في الأكشاك هذا الأسبوع

الإذاعات الخاصة في المغرب ومهمة تفكيك اللغة والهرج المعرفي

بقلم : نور الدين الحوتي

          تطرح تجربة الإذاعات الخاصة في المغرب؛ بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على الترخيص لها، لتأخذ مكانها في المشهد الإعلامي المغربي، أسئلة في غاية الأهمية، ترتبط في عمومها، بواقعين اثنين أسهمت هذه الإذاعات في التأسيس لهما، وكلاهما مرتبط بعلاقة سببية بالآخر: واقع إعلامي، وآخر مجتمعي.

.. نجحت عن سابق قصد حينا وبدونه في أغلب الأحيان، في “خدمة” المجتمع المغربي إعلاميا وتتجلى هذه الخدمة في مؤشرات كثيرة؛ أولها: أن هذه الإذاعات شكلت محليا، إعمالا حقيقيا لمبدإ “منبر من لا منبر له”. فقد وفرت هذه الأخيرة؛ وخصوصا في البرامج التفاعلية، “قنوات” بالمفهوم الإعلامي، لفئات عريضة من المجتمع المغربي كانت مقصية ومحرومة من أي منبر تستطيع التعبير من خلاله عن آرائها ومواقفها، حول ما يطرح للنقاش في الفضاء العام من قضايا.
من جهة ثانية، يسرت هذه الإذاعات الوصول إلى المعلومة، وغير ذلك مما يمكن أن يدخل في مسمى المعلومة بمفهومها التواصلي واللساني.
لغويا
، يمكن الحديث عن “تفكيك لغوي” قامت به هذه الإذاعات؛ ذلك أن أغلبها، إن لم نقل كلها، أضحت تتمثل عن سابق تخطيط حينا واضطرارا حينا آخر، ما يميل إليه المستمع “المستهلك” من الاختيارات اللغوية.

وبما أن هذه المنابر تفاعلية، فإن اللهجات الدارجة بمختلف أقسامها وبنياتها المفاهيمية ومستوياتها التركيبية والدلالية، زاحمت اللغة العربية الفصحى التي بدأت تغيب بمعناها الدقيق، حتى على برامج المنابر التي ظلت إلى عهد قريب آخر معاقل هذا “الاختيار اللسني”.

ومما يرسخ هذا التوجه، أن هذه المنابر شبابية في الغالب في أطرها “صحافيون ومنشطون

وتقنيون”، وفي الفئات المستهدفة (المتلقون أو المرسل إليهم). وهو ما يمكن في خضمه، رصد تشكيلات لغوية، لا يكاد يتبين لسامعها من أي فصيلة لغوية هي، خصوصا إذا استحضرنا معطى هاما يتعلق بتنوع الجذور اللسانية للواقع اللغوي المغربي المعاصر، هذا الذي تصب فيه روافد أمازيغية “بتشكيلاتها الثلاث”، ولاتينية بروافد ثلاثة كذلك “فرنسية، إسبانية، إنجليزية”.

معرفيا: لعل من أخطر المستويات التي يمكن رصدها في سلبيات الإذاعات الخاصة في المغرب، ما يمكن الاصطلاح عليه بـ”الهرج المعرفي والفوضى المعلوماتية”.

لقد أدى فتح هذه الإذاعات للتواصل بشكل مباشر مع مستمعيها، إلى ظهور “قيادات فكرية جديدة”، تمثلت في جيل من “الخبراء” يتولون “الإفتاء” في مختلف القضايا، سياسية، ودينية، وطبية، واجتماعية… وهذا ما عبر عنه الدكتور عبد الله الغذامي بـ”سقوط النخبة وبروز الشعبي”، لما تناول هذه المسألة في كتابه “الثقافة التلفزيونية”، وإن كان حديثه في هذا الأخير عن وسيط تواصلي آخر.

ويتجرأ المتدخلون في البرامج الإذاعية التفاعلية من غير المتخصصين (وقد يكونون كذلك)، في مداخلاتهم على الخوض في مواضيع تحوز كل مقومات ما ينبغي “إلجام العوام عن الخوض فيه”؛ كما يقول أبو حامد الغزالي.

إن خطورة هذا الأمر تتجلى في كون “المداخلات” تتحول إلى “كلام” يتناقله سامعوه، وبعد مدة يغدو هذا الكلام “معلومة رائجة”، قبل أن يرتقي سلمية اليقين ليصبح “حقيقة علمية متواترة”، كوصفات الطب البديل، وفوائد بعض الأطعمة التي يصرح بها على أثير هذه الإذاعات. 

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!