في الأكشاك هذا الأسبوع

أيها المهندسون المعماريون، كلكم معنيون و في وضعية سراح مؤقت..

الأسبوع – يونس فنيش

مقدمة

في المعتقد العام أو السائد لدى العامة، المهندس المعماري مسؤول على كل شيء من الألف إلى الياء في كل مشروع معماري يرسم تصاميمه. و أما الحقيقة فهي عكس ذلك تماما. فالمهندس المعماري لا يمكنه القيام بعمل مهندس مكتب الدراسات المختص في الإسمنت المسلح أو الخرسانة المسلحة و هو عمل قائم على حسابات علمية دقيقة لا تدخل حتى في مجال تكوين المهندس المعماري. و لذلك فالمختبرات المكلفة باختبار الاسمنت و مدى مطابقته للمعايير المطلوبة لا تحتاج أن توظف مهندسين معماريين بل تحتاج إلى مهندسين مدنيين -أو إنشائيين- غير معماريين، مهندسين في كل ما يتعلق بالإسمنت المسلح و الدعامات و الأسس و تلك مهنة غير مهنة المهندس المعماري الذي يعتبر فنانا يرسم و يضع التصاميم بشكل يحافظ على جمالية العمران.

المهندس المعماري يشرف على متابعة الورش بالتوجيه و الإرشاد و ليس مسؤولا على ما قد يرتكبه الآخرون من المتدخلين من أخطاء، كما أنه يتأكد من العيّنة و ليس مطلوبا منه مباشرة عمل مخابراتي أو عمل مباحث عامة ليل نهار داخل الورش طيلة فترة إنجازه، خاصة إذا كان صاحب المشروع شركة كبيرة مهيكلة تتوفر على موارد بشرية، مستخدمين أو موظفين بمهمات محددة أو عامة يفرضهم صاحب المشروع على أرض الواقع.

لما يعمل المهندس المعماري لصالح شخصية مادية لا علاقة لها بمجال المعمار، شخص يريد بناء عمارة من 3 أو 4 طوابق مثلا، فهو يكلف المهندس المعماري بهذه المهمة و يكون آنذاك المهندس المعماري له سلطة رمزية في الورش تمكنه من متابعة الأعمال بأريحية و بدون تشويش أو إزعاج أو تجاوز لسلطته لأن آراءه تكون محترمة و أوامره مطاعة في إطار تنفيذ رغبات صاحب المشروع.

و أما إذا كان صاحب المشروع شخصية معنوية، شركة كبيرة مهيكلة مختصة في المعمار و البناء لها مواردها البشرية، ففي هذه الحالة يصبح المهندس المعماري مجرد مرؤوس على أرض الواقع و لو كان يقدّم كمسؤول على المشروع بحكم أنه يؤشر على بعض الأوراق الروتينية الضرورية بناء على معطيات معروفة تتلخص في درجة تقدم المشروع إجمالا و بصفة شمولية، و ليس مطلوب من المهندس المعماري الحسابات المدققة لكافة الكميات في ما يتعلق بكل المواد المنجزة لأن تلك مهمة مكتب الدراسات و مكتب المراقبة…، قبل الإمضاء على بعض الأوراق كالسندات مثلا.

طيب. لعل هذه المقدمة المختصرة و المبسطة قدر الإمكان ستساعد على فهم ما يلي من نموذج لمشروع سكني ألا و هو “مشروع باديس” المعماري، الذي وقع فيه ربما تقصير في الأداء من طرف بعض المتدخلين أدى إلى توجيه تهم ثقيلة غليظة سريالية تجاوزت كل حدود المعقول في حق مهندسين معماريين من خيرة الناس و أطيبهم و من بين أفضلهم سلوكا و أخلاقا و كفاءة.

كيف يزج بالنزهاء الأكفاء الأبرياء الأمناء في ملف جنائي بتهم سريالية، “مشروع باديس” نموذجا

فحسب ما ورد في الصحافة هي تهم في حق 23 شخصا لهم علاقة مهنية ب”مشروع باديس”، تهم تتعلق ب ” تكوين عصابة إجرامية، و تبديد أموال عامة، و خيانة الأمانة، و النصب و تزوير وثائق رسمية و استعمالها، و اختلاس المال العام و التصرف في أموال غير قابلة للتفويت إلى آخر القائمة…” و المعنيين ب”مشروع باديس” هم: صندوق الإيداع و التدبير و الشركة العامة العقارية التابعة لصندوق الإيداع و التدبير، بالإضافة إلى المتدخلين من مكتب الدراسات، و مكتب المراقبة، و مكتب التنسيق و إدارة الورش، و مكتب الهندسة المعمارية، و المختبر…

في الحقيقة القوانين في مجال إنجاز المشاريع المعمارية كثيرة و متناقضة أحيانا في بعض بنودها و المسؤوليات تبدو متشابكة يصعب فرزها أحيانا، و لكن بإعمال قليل من المنطق ينجلي الضباب و تتضح الأمور. ولكن الظاهر أن العقلية السائدة عموما كما لدى الشركات الكبرى، من حجم “سي جي ئي ” مثلا، هو الإلقاء بكل المسؤوليات على كتف المهندس المعماري رغم أنه لا دخل له في اختيار لا المقاول المكلف بالإنجاز، و لا المختبر، و لا المهندس المدني إلى آخره…، بل يفرضون عليه من طرف صاحب المشروع الذي يضل فعليا المتحكم في كل شيء، مما يجعل المهندس المعماري يستعمل كشماعة تعلق عليه كل الأخطاء، و أينما كان خلل و لو خارج اختصاصه المباشر فهو يظل متهما بالمشاركة في كل الأخطاء التي يرتكبها الغير.

القوانين في مجال المعمار تشوبها ثغرات عديدة و تشكو في كثير من الأحيان من عدم الدقة و الغموض أيضا و العقود تحرر من طرف صاحب المشروع كيفما اتفق بأخطائها و تناقضاتها في بعض الأحيان، و لما نضيف إلى هذا الواقع مشكل الحكامة في الشركات العمومية و الشبه عمومية و الإدارات بصفة عامة، يتعقد الأمر أكثر فأكثر لمن يبحث فعلا عن الحقيقة، و ليس لمن يريد تنفيذ مخطط قضائي محبوك لا قدر الله لغاية في نفس يعقوب، أو دونما إعمال للعقل و المنطق في تنفيذ أعمى قد يثقل لوائح المظلومين في المغرب حيث القضاء مازال في طور الإصلاح إن شاء الله…

و بالتالي فكل قاضي تحقيق أو قاضي مقرر منصف نزيه على تمام الوعي بمسؤولياته الجسيمة لا بد و أن يستحضر هذه المعطيات و أن يتأمل جيدا الوضع الحقيقي الواقعي قبل أن يحمّل المسؤولية كلها على كل المساهمين في إنجاز المشاريع المعمارية بصفة عامة و بقسوة لا تطاق. فالواقع أن لا يخلو أي مشروع من مشاكل لو نظرنا إليها بمنظار القانون الجنائي دون مراعاة ظروف العمل في الأوراش على أرض الواقع، و دون مراعاة لدرجة تدني كفاءة اليد العاملة بصفة عامة و انعدام اليد العاملة المتخصصة حقيقة، و دون مراعاة للأعراف و التقاليد الإدارية المتداولة على أرض الواقع و التي وحدها تمكن من الاستمرار في إنجاز المشاريع الكبرى و المتوسطة ذات الوتيرة المتسارعة في المغرب، لأقفلنا كل المشاريع بدون استثناء، و لوجهنا تهم الاختلاس، و التزوير، و هدر المال العام، و السرقة، و النهب، و المشاركة في اختلاس المال العام للجميع دون استثناء أي أحد، لأننا سنكون قد أعملنا قانونا جافا مجحفا لا علاقة له بالواقع المعاش في مجال إنجاز المشاريع، قانون تطبيقه في غير محله يجعل اللص الحقير و النزيه الشريف في نفس المنزلة، منزلة المجرم الخطير، فكفانا تطبيقا لمبدأ “الحق الذي يراد به باطل” لأن عهد الظلم و المظالم الكبرى من المفروض أن يكون قد ولّى إلى غير رجعة إن شاء الله…

الرئيس المدير العام لصندوق الإيداع و التدبير جاء في إطار استمرارية و لم يصنع إدارة صندوق الإيداع و التدبير، و لا نظامه الإداري الناتج على تراكمات عملية منذ القدم صارت منهجا تلقائيا في العمل بدون مسطرة إدارية في إطار علاقات تلقائية مباشرة بين مكتب الهندسة المعمارية مثلا و صاحب المشروع و ممثليه، و كذلك الأمر بالنسبة لمدير الشركة العامة العقارية، فهو لم يصنع إدارة الشركة العامة العقارية و لا نظامها الناتج أيضا عن نفس التراكمات…

شكاية المواطن الذي اقتنى شقة من الشركة العامة العقارية التي يعرض فيها العيوب التي شابت شقته حركت ملفا ضخما بحجم الحكامة الجيدة بصفة عامة، و ذلك لأن ذلك المواطن استطاع أن يسلم شكايته شخصيا للملك محمد السادس نصره الله، و هذا من حسن حظنا جميعا في المغرب و كمغاربة نطمح إلى الحكامة الجيدة، فانطلقت التحقيقات و لكن كان ما كان من توجيه تهم ثقيلة جدا مبالغ فيها كثيرا على كاهل 23 شخص و من بينهم مهندسين معماريين من أطيب خلق الله من أصحاب الأخلاق الرفيعة و النزاهة الثابتة و المهنية العالية، كانت لهما مساهمة في تتبع الأعمال من بين المشرفين على “مشروع باديس” الذي يمتاز بجماليته المعمارية الملفتة و الملحوظة و التي تشكل لوحة فنية رائعة على أرض مدينة الحسيمة الأبية. فحسنا فعل بعض المشتكون من جودة شقق “مشروع باديس” الذين اشتروا شققا ثانية و ثالثة رغم تشكيهم من جودة شقتهم الأولى… فإذا كان هذا يدل فإنما يدل على كون المشكل متعلق بالخدمة بعد البيع و ليس بشيء آخر.

فإذا كنا نطمح و نسعى فعلا و حقيقة إلى ترسيخ قيم الحكامة الجيدة في بلدنا الحبيب فلا بد أن نفكر في الوسيلة الأنجع لتحقيق غايتنا. فالتاريخ أتبث أن المعالجة القديمة عن طريق اتخاذ أكباش فداء أبرياء لا تجدي نفعا، لأن المسألة أكبر من مجرد تطبيق قوانين جنائية قاسية جدا و جامدة لا تراعي حقيقة الأوضاع على أرض الواقع من طرف قضاة كان هدفهم إرضاء رأي عام وهمي، أو تبرير وجودهم، أو خلط الأوراق، أو إضفاء نار غضب شعبي في قلب شعب وعيه و تعليمه محدودين، فيريد الثأر لنفسه لأنه ملّ الفساد الإداري و الثقافي و الحقوقي و الإعلامي و السياسي و الصحفي بصفة عامة، و لم يعد يهمّه كشعب قلبه مشحون من هم الفاسدون المفسدون حقيقة و من هم المظلومون الأبرياء أكباش الفداء في أية قضية من القضايا…

لا. نأمل اليوم أن يكون قضاتنا أكثر حكمة واعون تمام الوعي بمسؤولياتهم الجسيمة أمام الله و التاريخ، و أمام الملك محمد السادس نصره الله، نأمل أن ينصتوا لضمائرهم الحية فقط، و أن لا يجعلوا أبدا قضية تقصير جماعي بحكم كثرة المتدخلين في تتبع ورش بناء قضية جنائية كبرى بتهم غليظة قاسية بدون رحمة بالمظلومين عموما و خاصة المهندسين المعماريين اللذان يتوفران على حسن نية واضحة، و اللذان تتبعا المشروع شخصيا و حضرا في كل المواعيد دون إيفاد ممثلين عنهما كما يفعل الكثير من المهندسين المعماريين، و كذلك الشأن مثلا بالنسبة لمكاتب في شتى التخصصات الذين يكتفون بإيفاد ممثلين بدون تجربة، و لكن كثرة المتدخلين في “مشروع باديس” و ضخامة صاحب المشروع جعلت المهندسين المعماريين دون أدنى سلطة فعلية تمكنهما من فرض توجيهاتهما و آرائهما.

دفاعا عن المهندسين النزيهين الشريفين المظلومين

1-هل الشركة العامة العقارية شركة عمومية مائة في المائة، و هل تتصرف كذلك أو أنها تتصرف كصاحب مشروع خصوصي تارة و كصاحب مشروع عمومي تارة أخرى…؟

2-كيف يمكن لمهندسين معماريين الإشراف على مشروع دون تعثر و الشركة العامة العقارية غيرت خمس مرات المدراء المكلفين بتتبع المشروع بعين المكان؟

3-كيف يمكن أن نحمّل المهندسين المعماريين مسؤولية تنفيذ أدق التفاصيل داخل الورش دون أن يتواجدا بصفة دائمة في عين المكان، حيث أن المهندسين المعماريين ليسا ملزمين قانونا بالحضور سوى مرتين في الشهر (الفصل 3 من عقد المهندس المعماري)، و دون أن تكون لهما سلطة فعلية و مباشرة على كل المتدخلين و العاملين في الورش، مع العلم أن الكل في الواقع يمتثل لأوامر صاحب المشروع و ممثليه الحاضرين بعين المكان و في الموقع بصفة دائمة؟

4-كيف يمكن تحميل المهندسين المعماريين، مهنتهم و تكوينهم الفن المعماري و جماليته و إنتاج التصاميم، مسؤولية الهندسة المدنية علما أن الشركة العامة العقارية هي التي تختار و تتعاقد مع جميع المتعاملين معها من مكتب الدراسات و مختبر و مكتب المراقبة إلى آخره…؟

5-كيف لا يعتدّ بتوفر المهندسين المعماريين على التقرير المنجز من طرف المختبر المختص في ما يتعلق بالإسمنت المسلح أو الخرسانة و عمل الهندسة المدنية لإسقاط المسؤولية على المهندسين المعماريين و لو في حالة ما إذا كان هناك فعلا خلل ما حقيقي بإثبات ذات مصداقية تامة…؟

6-كيف يمكن تحميل المسؤولية للمهندسين المعماريين و الشركة العامة العقارية تقرر، أثناء تنفيذ المشروع، بمناسبة زيارة الشقة النموذجية من طرف كبار مدرائها تغيير الأبواب الخشبية و زليج الحمامات و تجهيزات المطبخ، مع تنصيب مهندس ديكور بعقد يلزمه بتتبع المشروع من زليج و خشب إلى آخره…؟ ألم يؤذي ذلك إلى إرباك المهندسين المعماريين و إسقاط هيبتهما و سلطتهما الرمزية أو المعنوية و الفعلية كذلك؟ ناهيك عن كون الشركة العامة العقارية نصبت مكتب للدراسات، تواجده دائم في الموقع، و من مهامه أيضا الحسابات المدققة لكافة الكميات في ما يتعلق بكل المواد المنجزة أو المتواجدة فعليا و على أرض الواقع. فالمهندسين المعماريين أمضيا السندات بناء على تقرير و إقرار مكتب الدراسات، فأين مسؤولية المهندسين المعماريين هنا؟

7-لمّا يحضر في جميع اجتماعات الورش و غيرها من اجتماعات أخرى مدير مسؤول مهم في الشركة العامة العقارية صاحب المشروع، فبالنسبة لجميع  المتدخلين فأنه هو من يتخذ كل القرارات، فأين هي مسؤولية المهندسين المعماريين؟ و جدير بالذكر أن الفصل 3 من عقد المهندس المعماري ينص و يؤكد على أن صاحب المشروع هو صاحب القرار.

8-أين هي مسؤولية المهندسين المعماريين و الفصل 11 من العقد يقضي بأن صاحب المشروع يمكنه أن يقرر أي تغيير يريده من زيادة أو نقصان في حجم الأعمال المزمع إنجازها و بأن على المهندس المعماري الامتثال و أن لا يعترض أو يعارض إرادة صاحب المشروع ؟

9-قانون الصفقات العمومية ينص على أحقية و إمكانية و الحق في تجاوز قيمة المشروع ب10 في المائة دون ملحق للصفقة الأساسية. و إذا كان هذا التجاوز القانوني قد تم فعلا فلأن المختبر طلب حفر الأساسات بعمق أكثر مما كان متوقعا، و ذلك للوصول للتربة الجيدة مما استلزم المزيد من الاسمنت أو الخرسانة المسلحة و زيادة 7 و نصف في المائة  في قيمة المشروع (-مليون درهم تقريبا-) بموافقة صاحب المشروع و بتتبع و تنفيذ من مكتب الدراسات و مكتب المراقبة، فأين مسؤولية المهندسين المعماريين هنا من” تبديد الأموال العمومية” و “اختلاس المال العام”…؟ فأشغال و كميات الإسمنت المسلح أو الخرسانة المسلحة الموضوعة في الأساسات بالعمق المطلوب متواجدة في عين المكان فعلا و فعليا و تقرير الهندسة المدنية و المختبر يؤكدان ذلك. فأين مسؤولية المهندسين المعماريين هنا؟ فلا داعي حتى بالتذكير بالفصل 17 من عقد صفقة المقاولة الذي ينص على أن مهمة المراقبة و أخذ الكميات موكولة لكل من مكتب التنسيق و التسيير و مكتب الدراسات و صاحب المشروع.

و أما عن المختبر الخبير المعتمد من طرف المحققين أو السلطات، فهو طرف في المشروع كما أنه  منافس للمختبرات الأخرى، كان قد كلّف من لدن الشركة العامة العقارية بإعطاء النتائج الجيوتقنية و منسوب الحفريات و هو الذي أمر بتعميق الأساسات، و لكن لم يتم استدعاؤه من طرف الشركة العامة العقارية لتتبع عملية استكمال البناء في الورش و كلفت مختبرا منافسا له. و كيفما كان الحال و كانت كل الأحوال، أين هي مسؤولية المهندسين المعماريين هنا؟

و أما عن خبرة الخبراء المحققين، ففي إطار التحقيق في مدينة الحسيمة بعين المكان، فلقد وجه مكتب الخبرة المعتمد و الموفد من قبل المحققين لمهندس معماري تهمة عدم تطابق التصميم لما هو موجود، و أخذ يسطر على ما هو غير مطابق للتصميم حسب زعمه، ولكن المهندس المعماري نبهه أنه أخطأ كونه اعتمد تصميما آخر غير التصميم الحقيقي المتعلق بالمكان أو بالطابق بعينه أو بالبناية المعنية، ثم وجّهه المهندس المعماري إلى التصميم الصحيح المتطابق تماما مع ما هو موجود فعليا، فاعتذر مكتب الخبرة الخبير المعتمد من طرف السلطات في الحين للمهندس المعماري عن خطئه، ولكن كانت هذه التهمة قد تسربت لبعض الصحف التي لا تدقق و لا تتحقق من المعلومات و هكذا انطلق مسلسل تدمير سمعة مكتب الهندسة المعمارية بالباطل و باستخفاف لا يطاق.

فحذار من أخطاء الخبراء المعتمدين من طرف المحققين أو السلطات، فنفس مكتب الخبرة أو المختبر الذي أخطأ في اعتماد أو قراءة التصميم الصحيح و الذي اعتذر للمهندس المعماري عن خطئه، هو نفسه من أخذ العينات لفحص الإسمنت المسلح بعين المكان في إطار التحقيق، فأخذ العينة تستلزم إحداث ثقب مهم و غائر بدقة عالية باعتماد و التزام التصميم الصحيح تفاديا لإحداث أدنى ضرر بالبناية، فلا يجب مثلا على من يأخذ العينة إحداث ضرر بهيكل البناية كقطع قضيب أو قضبان حديدية أساسية من باب الخطأ أو الاستخفاف بالمسؤولية مثلا، و هو ضرر لا قدر الله قد يكون  من شأنه إحداث خلل خطير بالبناية… و على كل حال و في كل الأحوال أين هي مسؤولية المهندسين المعماريين هنا؟

و أيضا، نفس المختبر الخبير المعتمد من أجل التحقيق هو من أعطى تأشيرته على حسن تركيبة الإسمنت في المنبع بمركز الإسمنت التابع للمقاولة لما كان يعمل لصالح الشركة العامة العقارية، فكيف لما استغنت الشركة العامة العقارية عن خدماته، ثم عيّن بعد ذلك خبيرا لتقييم عمل منافسه صرح بأن تركيبة الإسمنت غير مطابقة للمعايير الضرورية؟ و على كل حال ما علاقة المهندسين المعماريين بكل هذا؟ أين هي مسؤولية المهندسين المعماريين هنا؟

10-و كيف يمكن اتهام المهندسين المعماريين بالتزوير أو المشاركة في التزوير في محرر رسمي بناء على نسخة (فوطوكوبي) لورقة من السندات أمضاها المهندس و أعطاها لصاحب المشروع، هذا الأخير -صاحب المشروع- الذي استنسخها و احتفظ بالنسخة في أرشيف إدارته الداخلية التي لا دخل للمهندسين المعماريين فيها أبدا ؟ فالمهندس المعماري لم يمضي على ورقتين بل على واحدة فقط، و أما الثانية فعبارة على نسخة (فوطوكوبي)  وضع عليها صاحب المشروع خاتم شركته و غيّر تاريخها، ربما لغرض إداري أو محاسباتي في ظل عادات أو أعراف إدارية جاري بها العمل، و على كل حال يستحيل عمليا استعمال الورقة من طرف أي أحد للأداء مرتين و بالأحرى نسخة (فوطوكوبي)، و كيفما كان الحال و كيفما كانت كل الأحوال فما علاقة المهندسين المعماريين الخصوصيين بالإدارة الداخلية أو المطبخ الداخلي لصاحب المشروع؟

11-كيف يحاسب المهندسين المعماريين على التسليم النهائي و القانون يمنح المهندس المعماري سنة كاملة للمراجعة بعد التسليم المؤقت، و مرت السنة و لم تظهر أية عيوب و لا شكاية، بل لم يمضي المهندسين المعماريين على التسليم النهائي إلا بعد سنتين تقريبا بدل السنة الواحدة القانونية، و كيف للمهندسين المعماريين أن يعلما بأية عيوب في الشقق و أصحابها المشتكون أقفلاها فور اقتنائها و ذهبوا إلى ديار المهجر حيث إقامتهم الدائمة؟ فهل كان يجب للعالم أن يتوقف إلى أن يعود أصحاب الشقق من ديار المهجر؟

12- و أما التذكير الذي لابد من استحضاره في كل لحظة و حين حتى يفهم الجميع من غير أهل الاختصاص هو أن مهمة المهندسين المعماريين تكمن في الشق الجمالي للمشروع، أي جمالية الشكل المعماري و مطابقة المشروع للتصميم المصادق عليه من طرف الوكالة الحضرية و الجماعة الحضرية، و أما الجانب التقني فهي مهمة مكتب الدراسات، و كذلك مكتب المراقبة الذي مهمته هو أيضا الجانب التقني، و كذلك المختبر الذي مهمته هو أيضا الجانب التقني.

فالإنصاف الإنصاف إن شاء الله العلي القدير الذي حرم الظلم على نفسه و جعله محرما بين العباد. و إن كان من خلل بسيط، خارج عن إرادة المهندسين النزيهين الشريفين (أنظر الفصل 16 من عقد المهندس المعماري)، فلا يستدعي بتاتا كل هذا التهويل المرهب و المرعب، كما أن حسن نية المهندسين المعماريين ثابتة واضحة لا غبار عليها. فالقضية قضية خدمة بعد البيع بين صاحب المشروع و الزبون المشتري و لا علاقة لها بتاتا بالمهندسين المعماريين. فالقانون رقم 016.89 المتعلق بمزاولة مهنة الهندسة المعمارية و إحداث هيئة المهندسين المعماريين الوطنية في مادته الأولى يحدد مهمة المهندس المعماري:

” تناط بالمهندس المعماري مهمة التخطيط المعماري للمباني و التجزئات العقارية و إعداد التصاميم المتعلقة بها و الإشراف على تنفيذها”.  يعني تنفيذ التصاميم المنجزة من طرف المهندس المعماري نفسه و ليس تنفيذ تصاميم الغير كالمهندسين المدنيين…

” و يمكن أن تناط كذلك بالمهندس المعماري مهمة مراقبة صحة البنايات الحسابية للمقاولين المساهمين في إنجاز الأعمال الخاصة بهذه العمليات”. “يمكن…”، و لكن في حالة مشروع باديس، فصاحب المشروع تعاقد مع مكتب للدراسات لهذه المهمة كما تعاقد مع مختبر و نصّب مكتب للمراقبة… و حدد مهماتهم، مما جعل المهندسين المعماريين خارج هذه الإمكانية.

” و يقوم المهندس المعماري بجميع أو بعض الأعمال المنصوص عليها في هذه المادة وفق الوكالة التي يسندها إليه عميله…”

خلاصة: يتضح إذا جليا بأن لا علاقة بتاتا للمهندسين المعماريين بكافة التهم المروعة و المهولة الثقيلة الغليظة التي وجهت لجميع المتدخلين في مشروع باديس، كما يتضح من خلال هذا العرض و من خلال قضية “مشروع باديس” أن جميع المهندسين المعماريين بدون استثناء في حالة سراح مؤقت…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!