنوع قانونا، سارع بعض النواب إلى استخلاص حصتهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة أبعاد الموضوع (الأسبوع، عدد: 29 ماي 2014).

ولا يقف الاهتمام الأمريكي بالمغرب عند هذا الحد، بل إن السفارة الأمريكية في الرباط، تحولت في عهد أوباما إلى خلية دائمة للاستقطاب والتكوين(..)، بالموازاة مع ذلك تتحدث وكالات الأنباء عن حشد من الجواسيس الأمريكيين، الذين يستعدون لدخول المغرب، “فقد كشف البنتاغون الأمريكي، عن خطة جديدة لإرسال مئات الجواسيس إلى مجموعة من البلدان ومنها المغرب، منضوين تحت لواء وكالة استخبارات الدفاع، وهي الخطة التي تم التراجع عنها في الماضي، لكن المستجدات الأخيرة دفعت المسؤولين الأمريكيين إلى تحيينها وإدخال تعديلات عليها”.

ولاشك أنها مفارقة، أمريكا التي أقصت المغرب من خطة الحرب على داعش(..) هي نفسها التي ترسل جواسيسها للتجسس على داعش في المغرب، وهي نفسها التي تبارك للمسلمين مناسبة “عيد الأضحى”، وقد يتطور الأمر إلى درجة أن أوباما قد يعلن نفسه “أميرا للمؤمنين”.

في زمن الأنترنيت كل شيء ممكن والهدف واضح تماما: “إن شبكة الأنترنيت هي أداة مستحدثة في إطار الثورة الإلكترونية التي تجتاح العالم، بالتوازي مع العولمة التي تحولت إلى إيديولوجيا متكاملة النظرية والأهداف، والأساليب التي تتبناها عدد من الدول الأقوى والأغنى في العالم للسيطرة الاستعمارية، على الكون في إطار تقويض ثوابت الشرعية الدولية التي تتعايش بها دول العالم منذ الحرب العالمية الثانية.. إن البرامج المتداولة على الكمبيوتر والتي تستخدم الأنترنت ومنها: “اليوتوب”، و”الفيس بوك”، و”غوغل”، وغيرها، استخدمت ولا تزال في نشر أخبار ومعلومات تستهدف تنمية سلوك ما يسمى بالمواطن الكوكبي، الذي يتخلص من ولاءات المكان والزمان والجنسية والدين واللغة والجنس ليعيش كوكبي الهوى والفكر وعالمي السلوك، الذي يميل إلى تطبيق نظرية مادية تفرض وتقبل وتتحمس للبقاء للأقوى على حساب تدمير الأضعف”، (الكاتب محمد إبراهيم بسيوني).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!